الالتزام الذاتي

 

في القرن الماضي عاش رجل يدعى كوب كاب ماير Kop Kopmeyer، كان باحثا عن النجاح فحاول أن يجمع أكبر قدر ممكن من طرق النجاح، وأخيراً وضع كتاباً أسماه (ألف مبدأ في النجاح) في أربعة أجزاء وكل جزء يضم مئتين وخمسين مبدأ، ولحسن حظ الخبير بريان تريسي الذي كان في بداية حياته المهنية فقد التقى بكاب ماير بعد قراءته لكتابه السابق الذكر، فسأل بريان الكاتب كاب ماير عن أهم هذه المبادئ كلها، فأجابه كاب ماير قائلا: إن أهمها هو عادة الانضباط الذاتي Self Discipline التي إذا لم تمتلكها فلا تستطيع أن تحقق المبادئ الباقية.

وقد عرف كاب ماير الانضباط الذاتي بأنه: “أن تحمل نفسك على أن تفعل ما يجب عليك أن تفعله، عندما يجب عليك أن تفعله، سواء أعجبك ذلك أم لا”.

فكم منا رسم هدفا أو أهدافا ولم يحققها، وكم منا عزم على فعل شيء ولكن بعد مدة تكاسل ولم يعد يعيره أي اهتمام، وكم منا بدأ ورده اليومي في الأسبوع الأول والثاني وبعد ذلك لم يعد يفعل أي شيء، وكم منا بدأ يحفظ القرآن وبعد مدة ترك الحفظ وهاجر القرآن…واللائحة طويلة.

ثبت عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ»[1].

وعَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَشْعَثَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ مَسْرُوقًا، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَيُّ العَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: «الدَّائِمُ»[2].

وعَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، قُلْتُ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، كَيْفَ كَانَ عَمَلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ؟ قَالَتْ: «لاَ، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَطِيعُ»[3].

قال الإمام النووي رحمه الله: ” قولها: (كان عمله ديمة)” أي يدوم عليه ولا يقطعه”[4]. وقال الحافظ ـــ رحمه الله : قَالَ أَهْل اللُّغَة : الدِّيمَةُ مَطَرٌ يَدُومُ أَيَّامًا، ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَسْتَمِرُّ” .[5]

من خلال ما سبق يتبين أن النبي صلى الله الله عليه وسلم كان إذا عمل عملا أثبته وهذا هو الالتزام الذاتي بعينه، فأن تلتزم بوردك اليومي هذا عمل مستمر ودائم ويعطي أكله بإذن الله تعالى لصاحبه، أن تلتزم بخطتك لتحقيق هدفك هذا عمل دائم ومستمر سيحقق لك النجاح الباهر بإذن الله تعالى.

فالالتزام الذاتي هو أحد العناصر الأساسية للنجاح في كل مجال من مجالات الحياة، فلا يمكن تحقيق الاهداف بدون الالتزام الذاتي، ولا يمكن أن تتحول الاحلام إلى حقيقة بدون الالتزام الذاتي. فمن تحمل مشاق الالتزام الآن، سيستمتع بالنتائج فيما بعد، ومن تهاون وتكاسل الآن، فلن يحقق أي نتائج فيما بعد.

 

 

 

[1] ــــ صحيح البخاري، كتاب: الرقاق باب: القصد والمداومة على العمل، رقم الحديث 6465

[2] ــــ صحيح البخاري، الرقاق باب: القصد والمداومة على العمل رقم الحديث 6461.

[3] ــــ صحيح البخاري، الرقاق باب: القصد والمداومة على العمل رقم الحديث 6466.

[4] ـــــ المنهاج شرح صحيح مسلم، لأبي زكريا محي الدين يحيي ين شرف النووي (المتوفى : 676هـ)، دار إحياء التراث العربي ــ بيروت، ط 2، سنة 1392، ج6،  ص 72.

[5] ـــ فتح الباري شرح صحيح البخاري، لأبن حجر العسقلاني، دار المعرفة ــ بيروت، 1379، ج4، ص 236.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: