أفيون الجماهير

أفيون العصر

عندما أطلق “كارل ماركس” قولته الشهيرة “الدين أفيون الشعوب” أو “الدين أفيون الجماهير” كما في ترجمات أخرى عن العبارة الأصلية باللغة الألمانية Die Religion … ist das Opium des Volkes”  التي حاول أن يختزل من خلالها دور الدين في المساهمة القوية في خنوع الفئات الإجتماعية المسحوقة،  و عدم تحركها و مجابهتها للظلم و استبداد الدولة الدينية.. فهو لم يقصد فقط فعل الدين نفسه في أفراد المجتمع، كوسيلة تدميرية ذاتية، من حيث استفراد المعتقد الغيبي بالذات البشرية، و تحييدها عما يمكن أن يكون سببا في أي تطور أو تقدم. بل أكد أيضا–و هو ما نجده مدبجا بوضوح على طول فقرات مقدمة كتابه “في نقد فلسفة الحق عند هيغل”- أن الدين يستخدم حصريا من طرف الدولة الحاكمة المستبدة لتخفيف الآلام و تهدئة الشعوب، و كبح ثوراتها و مطالبها في التغيير.

إن “كارل ماركس” تناول المسألة الدينية باعتبارها الوسيلة المعتمدة من طرف الدولة الحاكمة المستبدة القاهرة لشعبها، في حيز زمني و مكاني محدد، لبسط سيطرتها السياسية و تسخير الكنيسة إذاك كمرشد فكري و أيديولوجي لديمومة الاستغلال الطبقي، و وضع الشعوب بموضع المتلقي الخاضع بشكل سلبي، و ليس باعتبارها المحرك الأساسي للتغيير.

لست هنا بصدد مناقشة أفكار “كارل ماركس” حول الدين، و لست مؤهلا للدفاع لا عن الدين، و لا لمناكفة و دحض ما يعتقد هذا الفيلسوف الكبير أنه صحيحا. لكن ! أعترف أني معجب بشكل كبير بعمق الفكرة، من حيث كونها تجسد واقعا عابرا للزمان، و غير مرتبط إلى الأبد ببيئة أو مكان محدد. و عمق ما تقدم به “كارل ماركس ” هنا هو فضح المحاولات الدائمة عبر التاريخ لقوى الإستبداد بشغل الناس عن همومهم الاستراتيجية، بأمور تجد لها صدى في خواطرهم، و تكون حاجزا بينهم و بين تحقيق الإزدهار الجماعي، في نفس الوقت الذي تخدم فيه بشكل قوي مصالح الحكم المستبد، و ليس الدين هنا هو القادر فقط على لعب هذا الدور في كل العصور.

إن تعميم الحديث عن أن الدين  أفيون للشعوب بدون تحديد أي دين هو المقصود، و بدون الـتأكيد على الاختلاف الجوهري بين السياقات التاريخية، و البنيات الذهنية، و المقومات الحضارية للبيئة التي نشأ فيها رواد هذا الطرح الفلسفي، و بين نظيره في بلدان الشرق الإسلامي و مغاربه، و بدون التأكيد على أن عمق الفكرة أوسع من أن يتم الحجز عليها في قفص فاعل واحد، هو نفس التعميم المخل الذي يمكن أن يحصل إن تمت المقارنة في هذا العصر بين ممارسة كرة القدم، و سياسة كرة القدم، و عشق كرة القدم في الدول المتقدمة، و تعلق شعوب هذه الدول بها، و بين الممارسة و السياسة و العشق لنفس الرياضة عند مجتمعات الجنوب المتخلف، فهؤلاء كرة القدم عندهم مختلطة بالعقد الاجتماعية و الأزمات الاقتصادية و السياسات العمومية المنخورة بالفساد المطلق، و مؤشرات في الحضيض للتنمية البشرية. و أولئك يميزون بشكل واضح بين ما هو أساسي ضروري، و بين ما يعتبر كمالي جزئي يهم الحياة الموازية المجتمعية، و حكومات تسعى راغبة و راهبة لإرضاء شعوب تعي جيدا ما معنى الفصل بين السلط، و أهمية وجود أنظمة قانونية متطورة يلتزم الجميع بتطبيقها، و مؤسسات موازية للمتابعة و المحاسبة.  و حقوق و واجبات المواطنة مسألة حجزت لها مكان عميقا في الوعي الجماعي لهذه الشعوب.

فالدين شأنه في ذلك شأن جميع المجالات الأخرى التي تهم المواطن أو يتهمم بها في حياته اليومية، قد تم الاستيلاء عليه من طرف الدولة المستبدة، و استخدمته بمكر و فجاجة، من خلال لي أعناق نصوصه لخدمة مصالحها. فإذا كان الدين في عصر “كارل ماركس” و العصور التي سبقته في أوروبا، قد لعب بشكل خطير و متميز هذا الدور، من خلال ما كانت تقوم به الكنيسة، و تغلغلها في مفاصل المجتمع تأثيرا بدون تأثر، فإنه في عصرنا هذا و في مكان آخر غير أوروبا، قد تنازل عن جزء من أدواره، لصالح فاعلين آخرين، أشد تأثيرا في المجتمعات المتخلفة، و لعل أخطرها الرياضة الأكثر شعبية في وقتنا الحاضر كرة القدم.

قبل عصر الأنوار في أوروبا عرفت هذه القارة ما يسمى تاريخيا بعصر النهضة، لكن ما سبق هاتين الفترتين التاريخيتين، و باتفاق جميع المؤرخين، كان تاريخا طويلا من الظلام و الهمجية و التوحش، لعبت فيه الكنيسة دورا محوريا في استمراره و تدثره بدثار الدين من خلال ممارسات أخذت من الوثنية اليونانية القسط الأكبر، و لسنا هنا بصدد التفصيل في هذا الموضوع، لكن فقط للتأكيد على أن مفكري التنوير كانت لهم دوافع قوية لاعتبار الدين- و هم يقصدون أساسا الدين الكنسي- مصدرا للتخلف الطويل الأمد، في وقت كان الإسلام في بعض الفترات التاريخية الموازية، يعرف ازدهارا –أو مساهما على الأقل- في مختلف المجالات الفكرية و المعرفية و العلمية، و لم يكن للمسجد نفس الدور السلبي الذي كان للكنيسة.

إذن فأي مقارنة بين سياقات ديانتين مختلفتين على مستوى الأداء الحضاري، هي مقارنة مجحفة، و أي محاولة لإسقاطات غير مرتبة زمنيا و جغرافيا، هي محاولة ركيكة في تمفصلاتها التاريخية الإجتماعية.

و هي الركاكة ذاتها التي يمكن نعتها بأي محاولة للربط بين الممارسة الكروية بأوروبا مثلا، و نظيرتها بالدول المتخلفة.

الدين كان أفيونا للشعب الأوروبي، استغلته الدولة لممارسة استبدادها في القرون الوسطى، و كان يعني الجمال و الفكر و التقدم في العالم الإسلامي في نفس الفترة التاريخية أو بالموازاة معها.”الأندلس مثلا”.

كرة القدم هي الآن أفيون الشعوب المتخلفة، تستغلها الدول لإدامة استبدادها و شرعنة وجودها، و هي تعني الجمال و الرياضة و الطاقة و جودة الحياة، في الدول المتقدمة بدون أن تكون حاجزا أمام أي فعل سياسي إيجابي.

فكيفما كانت الوسيلة المستخدمة من طرف الدولة الحاكمة المستبدة لتنويم و إلهاء شعوبها عن الإهتمام بالشأن العام، و إبداء رأيها في السياسات العمومية، و متابعاتها الذكية لأوجه صرف الثروات المشتركة، هي أفيون لهذه الشعوب، و لكل عصر أفيونه و مخدره. فالمشكل ليس في الوسيلة المستعملة بل في الهدف من استخدام الدولة لها، فسواء تعلق الأمر بدين من الديانات، أو معتقد من المعتقدات، أو مذهب من المذاهب، أو لعبة شعبية جامحة، فالأمر سيان إذا تعلق الأمر بتوجيه الدولة لها لخدمة أجنداتها.

كرة القدم هي أفيون هذا العصر، و أي أفيون؟ و إلا فما معنى أن تصل لعبة إلى هذه الدرجة من الإهتمام الرسمي و على أعلى مستوى بها؟ و أي تفسير يمكن أن نجده لكل هذه الأموال الطائلة التي تصرف على المنتخبات الوطنية، و بسخاء يعز أن نجد له نظيرا في المجالات الحيوية التي تهم المواطن بالدرجة الأساس، كالتعليم و الصحة و التشغيل الخ..هذه المجالات الثلاث و التي تعتبر أعمدة التنمية السوسيواقتصادية لكل بلد، قد لا نفاجأ بتوحد الدول المتخلفة، و تضامنها في احتلال المراتب المتأخرة في التصنيفات الدورية التي تصدرها الأمم المتحدة أو المؤسسات الموازية الأخرى، في الوقت الذي نجدها تتنافس و تبذل الغالي و النفيس، لاحتلال مرتبة متقدمة في منافسة قارية في رياضة كرة القدم، مع ما يصاحب هذا الهراء الجماعي من نفخ في عصبية حديثة تافهة، لاستجلاب متعة لحظية جماعية قد تنسي و لو إلى حين الإنهزامات المتتالية في مجالات التنمية البشرية.

إنها سياسة الإلهاء نفسها، قد يتغير الموضوع بدون تغير السياسة المتبعة، فما دامت كرة القدم تقدم نفسها بقدرتها دون غيرها على خدمة مشروع الاستبداد فلم لا؟

لم لا تستخدم كأفيون عالي التأثير كما استخدم الدين سابقا في أوروبا العصور الوسطى؟ لم لا ندعها تحمل مشعل الإلهاء ما دامت الجماهير قد اختارتها كدين و انتماء و عصبية، تتضاءل أمامها باقي الإنتماءات و العصبيات الأخرى، بكل زخمها التاريخي، و قوة حضورها في المخيال الجماعي الذي أصبح مهددا بلعبة تافهة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: