آثار التربية على القيم الاسلامية في المدرسة المغربية

  مقدمة:

يهتدي نظام التربية والتكوين بمبادئ العقيدة الاسلامية وقيمها الرامية إلى تكوين المواطن المتصف بالاستقامة والصلاح، المتسم بالاعتدال والتسامح، الشغوف بطلب العلم والمعرفة في أرحب آفاقها[1]. كما حدد الكتاب الأبيض المنبثق عن أجرأة الميثاق الوطني للتربية والتكوين، أولى مواصفات المتعلمين من حيث القيم والمقاييس الاجتماعية المرتبطة بها، التشبع بالقيم الاسلامية وممارسة أخلاقياتها. وتعتبر مادة التربية الاسلامية مصنعا تربويا والمجال الأكثر طواعية لترسيخ هذه  القيم في المؤسسات التعليمية.

  • القيم الاسلامية:

هي مجموعة من المعايير والأحكام النابعة من تصورات أساسية عن الكون والحياة والإنسان والإله، كما صورها الإسلام، وتتكون لدى الفرد والمجتمع من خلال التفاعل مع المواقف والخبرات الحياتية المختلفة، بحيث تمكنه من اختيار أهداف وتوجهات لحياته تتفق مع إمكانياته، وتتجسد من خلال الاهتمامات أو السلوك العملي بطريقة مباشرة وغير مباشرة”[2] ومن التصورات الأخرى لمفهوم القيم الإسلامية  أنها “تلك المرتكزات التي تقوم عليها الحياة ، كما حددها الوحي المعصوم في علاقة الإنسان بنفسه ومحيطه وخالقه، فهي قيم إنسانية من حيث كونها مطلقة، وإسلامية من حيث كونها موجَّهَة بالتشريع الإسلامي الضامن لوجودها واستمرارها في كيان النشء”.[3]

  • آثار التربية على القيم الاسلامية في الفرد (المتعلم):

إن الهدف الرئيسي للتربية على القيم الاسلامية هو خلق تحول في تصورات ووجدان المتعلمين في الاتجاه الإيجابي الذي يعزز حضور هذه القيم في سلوكاتهم اليومية، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال “البناء المعرفي السليم للمفاهيم الذي يؤدي إلى تكوين تصور سليم ينبني على اقتناع يتحول إلى سلوك إيجابي يستطيع صاحبه أن يدافع عنه ويدعو إليه بقوة الحجة والمنطق”[4].

ومما لا يطرح مجالا للشك أن منهاج مادة التربية الاسلامية  يحتل مكانة خاصة في العملية التربوية ، ويعدّ فضاء رحباً لتحقيق هذه القيم، والرقي بسلوك المتعلم(ة) ليستجيب لحاجاته الدينية من جهة، ولحاجات مجتمعه المتجددة من جهة أخرى، وذلك من خلال ما تتضمنه من أبعاد روحية وتربوية وعلمية وأخلاقية مستنبطة من كتاب الله والسنة النبوية الشريفة، وتهدف الى تحقيق المقاصد الكلية الأربعة: (المقصد الوجودي، المقصد الكوني، المقصد الحقوقي، والمقصد الجودي) في ذهن ووجدان وسلوك المتعلم، وتأهيله لبلوغ مرتبة التوحيد الحق، القائم على إخلاص العبودية لله عز وجل وتمثل مقتضيات ذلك في جميع حركاته وسكناته من خلال:[5]

  • تزكية نفس المتعلم عن طريق ترسيخ عقيدة التوحيد وتطهيرها بتعظيم الله عز وجل ومحبته، وعن طريق الإيمان النابع من التفكير والتدبر والاقتناع. (المقصد الوجودي(
  • اقتداء المتعلم برسول الله ، محبة له وتعظيما وتوقيرا له، انطلاقا من تعرفه على سيرته وفقهه مقاصدها، وعلمه علم اليقين بأنه خاتم الأنبياء والرسل، وهو النموذج البشري الكامل، الذي وجب اتباعه والتأسي به في تنظيم العلاقات الذاتية والكونية. (المقصد الكوني)
  • استجابة المتعلم لأوامر الشرع وأحكامه، عن طريق التعلم والتطبيق المتدرج والمتنامي للمفاهيم الشرعية

وما يتعلق بها من أحكام عملية وتوجيهات أخلاقية قيمية. (المقصد الوجودي)

  • التزام المتعلم القسط مع النفس ومع الغير، عن طريق تربيته على حفظ حقوق الله عز وجل في التعظيم

والتنزيه وحق النفس في التربية والتهذيب وتنشئته على حفظ حق الغير في النصح والتعايش والتكافل

والتضامن والتسامح والانفتاح واحترام الآخر، وأداء حق الخلق في الرحمة والنفع. (المقصد الكوني(

  • تلمس المتعلم سبل الحكمة، وتملكه الشخصية المتوازنة والمنفتحة، عن طريق تمكينه من سبل الترقي

المتدرج في معراج الجود، وتربيته على اتخاذ المبادرة لتحقيق النفع للفرد والمجتمع. ( المقصد الجودي )

  • آثار التربية على القيم الاسلامية في المجتمع:

إن للقيم الإسلامية آثارا بالغة في توجيه البشرية نحو الكمال الأخلاقي بعيدا عن نوازع الذات والهوى وشرور النفس وشهواتها. فإذا استطعنا أن نغرس القيم الإسلامية في الأفراد يصبح المجتمع:

  • مجتمعا ربانيا: من آثار القيم الإسلامية أنها تجعل المجتمع مجتمعا ربانيا، معياره التقوى.فالكل يتقي الله عز وجل في السر والعلانية.
  • مجتمعا خاليا من الانحراف الخلقي: إن تعاليم الإسلام وقيمه وأخلاقه لكفيلة بتحصين المجتمع من الجرائم والمفاسد الخلقية التي أضحت تنخر بناءه وتهدد استقراره، بسبب انحراف أفراده عن العقيدة السليمة والأخلاق الحميدة.
  • واقع المدرسة المغربية والمجتمع من التربية على القيم الاسلامية:

 لم تستطع المدرسة المغربية إلى حد الآن تجاوز مرحلة التقرير والتوصيف للقيم، والانتقال من خلالها إلى مرحلة النهوض بالواقع، لأن “الحديث عن القيم في الحقيقة يعني الحديث عن بيئة متكاملة الأبعاد والعناصر، فلا يمكن سلخ القيم عن الحياة والممارسة. لذلك ونحن نتحدث عن القيم الاسلامية ومسؤولية المدرسة في ترسيخها، لا يمكن أن نغفل تأثير الأسرة والجماعة والمجتمع، ووسائل الاعلام وغيرها من المؤثرات الخارجية التي تتكامل في بناء القيم”.[6]

إن الوضعية المتناقضة التي تطرحها المدرسة المغربية بين خطاب التنظير وآليات الممارسة، تجعل التربية على القيم الاسلامية فيها  تلقينا وفعلا تعليميا محدود المفعول ممارسة وسلوكا، تقف عند حدود الامتحانات، وإرجاع مختلف مصطلحات المبادئ والمثل القيمية جردا وسردا، بعيدا عن الاستيعاب والاستثمار في المجالات الحياتية، مادامت منظومة القيم والأخلاق متناقضة على عدة مستويات، أسريا ومدرسيا واجتماعيا. وهذا ما تجسد ه في الواقع تمثلات التلميذ المغربي للقيم، والتناقض الحاصل بين ما يتلقاه وما يصدر عنه داخل المؤسسة وخارجها من سلوكات (كالعنف، الغش، طريقة اللباس وحلق الشعر، التدين الشكلي وغيره…)

[1] – الميثاق الوطني للتربية والتكوين- المبادئ الأساسية- ص:1

[2] – القيم الاسلامية في التعليم وآثارها على المجتمع – محمد أمين الحق- دراسات الجامعة الاسلامية شيتاغونغ، المجلد التاسع، دجنبر 2012 ص:335-344

[3] – القيم الاسلامية في المناهج الدراسي – د.خالد الصمدي- منشورا إسيسكو ص:14

[4] – القيم الاسلامية ومناهج التربية والتعليم- السعيد الزاهري- ندوة دولية بالمدرس العليا للأساتذة، تطوان بتاريخ 21،22،23 نونبر2005

[5] – منهاج مادة التربية الاسلامية لسلكي التعليم الثانوي الاعدادي والتأهيلي العمومي والخصوصي 2016.

[6] – المدرسة المغربية ومسؤولية التربية على القيم- زكية مازغ- نشر في المسائية العربية بتاريخ 11-02-2010

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: