منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كيان الاحتلال الصهيوني هل يحظى بمقومات البقاء؟

ذة. أم كلثوم أكزناي

0

كيان الاحتلال الصهيوني هل يحظى بمقومات البقاء؟

بقلم: ذة. أم كلثوم أكزناي

يشتغل الرأي العام الوطني والدولي منذ أسابيع بما يجري في القدس والمسجد الأقصى وغزة وعموم فلسطين من أحداث متصاعدة، وتطورات مثيرة، ابتدأت بسعي الصهاينة إلى تهجير ساكنة حي الشيخ جراح بالقدس، ثم باستفزازات المستوطنين المتكررة باقتحام المسجد الأقصى بدعم وحماية من قبل جيش الاحتلال الصهيوني، ثم تدخل المقاومة بغزة لدعم المقدسيين العزل، فاشتعال أراضي الداخل الفلسطيني، ومدن الضفة الغربية.

دخول المقاومة الفلسطينية على خط المواجهة المفتوحة مع الكيان الصهيوني كان هذه المرة نوعيا، وأربك كل حسابات جيش الاحتلال، ومعه الخبراء العسكريين. كما أنه جاء في وقت ارتفعت فيه أسهم التطبيع الرسمي للعديد من الأنظمة العربية المنبطحة مع الكيان الغاشم. وهو ما أربك مؤامرات الطرفين ودسائسهم، وكشف زيف الشعارات التي لوحوا بها، ونسف كل الذرائع التي احتموا بها. لقد أرجعت ضربات المقاومة الموجعة المبادرة إلى يد الشعوب الحرة التي هبت في كل الأصقاع للتعبير عن تضامنها مع الشعب الفلسطيني، وإدانتها للوحشية الصهيونية القائمة على قتل الأبرياء من الأطفال والنساء، والإمعان في التنكيل بالفلسطينيين، ومصادرة أراضيهم.

فهل يمتلك هذا الكياني الصهيوني الغاصب مقومات البقاء والاستمرار؟

وهل بوسعه القضاء على المقاومة الفلسطينية الباسلة؟ وهل يمكن للمقاومة الفلسطينية أن تنتصر؟

لقد أظهرت التطورات الأخيرة من خلال المعركة الجارية بين مختلف أجنحة المقاومة الفلسطينية بغزة والجيش الصهيوني المدجج بأعثى الأسلحة، والمدعوم من كبريات الدول -المتشدقة بحقوق الإنسان- وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، وغيرها، بأن تنوع خيارات المقاومة وتطور الأسلحة التي تمتلكها رغم الحصار الشديد المضروب على قطاع غزة على امتداد أزيد من 15 عاما، قد عصف بكل مرتكزات الكيان الصهيوني التي شيدها على امتداد عقود من الاحتلال والتوسع.

ولا ندعو هنا إلى التخلي عن الأخذ بالأسباب أو الاستناد إلى الأماني المعسولة؛ ولكننا نرتكز إلى حقائق وتطورات ميدانية أفرزت العديد من المؤشرات التي توحي ببداية العد العكسي لانتكاس كيان الاحتلال الصهيوني وبوار كل منجزاته، أذكر منها ما يلي:

أولا: إن النظام السياسي الذي يرتكز عليه الكيان الصهيوني بوصفه “دولة يهودية” يحمل في طياته عناصر الفشل، بحكم الطابع العنصري المقيت الذي يرسخه إزاء باقي المكونات العرقية والدينية لفلسطين.

وهذا في حد ذاته عامل من عوامل استمرار وانبعاث المقاومة بأشكال مختلفة. زد على ذلك عدم حصول الإجماع حول ذلك المرتكز، بوجود طوائف يهودية مهمة تعارض قيام تلك الدولة من أساسه.

كما أن هذا الكيان الغاشم لم يمتثل لعشرات القرارات الأممية، ويتمرد عن الشرعية الدولية، ولا يحول دون محاكمة قادته بجرائم حروب وجرائم ضد الإنسانية سوى اختباؤه بإبط القوى العظمى، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية. ورغم ذلك ترتفع يوما بعد يوم أصوات الأحرار في العالم لمحاسبة هذا الكيان على الجرائم التي اقترفها ويصر على اقترافها.

ثانيا: المؤشر الديمغرافي الذي يميل مع مرور الوقت لصالح الفلسطينيين رغم أن أكثر من نصفهم لاجئون ومنفيون قسرا بدول الجوار وغيرها. وهذه المعادلة الحاسمة تكتسي طابعا استراتيجيا في المواجهة بين الطرفين.

ثالثا: مؤشر هشاشة المجتمع الصهيوني القائم على استقدام المستوطنين من أقطار شتى. وفضلا عن غياب التجانس بين مكوناته الذي أبانت عنه أحداث ومواجهات السنوات الأخيرة؛ فإن ركيزة استقراره انبنت أساسا على الأمن الذي بات متفقدا بتزايد فعالية عمليات المقاومة وتهديدها المباشر في الحرب الجارية للعمق الفلسطيني وللمدن التي كانت تعتبر في منأى عن سلاح المقاومة، سواء بفعل خضوعها المبكر للإدارة الصهيونية، أو بزعم حمايتها عبر القبة الحديدية التي سرعان ما تهاوت مصداقيتها وفعاليتها أمام التطور النوعي لسلاح المقاومة وتعدد تكتيكها.

رابعا: مؤشر وحدة الفلسطينيين وتضامنهم الواسع لأول مرة بين مدن الداخل الفلسطيني، وقطاع غزة والقدس ومدن الضفة الغربية. وفي سابقة تاريخية منذ نكبة سنة 1948، بات “عرب الداخل” عنصرا مؤثرا بشكل واسع وحاسم في مسار الأحداث، مما يؤشر على منعطف بالغ الأهمية سوف تكون له انعكاساته المستقبلية لصالح أصحاب الأرض. ومن غير شك أصبح المهاجرون الصهاينة والمستوطنون القادمون من بلدان مختلفة يفكرون في العودة إلى مواطنهم الأصلية أكثر من أي وقت مضى.

كما أن سياسة التفرقة الممنهجة التي يغديها الكيان الصهيوني بين مكونات الصف الفلسطيني غالبا ما تتحطم في فترة الحروب والأزمات، وتؤذن بتكثيف جهود مختلف فصائل المقاومة وتزيد من مصداقية خيار التصدي للاحتلال الصهيوني وفعاليته في حماية حقوق الشعب الفلسطيني، وبكسر سياسة العزل الجغرافي التي يفرضها المحتل بين أهل غزة والضفة من جهة وفلسطينيو الداخل من جهة ثانية.

خامسا: الحصار الاقتصادي الخانق المضروب على قطاع غزة في انتهاك صارخ لكل المواثيق الدولية، ورغم انعكاساته السيئة على أوضاع السكان الاجتماعية والنفسية وحرمانهم من التزود بأساسيات الحياة من ماء وكهرباء ومصادر الطاقة والدواء والغذاء، دفع أهل القطاع للاعتماد أكثر على أنفسهم، خاصة في جانب إعداد العدة للأخطار العسكرية المتربصة بهم، فأولوا عناية فائقة لتطوير صناعة أسلحة محلية، خاصة الصواريخ، والتي بدت بسيطة للغاية في تجاربها الأولى؛ لكنها صارت اليوم أكثر تطورا وأشد فتكا، وباتت العامل الأهم في التقليل من البون الشاسع في ميزان القوى مع العدو الصهيوني.

وبالطبع فمثل هذا التحول يقض مضجع الماسكين بزمام القرار العسكري الصهيوني ويربك مخططاتهم، ويضعهم في مأزق حقيقي أمام رأي عام فقد الثقة في نجاعة القدرات العسكرية الصهيونية، وأهليتها ليس فقط في القضاء على المقاومة، ولكن الأهم في تأمين من يحتمون بها.

سابعا: مؤشر الرعب النفسي وعدم الشعور بالأمان الذي خيم على عامة الصهاينة دليل قاطع على هشاشة مجتمعهم المصطنع، قال تعالى: “سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين”[1].

والرعب هو الخوف والجزع والهلع، وهذا وعد من الله بخزي الظالمين ومن في حكمهم من الصهاينة، قال الدمشقي: “لا أحد يخالف دين الإسلام إلا في قلبه ضرب من الرعب، ولا يقضي وقوع جميع أنواع الرعب في قلوب الكافرين، إنما يقضي وقوع هذه الحقيقة في قلوبهم من بعض الوجوه”[2]، وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: “أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيون”[3].

ومعنى نصرت بالرعب، أي أن فضيلة النصر بالرعب عامة في النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه، فكان كلما توجه إلى عدو هو وأصحابه نصره الله، ومن أسباب ذلك تسرب الذعر إلى قلوب أعدائهم واضطراب صفوفهم. وهذه المزية تعم سائر من اتبع هديه وسنته من أمته صلى الله عليه وسلم؛ فمن نصر الإسلام والمسلمين في أي مكان وزمان ينال نصيبا من قذف الرعب في أعدائه.

ولذلك، فعاقبة كل ظلم إلى زوال، وما عتو الصهاينة وتجبرهم سوى جولة ساعة، وبعدها لما يأذن الله تعالى بنصره يتهاوى صرحهم، وينهار بنيان كيانهم المزعوم.

ختاما؛ فإن قضية فلسطين قضية إنسانية، اختبرت على أعتابها كل الشعارات التي يتغنى بها المجتمع الدولي، وتمحصت في ثنياها مواقف الأشخاص والحكومات، وشاء الله تعالى أن تكون منصة لاختبار الإنسانية في هذا العالم. ولا شك أن كل الأحرار الذين يمتلكون ذرة من الكرامة الآدمية ينصرون هذه القضية العادلة بحسب طاقتهم. وبالمقابل تفتضح على صخرة حماها ازدواجية المعايير التي تتعامل بها نظم ودول تزعم نصرتها لحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وغيرها من القيم والمبادئ النبيلة.

فعلا، تبقى فلسطين جرحا غائرا في جسم الأمة الإسلامية، وومضة ناصعة في قلوب المسلمين، تجمعهم شرقا وغربا، توحد مشاعرهم التي ترنو إلى المسجد الأقصى، وتوحد شطرا من طموحاتهم وتطلعاتهم للتحرير والائتلاف. كما تبقى فلسطين قضية كل إنسان يؤمن بالحرية والعدل والكرامة، ويأبى الظلم والعدوان والاحتلال أينما كان.


[1]  آل عمران – الآية 151.

[2]  اللباب في علوم الكتاب للدمشقي، ج5، ص595.

[3]  رواه مسلم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.