بين أرحنا بها وأرحنا منها
بين أرحنا بها وأرحنا منها/ الداعية والإعلامية زهرة سليمان أوشن
بين أرحنا بها وأرحنا منها
بقلم: الداعية والإعلامية زهرة سليمان أوشن
بين أرحنا بها وأرحنا منها مسافة كبيرة وبون شاسع ربما هو أبعد مما بين الترى والثريا, والفجوة تضيق وتتسع والمسافة تبعد وتقترب بقدر فهمنا للصلاة, صلة واتصالا, محبة وطاعة, مسارعة واستحابة.
فإذا كان الحب هو الدافع, حب الله وطاعته, حب اللقاء به والدخول إلى ساحة قربه وميدان طاعته كانت الصلاة فسحة رائعة ومحطة للراحة. وقفة للتامل دقائقها غالية وثوانيها ثمينة ترتفع بنا إلى مدارج العلا وتسقينا من كوثر الحب ونهر الفضل الرباني شرابا عذبا وسلسبيلا متدفقا.
أصحاب الإرسال القوي والموجات عالية الجودة الذين عرفوا وفهموا, تدبروا وتاملوا, اشتاقوا وأحبوا, أحباب الرحمن من أصفيائه وأوليائه وقبل ذلك رسله وأنبيائه, كان لهم تفاعل إيجابي وتواصل قوي مع الصلاة أداء وإقامة, خشوعا وطمأنينة, عاشوا بها وأحيوا بها قلوبهم وقلوب من حولهم, أدخلوهم إلى رحابها الواسعة وولجوا بهم إلى بساتينها الفواحة, لقد أسعدتهم دينا ودنيا و طيبت ذكرهم في العالمين ورفعهم إلى عليين.
ها هو إبراهيم الخليل الآواه المنيب يدعو ربه وقد ترك الحبيبة والحبيب في واد غير ذي زرع,: ( ربنا إني اسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ), ربط بين الرزق والصلاة, بين الاتصال بالخالق والتواصل مع الخلق, بين الإيمان والأمن, بين محبتنا لله ومحبة عباد الله لنا, وهل القلوب إلا بيده سبحانه وتعالى. لقد واجه إبراهيم جبروت النمرود وضلال قومه وتمردهم على الحق ’ واجهه بقوة الحق الذي استمده بعمق تواصله مع ربه حتى صار خليل الرحمن, ولأنه تنعم بتلك الصلة المميزة فلا غرو أن تكون دعوته لربه أن ينعم بهذا القرب ذريته من بعده,استمع إليه وقد رفع أكف الضراعة إلى مولاه قائلا: ( ربي اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء ), ومن الله عليه بذرية مباركة, أحسنت ارتباطها بمولاها وسارت على درب أبيها الخليل, القرآن يحدثنا عن ابنه الذبيح إسماعيل عليه السلام فيقول عنه: ( واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صديقا نبيا وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا ), القرب وعمق الفهم للصلاة إنعكس سلوكا طيبا وطاعة مطلقة عند إسماعيل عليه السلام, فما كان إلا مستسلما لأمر الذبح وهو يجيب أباه: ( يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصايرين ).
ويستمر أنبياء الله في رحلتهم المباركة في معارج الكمال علوا وارتقاء, الكليم وهو على جبل الطور يبغي أن يقتبس جذوة من النار يصطلي بها وأهله فإذا بالبشرى تأتيه وإذا بمولاه يكلمه تكليما: ( فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك انك بالواد المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إننى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى ), يال روعة الاتصال ويال عظمة الوصية, الصلاة تذكرة وذكر وذكرى, والذكرى تنفع المؤمنين, والذكر والتذكر يخرجنا من دائرة الغفلة وينقي قلوبنا ويفتح لها أبوابا للتلقي ويجعلنا من المبصرين: ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ), ولأن الله أراد أن يخرج قوم موسى من غفلتهم وينقلهم من تيه الجهل والكبر إلى نور الحق ورحاب العلم لذا فقد وجه دعوته إلى الكليم وأخيه أن السبيل لعلاج هؤلاء المعاندين المتعنتين هو إقامة الصلاة, ( وأوحينا إلى موسى وأخيه هارون أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين ) يونس 87,
وهل إيمان بلا صلاة إلا إدعاء، وهل صلاة بلا خشوع وتدبر, بلا إقامة لأركانها وتحقيق لشروطها إلا ضربا من الطقوس الظاهرية التي لا روح فيها ولا ثمرة لها, استمع إلى القرآن وهو يحدثك عن بعض ممن يحرفون الصلاة عن حقيقتها ويلبسون على الناس بها: ( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) الانفال 39, هؤلاء الذين تلاعبوا بالصلاة وجعلوها لعبا ولهوا, وحرفوها عن مقاصدها واشتروا بها ثمنا قليلا, هؤلاء كم لاقى أنبياء الله من تعنتهم ومكابرتهم عن قبول الحق, وأمثال هؤلاء لا يزال بعضهم بيننا حتى لو إدعوا الإنتساب إلى أمة, الصلاة فيها هي الركن الثاني إيمانا وإسلاما.
إلى محراب زكريا ننطلق, فإذا الملائكة تناديه مبشرة إياه بيحي وهو الذي دعاء ربه ( رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين ), فما حال زكريا عليه السلام عندما جاءته البشرى, القرآن يصف لنا حاله: ( فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في الحراب أن الله يبشرك بيحي مصدقا بكلمة من الله وسيدنا وحصورا ونبييا من الصالحين ) آل عمران 39, حضور وتقوى, صلاة وبشرى,.
البشرى أمتدت من قبل إلى امرأت عمران, ونعم الآل آل عمران, يكفيهم أن الله اصطفاهم: (إن الله اصطفى آدم ونوجا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ) آل عمران33,34, لقد جاءتها البشرى بمريم, النبت الطيب المبارك, وبعد حين يأتي موعد مميز لمريم عليها السلام: ( وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ) آل عمران 42, 43, قنوت وركوع وسجود, يعطي مريم قوة وثقة, ويزيدها توكلا ويقينا تجعلها أهلا لتكون أما للمسيح عليه السلام, رسول الله وكلمته, ولما أتت به قومها تحمله نطق الوليد في المهد ردا على أولائك الذين شككوا أواحتاروا في مجيئه إلى الدنيا دون أب, فماذا كانت كلماته: (قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبييا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ).
إنه عبد الله, والله هو الذي وصاه بالصلاة والزكاة, وهل يشقى من ينقي نفسه ويزكيها بطيب اللقاء بالرحمن وبذل المعروف لعباده. أما مع حبيب الخلق وإمام الرسل فإن للصلاة ذوق خاص وطعم مميز, لقد كانت مرفأ سكينته وموطنا راحته, إنها كما وصفها بأبي هو وأمي قرة عينيه وهل تقر العين إلا بما تحب وهل تأنس النفس إلا بلقاء من تحب, لقد أقامها حق إقامتها, وعلمنا كيفية أدائها وعرفنا عمق أسرارها, قال لنا صلوا كما رأيتموني اصلي, وقد رأيناه يطمئن فيها ويحسن أدائها, رأيناه عبر وصف صحابته لها خاشعا يطيل ركوعها ويكثر الدعاء في سجودها, كلما حزبه أمر فزع إليها وهرع إلى ملكوتها, ينادي مؤذنه بلالا رضى الله عنه: أن ارحنا بها يا بلال, ويرد على حبيبته عائشة عندما رأته يطيل فيها حتى تورمت قدماه: ( أفلا أكون عبدا شكورا ), من انتمى إلى مدرسة محمد حقا يدرك عظمة الصلاة ويسير على خطى نبيه والأنبياء من قبله في القيام بها والمسارعة إليها.
اليوم ما حالنا مع الصلاة, هل نحن إليها مسارعون أم عنها ساهون, هل نحن فيها من الخاشعين أم من الغافلين, لو رأى الحبيب صلى الله عليه وسلم صلاتنا، هل سيسر لحالنا معها أم سيقول لنا صلو فإنكم لم تصلوا؟.
عندما نسمع النداء هل نستجب بخفقات قلوبنا ونبضات مشاعرنا لنقبل إليها وننال الفلاح ليتحقق فينا قوله تعالى: ( قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ), أم أننا ضيعنا و خنا ( حي على الصلاة )، فلا صلاح ولا فلاح, هل نرتاح بها أم أننا نأتيها كسالى لنرتاح منها؟, هل انصفناها أم ظلمناها و ظلمنا أنفسنا؟ فكانت النتيجة بعد عن الله وهوان على خلقه.
الصلاة من أحسن إليها أحسنت إليه, ووجد أثرها في حياته سعادة وهناء, روحا وريحانا, ومن ذاق روعة رحيقها صار نورا يمشي على الأرض, فاللهم اجعلها قرة أعيننا وواحة عشقنا, اللهم اجعلنا ممن يسارع إليها ويرتاح بها ولا تجعلنا من الذين عنها ساهون وفيها غافلون.