منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الإعجاز الغيبي في القرآن المجيد

0
اشترك في النشرة البريدية

  لقد كان القرآنُ نبأً عظيماً بحق!

        إنه المعجزة الكبرى، والبيان الخالد؛ الذي لا يأتيهِ الباطلُ من بين يديْهِ ولا مِن خلْفِه!

       فما أعظمه مِن كتابٍ؛ تفجَّرت منه سائر الفنون والعلوم؛ كعِلْمِ النحو والبلاغة، والفقه والتفسير، وعِلْم النفس والمنطق والمناظرة، وعِلْم الجَمَال والأخلاقِ، والتاريخ والآثار، والطب والفلَك والهندسة والعمران، والجيولوجيا والفيزياء، وغيرها مِن العلوم.

     وما أشرفه مِن كتابٍ؛ جرى على نَسَقٍ بديعٍ مِن السموِّ في جمال اللفظ، وعمق المعنى، ودِقَّة الصياغة، وروعة التعبير، وتنقُّلهِ بين التشريع والقَصص والمواعظ والحُجَج والوعد والوعيد والترغيب والترهيب، تحت ظلالِ ألفاظهِ ومعانيهِ المصاغة لمخاطبة سائر الناس باختلاف مداركهم وثقافاتهم، وعلى تباعد أزمانهم وبلدانهم، ومع تطوُّر علومهم واكتشافاتهم.

المزيد من المشاركات
1 من 30

وقد شهِد بهذه الخصائص القرآنية؛ “غير المسلمين” وسجَّلوا ذلك في اعترافاتهم: فها هو ذا المستشرق الفرنسي “ماردروس” الذي كلَّفَتْهُ وزارتا الخارجيَّة والمعارف الفرنسيَتان بترجمة اثنيْن وستِّين سُورة مِن القرآن؛ فلم يتمالك نفسه من عظمة البيان المعجِز؛ فأشهر إسلامه،  وقال في مقدِّمة ترجمته الصادرة عام 1926م: “أمَّا أسلوب القرآن فهو أسلوب الخالِق جلَّ وعلا؛ فالأسلوب الذي ينطوي على كُنْهِ الذي صدر عنه هذا الأسلوب لا يكون إلاَّ إلهاً، والحقُّ الواقع أن أكثر الكُتَّاب شكًّا وارتياباً قد خضعوا لسلطان تأثيره”(1).

  انظر ماذا صنع القرآنُ مع ذلك المستشرق الفرنسي! لقد ارتقى بوجدانه، وأنار قلبه؛ فلمْ يتوانَ بعد ذلك إلاَّ أن يصبح جندياً للإسلام، ويضطلع بترجمة الروائع الإسلامية إلى اللغة الفرنسية!

 شتّان بين الباحث عن الحق، وبين المحارب للحق!

   شتّان بين هذا الباحث الموضوعي، وبين التغريبيين والماركسيين والعلمانيين من بني جلدتنا؛ الذين استمرأوا السخرية من الحق، وأسرفوا في تكذيب النبوَّة، ولمْ يتركوا سبيلاً إلاَّ وسلكوه!

   وهذا الكتــاب الجديد (شواطئ المرجان حول إعجاز القرآن) يردّ على السفهاء والمعاندين والجاحدين، وذلك عن طريق عرض مئات الشواهد والقرائن من ألوان الإعجاز القرآني التي لا يَملِك الإنسانُ أمامها إلاَّ أن يخرّ ساجداً لله!

    هذا الكتــاب (شواطئ المرجان حول إعجاز القرآن) الصادر عن “مؤسسة دار المعارف” المصرية؛ يعرِض مئات البراهين والأدلَّة من ألوان التحدِّي القرآني المستمر إلى يوم الدِّين!  مثل: الإعجاز اللغوي، والبياني، والعلمي، والغيبي، والنفسي، والصوتي، والجيولوجي، والتشريعي، والاقتصادي، والفلكي، والطِّبي، والتاريخي، والسمعي، والتقابلي، والهندسي، والتربوي، والرقمي، والجعرافي، والفيزيائي، والتأثيري، والبيولوجي، والتصويري، وغير ذلك من ألوان الإعجاز التي كشفت عنها ثورة التكنولوجيا، وفيضان المعارف والعلوم الحديثة.

        وسنقف هنا أمام “الإعجاز الغيبي” في القرآن المجيد فقط؛ فالقرآن زلزل الدنيا بإخبارهِ عن الغيْبيات؛ إذْ قصَّ مِن أخبار الأُمم الماضية، وأخبار الحضارات القديمة وما فيها من أحداث وعِبَر، قصَّها بأحسنِ أسلوبٍ وألطف عبارة، ابتداءًا بقصَّة آدم(ع) ومراحل تكوينهِ ونفْخ الروح فيه، مروراً بقصص الأنبياء والرسل والابتلاءات التي لحقتهم في سبيل دعوتهم، والمعجزات التي أيَّدهم اللهُ بها، وموقف أقوامهم منها، وما تخلَّل ذلك مِن مواقف تربويةٍ ومواعظ جليلة، والعقاب الإلهيّ الذي حلَّ بالمُعرِضين والجبابرة المتألِّهين عن قبول دعوة الأنبياء.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

  ووجْه “الإعجاز الغيبي” في ذِكْر تلك القصص: هو أنَّ البيئةَ العربيةَ لم تكن على عِلْمٍ بها، سوى ما ورد ذِكْره مِن إشاراتٍ مجملة، أمَّا تفاصيلها فلم يكونوا على عِلْمٍ بها، وهذا يُثبت أنَّ (مُحمَّــداً) عَلِمَ بها مِن مصدرٍ آخَر، ويشير القرآنُ إلى ذلك بقوله: ]تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا[[هود:49].

    أمَّا “أهل الكتاب” فلم تكن تلك الأخبار الدقيقة معلومة حتى عند أحبارهم وعلمائهم، ومع شدَّة حرصهم على تكذيب الرسول وإبطال دعوته؛ فلمْ يَدَّعِ أحدٌ منهم قيامهِ بتعليمهِ أيّاً مِن تلك العلوم.

   وإذا أضفنا إلى ذلك: أنَّ النبيّe كان أُمّياً لا يقرأ ولا يكتب، فلم يكن مِن المتصوَّر أنْ يتلقّى مثل هذه الأخبار عن كُتُب أهل الكتاب، وبالتالي لا سبيل إلى معرفة تلك التفاصيل إلاَّ عن طريق الوحي، ولهذا المعنى أقرَّ كبار الأحبار بصِدق النبيّe في رسالته، فحين أتى وفد من علماء اليهود إلى رسول اللهe وقالوا له: “يا أبا القاسم، حدِّثنا عن أمورٍ نسألك عنها، لا يعلمهنَّ إلاَّ نبيّ”، وكان فيما سألوه: “أيُّ الطعام حرَّم إسرائيلُ على نفسهِ قَبل أن تُنزَّل التوراة؟ فقال لهم: (أُنشِدكم باللهِ الذي أنزل التوراةَ على موسى؛ هل تعلمون أنَّ إسرائيل مرض مرضاً شديداً فطال سقمه، فنذر للهِ نذراً لئن شفاه اللهُ مِن سقمه ليُحرّمنَّ أحبَّ الشرابِ إليه، وأحبَّ الطعام إليه، فكان أحبّ الطعام إليه لحم الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها؟ فقالوا: “اللهمَّ نعم”. 

   كما ورد في القرآن أخبارٌ كثيرة عن الأنبياء والصالحين، وما جرى لهم من أحداث: كقصَّة أصحاب الكهف، وأصحاب الأخدود، وقصة موسى مع الخِضْر، ويوسف وإخوته، وتمكين ذي القرنيْن، ووصايا لقمان، وتفاصيل ما حدث لأحد أنبياء بني إسرائيل (عُزير أوْ حزقيال) الذي أماته اللهُ مائةَ عام، ثمَّ بعثه ليُطلِعه على حقيقة البعث والنشور … فهذه وغيرها مِن الأخبار التي وقعت في الأُمم السابقة، وأخبر عنها القرآنُ؛ تضيف بُعداً جديداً للدلائل الكثيرة على صِدق النبوة الخاتمة، التي شرفت بنزول القرآن المجيد.

   وعندما فاجأ القرآنُ العالَمَ بذِكْر أخبار تلك الأُمَم ومآلها؛ أنكروها كلية، وظلَّ الغربيون إلى عهدٍ قريب معاندين ومُكذِّبين لهذه الأخبار والقصص القرآنية الغيْبية، بزعم أنَّ كُتبهم لم تذكرها! 

    لكن لمْ تنقضِ على هذا الموقف الرافض فترة طويلة؛ حتى ثبت لهم خطأ علومهم، وتجنِّيهم على الوحي الإلهي، فأصبحوا اليوم أقرب إلى الإيمان والأناة في تمحيص الحقائق، وراحوا يُعيدون النظر فيما قرروه آنِفاً على ضوء الكشوف العلمية الحديثة، ومنها كشوف الجيولوجيا والحفريات، وكشوف الأرصاد الفلكية وسيْر الكواكب والمجرَّات وعوارض الكسوف والخسوف.

    لقد أنكروا قصة (الطوفان والسفينة)! ثمَّ أثبت العلماءُ الحفريُّون هذه القصةَ بعدما وجدوها مكتوبةً على حجارةٍ قديمة مِن آثار وادي النهريْن، ووجدوها منقولة متواترة على الألسنة والآثار بين أقوامٍ كثيرين مِن أُمَم المشرِق والمغرِب.

  وأنكروا قصة (عاد، وثمود) وزعموا أنَّ هذه القبائل لم يكن لها وجود تاريخي؛ لأنها لم تُذكَر في تاريخ العهد القديم، فتبيَّن لهم مِن مراجعة المؤرخين الأقدمين أنها مذكورة في تاريخ بطليموس، وأنَّ “عاد إِرَم” هي عادراميت اليونانية Adramitae وأنَّ أخبارها محفورة على آثار هيكل “مدْيَن” التي عثر عليها المؤرخ التشيكي “موزيل”.

  وأنكروا قصة (سيْل العَرِم، وقصة أبرهة الحبشي وهلاك جيشِه) فلمْ يمضِ زمنٌ حتى وجدوا آثار السد، ووجدوا عليها اسم أبرهة مُلقّباً بالأمير (التابع لمَلِك الحبشة وسبأ وريدان وحضرموت واليمامة وعرب الوعر والسهل) ووجدوا خبر وباء “الجُدري” الذي أهلك جيشه مكتوباً في بروكوب مؤرخاً بالزمن الذي ابتدأ بعام الفيل.

   كما أنَّ القرأن سبقَ العلماءَ المحدثين في القول بتقارب اللغات السامية؛ قبل أن يدرس هؤلاء مقارنة اللغات والأجناس، باعتبار أنَّ التقارب مَردُّه إلى أبي الأنبياء إبراهيم(ع).  

  وهكذا؛ سيظل القرآنُ المرجِع الوحيد في حوادث تلك الأزمنة. وإنَّ بعض الأحافير والكشوفات التي تحقَّقتْ حتى الآن كفيلة بأن تهدي العميان إلى نور الإيمان، خاصة بعدما أثبت علماءُ الغرب وفلاسفته أنَّ كُتبهم “المقدَّسة” تملأ العقلَ والضمير بالحيرة والاضطراب، لأنَّ بعضها يلغي البعض الآخَر، وأنَّ صحة بعضها تتوقف على صحة ما سواها، وكلها من الأفكار والآراء المضافة في ظروف تاريخية مجهولة، ما جعلها تتصادم مع حقائق العِلْم والإيمان الصحيح. 

 لكن “القرآن” جاء ليُخبِر الناسَ بالغيْبيات التي تتقاصر أمامها العقول، سواء كانت الغيْبيات مِن أخبار وقصص حضارات اندثرت، أوْ مِمَّا سيراه الناسُ في المستقبل. 

   فانظر إلى قوله تعالى عن أعتى الحضارات البائدة:﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ(الفجر: 6).  ويقول عن جبروت قوم عاد:﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ(فصلت: 15). ومِمَّا قاله نبيُّهم هــود(ع) لهم: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ(الشعراء: 128). فهذه الآيات وما بعدها تشير الى التقدُّم الهائل فى العمران والزراعة والصناعة والقوة الحربية التي كانت عليها تلك الأمم، لكنهم جحدوا نِعَم الله، وتجبَّروا، واستكبروا في الأرض بغير الحق؛ فحقَّ عليهم العذاب!

  موضع الإعجاز: أنَّ مَن يتأمل الآيات القرآنية المتعلِّقة بقصص الأمم البائدة، ويُمعِن النظر في الوصف القرآني للأماكن التي سكنها هؤلاء الأقوام يتوصل لحقيقة قطعية: أنَّ هذا الوصف لا يمكن أن يصدر عن بشر؛ لِمَا فيه مِن معلومات بالغة الدقَّة لا يمكن أن يفطن لها البشر خاصة إذا ما مرُّوا بتلك الأماكن مروراً عابرا. ولقد أشار القرآنُ إلى أبرز أثرٍ مِن آثار ثلاث أُمَمٍ بائدة في “سورة الفجر” وهي (عاد، وثمود، والفراعنة) وذلك في قوله تعالى﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ. إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ. وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ. وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ(الفجر:6-10). فأمَّا آثار قوم عاد فهي مدينة “إرم” المنكوبة بمنطقة الأحقاف مِن اليمن إلى عُمان، وأمَّا ثمود فقد اشتُهِروا ببناء بيوتهم في داخل صخور الجبال شمال الجزيرة العربية، وهي ما تعرف بـ”مدائن صالح”، وأمَّا الفراعنة فآثارهم معروفة في مصر.

   فمن عظمة الإعجاز القرآني: أنه نقل أخبار تلك الأمم البائدة، وأشار إلى مواقعها الجعرافية، وما آتاهم اللهُ مِن قوة ومهارة، وسرد مراحل تكذيبهم لأنبيائهم؛ وماذا قالوا لهم؟ وبماذا أجابوهم؟ وماذا كانت النتيجة؟ بلْ نرى مدى دِقَّة الوصْف لنوع العذاب الذي حلَّ بهم، وموعده ليلاً أوْ نهاراً، وغير ذلك مما أخبر به القرآن المجيد … فسبِّح باسم ربك العظيم!

    غيْبيات تحقَّقت في عصر الرسالة

      هناك الكثير مما ذَكَره القرآنُ مِن غيْبيات وبشارات تحقَّقت في عصر الرسالة، كإخباره بقرب انتصار الروم على الفُرس الأقوياء: ]غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ[[الروم: 2-4]. وبشارته لرسولهِ وللمؤمنين بالحج ودخول المسجد الحرام، والنصر الأكبر بفتح مكة: ]لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً[[الفتح:27]. ووعده للمؤمنين بالتمكين لهم ولدِينهم: ﴿ليُظهِره على الدِّين كله[الصف:9]. وقوله: ]وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً[[النور:55]. 

لقد حدث كل هذا كما أخبر القرآن؛ فقد انتصرت الرومُ على فارس، وفُتِحتْ مكة، ودخل الناسُ في دِين الله أفواجاً، واتسعت أُمة الإسلام حتى بلغت شواطئ الأطلسي غرباً إلى سواحل الهادي شرقاً، ومِن قِمَم القُطب الشمالي إلى أدغال أفريقيا جنوباً.(2) 

   ومِن شواهد الإعجاز الغيبي في القرآن: توصيفه لجُبن اليهود وطبيعتهم النفسية الانهزامية:  قال تعالي ﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ(الحشر:14). فهذه الآية جاءت بعد قوله تعالى: ﴿لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ(الحشر:13), لأنَّ شدة الرهبة من المسلمين تشتمل على شدة التحصُّن لقتالهم، أيْ: لا يقدرون على قتالكم إلاَّ في هذه الأحوال.

  وخوف اليهود مِن الأمم المحيطة بهم كان شعوراً مسيطراً دوماً عليهم، فعاشوا عبر التاريخ وراء القُرى المُحصَّنة‏,‏ والجُدران المرتفعة‏,‏ والموانع والعوائق الشاهقة‏,‏ وفي الأحياء المغلَقة‏‏.‏

وتاريخ اليهود يؤكد صدق القرآن الكريم بهذه الإشارة الربانية ﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُر. وقد أفاض العلماءُ في بيان طبيعة القُرى المحصَّنة لليهود عبر التاريخ, والتي كان مِن أحدثها: “خط بارليف” الذي أقاموه بعد حرب حزيران 1967م, و”الجدار العازل” الذي أقاموه 2003م بعد أن سيطروا على أغلب الأراضي الفلسطينية, فذلك أكبر دليل على الخوف المسيطر على نفوسهم، والذي لا ينفكّ عنهم حتى ولوْ انتصروا على خصومهم. 

  وكما حكم القرآنُ على أبي لهب وامرأته بالموت علي الكُفْر، والعذاب الشديد ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ. سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ. وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ. فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ(المسد: 1-5), فما استطاعا الفكاك مِن حُكْم الله -ولوْ بالكذب والنفاق؛ كذلك حكم علي اليهود بالاختباء وراء الجُدُر، والجُبن الذي لا فكاك منه حتي تقوم الساعة. 

   وقد استخدم  الفعل المضارع ﴿يقاتلونكم, ليشمل الحاضر والمستقبل. أيْ: في زمن النبيّe وبعد زمنهِ إلى قيام الساعة, فيا لهُ من “إعجاز غيبي” في وصف “العقيدة الجدارية لليهود”, وقد صدَّقها واقعُ اليهود قديماً وحديثاً, وصَدَقَ رسولُ اللهe القائل: “‏لا تقوم الساعةُ حتى يقاتل المسلمون ‏‏ اليهود، فيختبئُ اليهوديُّ مِن وراء الحجَر والشجر، فينطق الحجَر والشجر: يا عبد الله؛ ورائي يهودي تعال فاقتله؛ إلاَّ ‏‏ الغرقَد ‏ ‏فإنه مِن شجر ‏‏ اليهود”(رواه مسلم).

إعجــاز قرآنــي تنتظره البشريـة

 هذا؛ ويُخبِر القرآنُ أنَّ الدنيا سوف تأخذ في الزخرفة والتزيُّن، وأنها ستشهد نهضةً علميةً وقفزةً حضارية هائلة في مختلف العلوم والاكتشافات والاختراعات؛ حتى تظنّ البشريةُ أنها قادرة على التحكُّم فى الأرض بما فيها مِن رياحٍ ومحيطات وجليد وصحارى وغلاف جوي … وهذه المرحلة ستكون قُبيْل قيام الساعة، وهو ما عبَّر عنه القرآن بقوله: ﴿حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(يونس: 24). 

    ومِن الإعجاز الغيبي المستقبلي: ما يشاهده الناسُ قُبيْل الساعة كإحدى علاماتها الكبرى، وهو خروج (يأجوج ومأجوج) الذين آثارهم مازالت باقية إلى الآن، كما لا تزال لهم علاقة غامضة بسطح الأرض، وعلاقة غامضة بأهل الأرض! هذا الخَلْق الغائب الحاضر (يأجوج ومأجوج) قبائل تعيش فى باطن الأرض إلى الآن، يفصلهم عن البشر سد أوْ ردم، وسيزول هذا السد أوْ الردم قُبيْل قيام الساعة كما أخبرنا القرآن بذلك؛ ففى سورة الأنبياء: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ…(الأنبياء: 96 – 97). وقد جاء وصف القرآن رائعاً ومُوحياً لكيفية خرجهم من باطن الأرض إلى سطحها، فالتصوير هنا كأنَّ سطح الأرض قد انفتح فجأة ثغرات فى كل مكان، وظهرت جموع يأجوج ومأجوج من كل مكانٍ يأتون مُهرولِين. أوْ بتعبير آخَر كأنَّ الأرضَ كانت حبلى بأولئك الخَلْق، ثمَّ نثرتهم فجأة على سطحها، كأنهم يتوالدون ويتناسلون من داخلها. 

  وفي سورة الكهف جاء تفصيل أكثر عن قبائل “يأجوج وماجوج”، إذْ بدأ الحديث بهم عن المَلِك العظيم (ذي القرنيْن) الذي خلَّص الناسَ مِن شرورهم، فقد أعطى اللهُ “ذا القرنيْن” هيمنةً على الأرض تفوق هيمنة يأجوج ومأجوج: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً. إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا(الكهف: 83-85). واستخدم تلك القوة فى حجْز يأجوج ومأجوج داخل جوف الأرض، وإقامة سد أوْ ردم يحجز بينهم وبين الناس.

   وقد جرى حوار بين الناس وبين ذى القرنيْن: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا(الكهف: 94 – 95). فهذا تمكين إلهي لـ”ذي القرنين”لإقامة السد الحاجز الذى سيظل مانعاً لاختلاط يأجوج ومأجوج بالبشر إلى أن تقوم الساعة، ونقرأ قوله تعالى عن يأجوج ومأجوج، وذلك الردم أوْ السد:﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا. قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا(الكهف: 97-98).

  هذا؛ وقد ظهر فى الثمانينيات من القرن الماضي كتاب لباحث غربى، يؤكد أنَّ باطن الأرض مسكون بحضارة قديمة كانت متقدمة علمياً، ثمَّ توالى صدور الكتُب في ذات الشأن.

    جدير بالذِّكْر: أنه منذ أنْ نزلت قصة ذي القرنين ويأجوج ومأجوج بسورة الكهف؛ لم يتوقف العلماءُ في محاولة كشف أسرارها، على الرغم مما اتَّسمت به من الغموض والغيْبيات والطلاسم والأسرار العلمية التي تحتوي على كثيرٍ من ألوان الإعجاز في مجالات الجغرافيا والآثار والعقائد والفلسفات واللغات، وعلوم الكيمياء والفيزياء والهندسة والفَلَك والإدارة وعِلم الأجناس والتاريخ … كمغرِب الشمس، ومَطلع الشمس، وزُبُر الحديد، والردم، والنحاس المُنصهِر، وقبيلة يأجوج ومأجوج، وأسرار الحياة والتاريخ والشعوب وأخبار البشر على وجه الأرض عند بلوغ ذي القرنيْن إلى هذه الأماكن (حوالي 1330 ق.م)، وأركان عقيدة ذي القرنين، وطبيعة الردم الذي بناه، والزمان الذي بُنيَ فيه، والذي لا زال قائماً في إحدى المقاطعات الصينية إلى يومنا هذا -كما جاء في كُتُب التاريخ الصيني القديم- وأنَّ بلاد “بيْن السدَّيْن” أيْ: بلاد الصين، حيث بنَى “ذو القرنيْن” الردم –السور العظيم- ثمَّ أخذ هو وصحبه وأسرته في نشر الدعوة لعبادة الله –سبحانه- في بلاد الصين، وبعدها حكم تلك البلاد، واستمر الحُكْم في خلفائه لمدة 800 عام.(3)

     وهناك الكثير من الغيْبيات التي أخبر بها القرآن، لاسيما فيما يتعلق بأشراط الساعة: كخروج (الدابَّة) التي تُكلِّم الناس:﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾(النمل: 82). ونزول المسيح(ع)﴿وإنَّهُ لعِلْمٌ للساعةِ فلا تَمْترُنَّ بها واتَّبِعُون﴾!

  مِن هنا نعلم: أنَّ الإعجاز القرآني سيظلُّ مصدراً للعلوم والمعارف بلا توقُّف، لاسيما بعدما امتلك الانسانُ الكثير مِن مفاتيح العِلْم، وسباقهِ المحموم نحو السيطرة على الكواكب والأجرام الفضائية القريبة .. مِما يكشف لنا عن قوله تعالى: ﴿حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(يونس: 24). وفي الشوط الأخير مِن عُمر الدنيا؛ عندما يظنّ الناسُ أنهم متحكِّمون فى الأرض ومُمسِكُونَ بزمامها، ومسيطرون على جموح الطبيعة، والأوبئة والمجاعات، وأنهم قادرون على التنبؤ بالأعاصير والزلازل والبراكين؛ سيفاجأون بالزلزال الأكبر الذى ينسِف الأرضَ وما عليها: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ(النازعات: 6- 7). ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا(الفجر: 21). ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا(الزلزلة: 1- 4). وهذا يستدعي المزيد مِن الربط بين التقدم العلمي المتصاعد باطِّراد وبين الاقتراب السريع من ساعة الصفر الإلهية حين يحلّ العدم بالعالَم وتقوم الساعة(4). 

____________________

(1) كتاب “مُحمَّــــد مُشْتهَى الأمم” الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2019م.

(2) القرآن يتحدى، مكتبة الزهراء، القاهرة، 2018م.

(3) فَك أسرار ذي القرنين ويأجوج ومأجوج، حمدي بن حمزة أبو زيد، الرياض.

(4) مرآة الجنان في إعجاز القرآن، محمد القوصي، القاهرة، 2017م.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.