مصرف الزكاة “في سبيل الله”
في سياق إبادة المسلمين في فلسطين
بقلم: عبد الله خزوب
درج بعض المعاصرين على القول بأن بعض مصارف الزكاة، لم تعد قائمة، وبالتالي يمرون عليها مرورا سريعا، دون أي محاولة للتحقق من غياب هذه المصارف حقا، ومحاولة تكييفها؛ وإذا كان مصرف الرق، بمعناه القديم، قد سقط محله، ولم يعد له معنى؛ فالقول بسقوط محل “المؤلفة قلوبهم” و “في سبيل الله” فيه تسرع؛ والغرض هنا أن نتوقف عند مصرف في سبيل الله ومدى وجاهة القول بسقوط محله.
جاء ذكر مصرف في سبيل الله ضمن مصارف الزكاة الثمانية في الرتبة السابعة؛ ولعل من الأهمية الالتفات إلى هذا الترتيب، لما قد يترتب عليه من تشويش الذهن بشأن قيمة هذا المصرف، كونه في نهاية قائمة المصارف؛ وهذا الأمر -في نظري- يحتاج الحديث عن الجهاد، والترتيب الذي يتبوأه ضمن أبواب الفقه؛ ومهما اختلف العلماء في ترتيب الجهاد، واختلفوا في تصنيفه ضمن العبادات أم ضمن مقتضيات الإمامة والسياسة الشرعية؟ فما لا شك فيه أن الجهاد لا يقدم على العبادات، لأن الجهاد لا يكون كذلك ولا يصح ممن لا تصح عبوديته لله، فهو إذن ليس مجرد نضال سياسي؛ وهذا موضوع آخر، لكنه يفسر لنا بعض الحكمة من تأخير المصرف المتعلق بالجهاد؛ حيث يحتاج المجاهد أن يتأهل تربويا بالعبادة وحسن المعاملة قبل التوجه للجهاد الذي هو مظنة الموت، ولقاء الله تعالى؛ فلا يلقاه وهو مطوق بحق الخالق في العبادات، وبحق عباده في المعاملات؛ ويؤيد هذا التوجيه بعض المفسرين الذين حملوا قوله تعالى: “كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية..” (البقرة: 179) فأولوا حضور الموت بالجهاد.
هذا الاستطراد يدخلنا على الموضوع من أوسع أبوابه؛ وذلك بالسؤال عن علاقة هذا المصرف بالجهاد من جهة، وعلاقة المسلمين بالجهاد بعد النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأما السؤال الأول، فلا شك أن هناك بعض الخلاف في مفهوم هذا المصرف؛ فحمله بعضهم على المعنى اللغوي، وهو كل ما يصدق عليه اسم سبيل الله، ولا شك -بناء على هذا القول- أن سبل الله كثيرة لا تبدأ عند الجهاد ولا تنتهي إليه؛ ولكن هناك أمران يستحقان التوقف عندهما بمناسبة هذا الاختلاف:
الأول: أن المعنى المتفق عليه بين جميع المفسرين هو الجهاد؛ ففي تفسير مقاتل: “يعني في الجهاد” وفي تفسير الطبري: “النفقة في نصرة دين الله وطريقه وشريعته التي شرعها لعباده، بقتال أعدائه، وذلك هو غزو الكفار”؛ وبالجملة فلم أقف على مفسر لم يربط هذا المصرف بالجهاد، ولكنهم يختلفون في أمرين أحدهما في قصوره عليه دون غيره، أم يتسع ليشمل كل ما ينطلق عليه اسم سبيل الله؛ والثاني في جواز إعطاء المجاهد الغني.
الثاني: أن من بين آراء المفسرين يوجد رأي الإمام مالك الذي يعتبر حجة علينا نحن مالكية المغرب الأقصى؛ فقد حكى عنه ابن العربي وغيره قوله: “سبل الله كثيرة وأفضلها الجهاد”أن المراد بسبيل الله ها هنا الغزو” وقال الباجي في تفسير الموطأ: “قاله مالك وجمهور الفقهاء..”. (المنتقى للباجي 3\240.
وبالعودة إلى السؤال الثاني، وهو حكم الجهاد في هذا العصر وفي سائر العصور بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو موضوع طويل الذيل؛ لكن يكفي القول: بأن الجهاد قرين العزة التي أمر الله أن تكون لدينه وعباده المؤمنين؛ فالقول بأن وقت الجهاد قد مضى، كالقول بأن العزة غير لازمة للمسلمين اليوم، وأنهم تجوز لهم الذلة لغير الله أفرادا وجماعات؛ وحتى على القول بصحة الرأي القائل أن المسلمين ليسوا قادرين على مواجهة الكفار، فهذا لا يعني ترك الإعداد واكتساب أسباب القوة؛ مع أن جهاد الدفع لم يقل أحد بأنه يلزم المسلمين الإعداد له، لأن موت المسلمين فيه متحقق، سواء ماتوا وهم يدافعون أو ماتوا هم مستسلمون؛ ونحن في سياق هذا الطغيان الصهيوني أقرب ما نكون لهذا الوضع.
لهذا يكون من الإخلال بفهم مقاصد الله تعالى في الزكاة تجاهل مصرف الجهاد، والقول بأن محله قد فات في الوقت الذي نرى الأمة الإسلامية تذبح ذبحا على مرأى العالم، في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس؛ ولو عدنا إلى تفاصيل أقوال العلماء لأمكن القول: بأن الواجب-في مرحلة الإبادة هذه التي نعيش فصولها ونتائجها المفزعة- هو حصر الزكاة في هذا المصرف دون غيره من المصارف؛ لأنهم يرون أن هذه المصارف تقسم عليها الزكاة بحسب الحاجة، فبعضها ألح من بعض، قال إمامنا مالك رحمه الله: “الأمر عندنا في قسم الصدقات، أن ذلك لا يكون إلا على وجه الاجتهاد من الولي، فأي الأصناف كانت فيه الحاجة والعدد أوثر ذلك الصنف بقدر ما يرى الوالي..”(المنتقى للباجي: 3\236).