أسس تربية الأبناء ونتائجها من خلال سورة يوسف

في سورة يوسف أُسس ومناهج لكثير من العلوم في دروب الحياة كلها: في فقهَيْ الخير والشر، وفي مراحل حياة الإنسان من طفولته حتى شيخوخته، في بلدان متنوعة، وأعراق مختلفة، في مجالات الإنسان المتنوعة، دينية وسياسية واقتصادية، وأخلاقية ووجدانية حتى سماها الله عز وجل، بأحسن القصص، ومن جملة ما فيها، أسس عدة في علم تربية الأبناء، ابتدأت بها السورة لتنتهي بعظمة نتاج هذه التربية، التي أعطت لتلك الأسس قوتها وفعاليتها.

وإليك بعض الأسس في تربية الأبناء انطلاقا من بعض آيات السورة:

قال تعالى: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6) لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آَيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ(7))[1].

  • الأبناء مشاريع للربح في الدنيا والآخرة:

في سورة يوسف يُظهر الله سر تعلق يعقوب عليه السلام بأبنائه، (لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين)[2]، وحرصه على تربيتهم التربية الإيمانية ليكونوا صالحين في الدنيا مشاريع لأبائهم في الآخرة، فلا يبق للموتى من حصاد الأفعال في الدنيا، إلا المشاريع الثلاث العظمى، أجلُّها على الإطلاق، “ولد صالح يدعو له[3]، واهتم على الخصوص بيوسف عليه السلام، لعلمه اليقيني باصطفاء الله له من بين أبنائه، ولذلك فبمجرد ما قص عليه يوسف رؤياه، سُرَّ بها يعقوب عليه السلام لأنها مبشرة على رفعة يوسف الدينية والدنيوية، لذلك أحاطه بعناية خاصة، وحتى عندما غُيب عنه، آلمه الحزن والبكاء عليه حتى ذهب بصره، ولذلك لم يكن ليعقوب هم أكبر من  أن يلقى ابنه، إذ صبر أربعين سنة يكابد حزنه ويرجو الله ملاقاته، وحتى في لحظة تغييب شقيق يوسف عنه بعد اتهامه بالسرقة، لم يذكر بنيامين، بقدر ما أجج غيابه لوعته بيوسف، (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)[4] لأن في يوسف عليه السلام خصوصية المشروع الأخروي الذي يبحث عنه يعقوب عليه السلام.

فهل نجعل من مقاصد زواجنا اليوم هذا الأمر؟ !!، علما أن الأبناء هم في الأصل، نتاج دعوة ملحة من الله عز وجل، وهبة منه سبحانه، وفطرته التي يهبها للوالدين، فإن لم نستحضر هذا البعد في صناعة أبنائنا وتربيتهم له، فأعتقد أننا نخون أمانة الله تعالى فيهم.

  • ربط الطفل بربه:

فالابن فطرة بيضاء يولد عليها، فأبواه حاسمان في تثبيته على فطرته، أو في تحويله عنها، فسيدنا يعقوب ربط مباشرة خطابه ليوسف عليه السلام بربه، ” يجتبيك ربك” “إن ربك” وكان بإمكانه أن يخاطبه بنسبتة إلى الله تعالى أو إلى أي اسم آخر من أسمائه الحسنى عز وجل، ولكن اختار نسبته إلى اسم الرب سبحانه، ونعلم أن من مشتقات هذا الاسم، التربية، تربية في حب الله وعبادته، تربية في معرفة الله على صغر السن، وتنشئة في سبيله، يٌفضيان إلى صناعة ربانية، يحتضنها الله تعالى بعد ذلك، (ولتصنع على عيني)[5]، والله تعالى يتولى كل من سار على الفطرة خصوصا في سن الشباب، والتنشئة الإيمانية للشباب تضمن ظل الله يوم لا ظل إلا ظله.

  • الإغراق العاطفي:

إن كلمة “يا أبتي” كلمة حب ودلاع وحِنّية، أتت بها كلمة “يا بني” الرحيمة العطوف من الأب الحنون، الذي أوجد في المنزل مصطلحات العطف والمحبة قولا، والرفق والرحمة سلوكا، هذا الإغراق العاطفي يولِّد دفئا أسريا، يشبع الفراغ الغريزي، وعادة الأبناء الذين يعيشون تشجيعا عاطفيا وحضنا أسريا دافئا، عادة ما يبتعدون عن الانجرار الغرائزي في مرحلة النضج الجسدي، وإذا ما غاب هذا الحب العاطفي بين الآباء والأبناء، عادة ما ينجر هؤلاء الأبناء إلى كل معسول من الكلام حتى ولو كان من بعض تجار المتعة الجسدية، ولذلك وجب على كل أب وكل أم أن يجعلان من الكلمة الطيبة سلاحا للقلوب، ونهجا للحفاظ على تلك الفطرة، دون خرم في أَزِمَّةِ الحزم والجد، التي يقتضيها مصطلح الصناعة المرتبط بتربية الذكر: ( ولتصنع على عيني)، (واصطنعتك لنفسي)[6] من شجاعة مبادئ ومواقف، وإقدام كلمة، وشهادة حق، وثبات تعليم، وخشونة ذكورة، والتي يقتضيها كذلك مصطلح ” النبات” المرتبط بالأنثى: (وأنبتها نباتا حسنا)[7] من قارورية وجدان ورهافة حس، ولين رحمة، وعطف كلمة، وصدق قول وموقف، وعظمة سكن وسكنى وسكينة.

  • الأبوان مستودعان لأسرار أبنائهما:

إذ الكلمة الطيبة تلف الأسرة وتحطم حواجز البعد والافتراق والاغتراب، وتبني تواصلا بين الآباء والأبناء، مما يسهل عملية كشف أسرار الأبناء لأبائهم، فيصبح الآباء بذلك مستودعا لها، وعلى ضوئها تبنى الإرشادات والنصائح الموجِهة: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)[8]، فيوسف عليه السلام لم ير أقرب من أبيه ليفشي له سره، تاركا إخوته وأصدقاءه وخالته وعمته..، لأنه رأى في أبيه أقرب الناس إلى قلبه، وأحوج ما يكون الابن وهو يكتشف العالم في ذاته ومن حوله لنصيحة محب عارف له تجاربه في الحياة، ولن يكون خير من الآباء من يقوم بذلك، فكم من ابن تاه في دروب الشيطان بنصيحة خاطئة، وكم من ابن اغتالت حياتَه الرفقةُ السيئة، وكم من موجَّه خير كَلَّه أبواه، ببعدهما عنه فيما يعانيه ويستجد عنده، وما أعوص اليوم من أن نكابد في سبيل احتضان أبنائنا، ضد الطوفان الإعلامي المغرق، من واقع افتراضي وتواصل اجتماعي وانفساخ أخلاقي كلي لا يستأذن أحدا.

  • النصح المؤثر هو ما كان مقرونا بالتعليل:

فيعقوب عليه السلام عندما وجه له يوسف عليه السلام رؤياه السرية، نصحه بعدم قصها على إخوته، فلم يسكت يعقوب عليه السلام عند هذا الأمر، بل برر له وبين له السبب وهو مخافته من كيد إخوته له، وهنا في تربيتنا لأبنائنا علينا أن نلتزم، في نصحنا ومنعنا لهم لشيء أرادوه، على الحجج والبراهين والإقناع، لا التسلط والجبر والعسف، قد تملك سلطة القمح بحكم قوة عضلاتك وكبر سنك، لكنك تبني إنسانا غير سوي وجدانيا ونفسيا، تجعله حبيس سلطة خارجية، وسجين خوف من الظالم حتى عندما يكبر، لكنك في المقابل إن علمته الإقناع، وفصل الخطاب، كان في كبره أبعد عن العنف في حواراته، ذكيا في تواصله، متمكنا في كل مناظراته، وأنت ترى يوسف عليه السلام كيف ظهرت نتائج تربية إقناع أبيه له فيما كان فيه سؤال أو نصيحة، لترى كيف أقنع الظالم والحسود والمحب والمخالف، بوضاءة وجه، وصدق كلمة، وحجة منطق ( فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ لَدَيْنَا مَكين أمين)[9].

  • نسبة الفعل القبيح للعدو الأكبر وهو الشيطان دون النسبة الكلية للفاعل الصغير وهم الإخوة:

(فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ)[10]، فإرجاع العداوة للشيطان، تزيين للإخوة في نظر يوسف، حتى يتسع حبه لهم مع كيدهم، وتليين القلب له واتساع حلمه عليهم مع خطأهم الجسيم، وقد تشرب يوسف هذا الخلق، وظهر جليا في عفوه عنهم ونسب النزاع والفرقة للشيطان نفسه، (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)[11]، ويا ليتنا نحفظ هذا الخلُق لأبنائنا، عندما ينازعنا ويخاصمنا أحد خصوصا من المقربين في الدين والدم، فنحكي عنه كل خير، ونحببه لأبنائنا، رغم مخاصمتنا له.

  • التشجيع والتنويه والتذكير بالقدوة الصالحة في النسب:

لاشك أن التشجيع سنة نبوية خالدة، (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ)[12]، فيعقوب عليه السلام، يفتح لابنه آفاق التنويه والتشجيع، بأن الله سيصطفيه ويجتبيه في العلم الرباني، وهذه لطيفة وجب التنبيه عليها، ففتح آفاقية معرفة الله لأبنائنا وتشجيعهم على التبحر في العلوم الدالة عليه لهي الأمر الذي أمر به عند إنزاله سبحانه لأول آية من القرآن الكريم على سيدنا محمد، فكلمة (اقرأ) جردها الله تعالى من الوسيلة وجردها من المكان والزمان والسن واللغة …ولم يربطها سبحانه إلا بالعلم الأولي علم المعرفة به سبحانه، (اقرأ باسم ربك الذي خلق)[13] اقرأ بعلم الله تعالى بقية العلوم الأخرى.

كما ربط يعقوب عليه السلام ابنه بالقدوة الحسنة في أهله، تشريفا لهم، وتحريضا ليوسف على السير على منوالهم عليهم السلام، وفيه أيضا حفظ لهوية العائلة الصالحة، وإحياء تسلسلها الصالح في الأبناء والأحفاد.

  • العفو والتسامح:

إن من عظمة يعقوب عليه السلام عفوه عن أخطاء أبنائه الجسيمة، ونسب عفوه عنهم إلى الله تعالى، لأنه سبحانه الأقدر على الاستغفار الكلي، والعفو الكبير، (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98))[14] ولو أنه سَوَّفَ طلب استغفاره لهم، فهو لم يرد بذلك إلا تأديبهم وتهذيبهم روحياً، ليكونوا أكثر استشعارا للذنب وندماً على الخطيئة وكي لا يستسهلوا ما فعلوه بيوسف عليه السلام، فإنه إذا بادر إلى الاستغفار، أثر ذلك في تهدئة خواطرهم وتسكين مشاعرهم بالذنب بحكم منزلته من الله عز وجل وكونه نبياً مستجاب الدعوة، فأراد أن يصقلهم روحياً بهذا التأخير، ومع التأخير، لم يحقد عليهم ولم يجفل صحبتهم، وعَظَّمَ صفحُ يعقوب ويوسف عنهم، ندَمهم حتى دخلوا في توبة خالصة، علما أن الذي فعلوه يستوجب عقوبة وهجرانا، لكن الصبرَ مع الحلم عادة ما يحول طيش الأبناء وكيدهم إلى توبة نصوح.

ولنرى الآن نتائج هذه التربية من يعقوب عليه السلام لولده يوسف:

  • الابن الداعية:

من محاسن تربية يوسف، ربطه بالله تعالى، فنشأ على حبه، وجاهد في دعوته، وفي كل فصول معاناته، ما ترك دعوة الناس إلى الله، في القصر نشر دعوته، وهو في قمة الدلاع والشأن، وفي السجن نشر دعوته وهو في أحلك المعاناة، ( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ 40)[15]

  • الابن العفيف الوفي:

ومن نتاج التربية الفاضلة ليوسف تحكمه في شهواته، فقد أوتي جمالا، وحسن طلعة وفصاحة كلم وحسن قوام، وهو في ريعان شبابه، مرغوب لا راغب، وفي خلوة، ومع من؟ مع امرأة ذات جمال وسلطة، متزينة راغبة، وإن رفض يُغلظ له العذاب، ومع ذلك تفيض عليه تربية يعقوب عليه السلام فيقول قولته الخالدة: (معاذ الله)، خوفا منه سبحانه، ووفاء لمن أشركه في قصره، واستأمنه في بيته، وصاحبه في خلوته، أي عزيز مصر، قال عنه يوسف وهو يستحضر وفاءه له ( إنه ربي أحسن مثواي)، إنها قمة صدق التربية والوفاء.

  • المعدن النفيس:

فيوسف عليه السلام تربى على حب الناس، ولذلك لم تغيره الاعتبارات الاجتماعية، قال عنه الفتيان وهو سجين: (إنا نراك من المحسنين)، وقال عنه إخوته وهم له منكرون، وهو في قمة السلطة: (إنا نراك من المحسنين)، نشأ محسنا وعاش محسنا ومات محسنا، دون أن تنال منه عوارض السلطة، ونياشين المباهاة، وهو أمر، إن أنزلناه في واقعنا، علمنا بجد عظمة تربية يعقوب ليوسف عليهما السلام.

  • المسامح الكريم:

ما عاناه يوسف بسبب إخوته، قد لا يتحمله إنسان، فمن قمة حنان الأب ودفء الأسرة، إلى دركات الاستعباد، ومن وهاد العبودية إلى أكناف القصر وبحبوحته، ومنه إلى غياهب السجن، أربعين سنة تيها وبعدا عن حب أبيه وهو الغلام فالشاب فالكهل، أي عقوبة أنزلها بإخوته، لن تجزئ عن هذه المعاناة، لكن الذي ربته النبوة، وأحاطته عناية يعقوب عليه السلام، لن يكون إلا الكريم ابن الكريم  ابن الكريم ابن الكريم على حد تعبير سيدنا محمد ذو القلب الرحيم والخلق الكريم، قال لإخوته، وهم أحب إلى قلبه: (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92))[16]

  • القيادي البارع:

من إيجابيات تربية يعقوب ليوسف عليهما السلام التربية القيادية، وعادة المحن تصنع الرجال، يوما ما شكى الماء للزيت سيطرته وفوقيته عليه، فأجاب الزيت الماء، هل تعرضت أنت يوما للطحن أو العصر؟ !!

فالذي ينشأ في ظروف القهر والحرمان والمحن لا شك في أهليته القيادية، وحتى عندما يكون قائدا، ينفعه ما عانه في قربه للناس وإحساسه بهم، وإشفاقه عليهم، فعندما يأتيه مظلوم، يعي ما معنى الظلم، فيناكف عنه، وإذا آتاه محروم، عرف معنى الحرمان فيأويه، وهكذا..، قال تعالى: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ )[17]، هذه الآليات التواصلية تجعلك قريبا من الناس محبوبا لديهم، مما يسهل عملية دعوتك، ويتحمسون لتوليتك، فسيدنا يوسف عليه السلام، علمته سياحته في بلدان شتى، ومعاناته لفتن عظمى، ولُقْياه بمختلف أصناف البشر وطبائعهم وتربياتهم، علمته صنعة الحوار والإقناع، وتربيته في بيت النبوة علمته معرفة الله، ومعرفته الله علمته علوم الدنيا، فتخصص في الاقتصاد، وكانت مرحلة السجن، مرحلةً صنَع فيها ثلة من الرجال حملوا معه المشروع الاقتصادي عند توليته خزائن الأرض في مصر، تَخصُّصُه الاقتصادي بناه على خصلتين عظيمتين من خصال القيادة: الحفظ والعلم، فتبوأ بذلك عرش مصر ليصبح عزيزا عليها، ليؤسس بذلك سيدنا يوسف عليه السلام منهجا سياسيا مهما في دولة غير مسلمة، إذ لو تمكنا من علوم الدنيا اتقانا، والتزمنا بأخلاقنا قولا وسلوكا، سنحصل على جواز المرور إلى قلوب الناس أولا، ثم إلى مفاصل الدولة ثانيا، ولو كنا في غير بلاد المسلمين، ولكن، أَنَّى لنا ذلك، ونحن ضحال في العلوم كلها، عالة على غيرنا، فقراء في الأخلاق، رغم أننا أمة أخلاق وحاملي رسالة ( وإنك لعلى خلق عظيم)[18].

وختاما، فإن سنة التغيير العام شرطها الله تعالى بالتغيير الفردي، ولن يتأتى هذا التغيير الفردي إلا بتحصين الأسرة في كل مقوماتها انطلاقا من محور رحاها: الآباء، مرورا بالأبناء، ختاما بالعوائل والقبائل والأمة كلها، فإن لم نكن حملة مشروع لن نكون حملة تربية، وإن لم نحدث أنفسنا بالتغيير لن نكون حملته، وإن لم نصنع أبناء على منوال الصالحين، يوشك أن يخرج من بيوتنا ابن نوح ثان، ونصنع بذلك الفارين منا يوم القيامة، ( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36))[19]، علما أن الزمان الذي نعيشه اليوم هو زمان فتنة جارفة، أحدثت بهرجتها أمراضا عويصة تصعب معها عملية التربية، فنسأل الله تعالى الحفظ لأبنائنا ولأبناء المسلمين جميعهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – يوسف

[2] – يوسف 7

[3] – صحيح مسلم باب ما يحلق الإنسان بعد وفاته من ثواب

[4] – يوسف

[5] – طه 39

[6] – طه 41

[7] – آل عمران 37

[8] – يوسف 4

[9] – يوسف 54

[10] – يوسف 5

[11] – يوسف 100

[12] – يوسف 6

[13] – العلق 1

[14] – يوسف

[15] – يوسف

[16] – يوسف

[17] – العنكبوت 2

[18] – القلم 4

[19] – عبس

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: