منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الشباب وسنة التدافع: من وعي اللحظة إلى مسؤولية الفعل

ياسين أخديد

0

الشباب وسنة التدافع: من وعي اللحظة إلى مسؤولية الفعل

بقلم: ياسين أخديد

 

ما موقع الشباب في سنة التدافع بين الحق والباطل؟

وكيف ينتقل الشاب من مجرد الانفعال إلى الفعل، ومن التفاعل اللحظي إلى البناء طويل النفس؟

هذه المداخلة محاولة للتأصيل لهذا السؤال، مستضيئين بفكر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، الذي جعل فقه السنن ميزانًا لفهم التاريخ، ومفتاحًا لتوجيه الجهود وتربية الأجيال.

مداخلتي مبنية على هيكل ثلاثي:

  • ثلاثة أسئلة كبرى
  • وثلاثة عناوين مركزية
  • وثلاثة مسارات عملية

والغاية واحدة:كيف ينتقل الشباب من وعي اللحظة إلى مسؤولية الفعل؟

  • السؤال الأول: ما الذي يحكم الصراع في هذا العالم؟

العنوان الأول: سنة التدافع… قانون التاريخ الذي لا يتوقف

يقرر القرآن الكريم قاعدة كبرى لفهم ما يجري في العالم: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ سورة البقرة، الآية 251

هذه الآية لا تصف حادثة عابرة، بل قانونًا دائمًا:
الخير لا يستمر وحده، والشر لا يزول تلقائيًا، بل هناك تدافع مستمر بينهما.

الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله يشرح هذه الحقيقة بقوله:

التدافع سنة من سنن الله في الاجتماع البشري، لا تتوقف، ولا تحابي، ولا تُعطى لمن يتخلف عن شروطها، وتحتاج رجالًا ونساءً يؤمنون بالقيم ويجسّدونها في الواقع” . عبد السلام ياسين، سنة الله

ولذلك كان الشباب، في كل لحظات التحول التاريخي:

  • أول من يلتقط إشارات الزمن؛
  • وأكثر من يشعر بظلم الواقع؛
  • وأشد من ينحاز إلى الحق حين تتقاطع المصالح وتتضارب الضغوط.

ومن هنا نفهم أن ما يقع اليوم في فلسطين ليس انفجارًا مفاجئًا ولا استثناءً من التاريخ، بل هو لحظة كاشفة في مسار طويل من التدافع.

ويؤكد ابن خلدون هذا المعنى من زاوية تاريخية حين يقول:

التاريخ في ظاهره لا يزيد على الإخبار، وفي باطنه نظر وتحقيق في علل الوقائع“. ابن خلدون، المقدمة

فما نراه أحداثًا، هو في العمق سنن تتحرك.

  • السؤال الثاني: لماذا يحتل الشباب قلب هذا التدافع؟

العنوان الثاني: الشباب… طاقة التغيير ومحرك التاريخ

عند قراءة التاريخ نجد أن الشباب كانوا دائمًا:

  • أول من يشعر بالظلم؛
  • وأول من يغضب؛
  • وأول من يحلم بالتغيير؛
  • وأول من يدفع الثمن.

وفي السيرة النبوية، لم تبدأ النهضة المحمدية بكهول قريش، بل بشباب في مقتبل العمر:

  • علي بن أبي طالب رضي الله عنه، في نحو الثالثة عشرة، أول من آمن من الفتيان؛
  • مصعب بن عمير رضي الله عنه، شاب في السابعة عشرة، ترك الترف ليصبح أول سفير للإسلام في المدينة؛
  • أسامة بن زيد رضي الله عنه، شاب في الثامنة عشرة، يقود جيشًا بأمر النبي ﷺ وفيه كبار الصحابة؛
  • الزبير بن العوام رضي الله عنه، في السادسة عشرة، أول من سل سيفه دفاعًا عن النبي ﷺ.

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله:

ما أحرزت أمة النصر إلا بشبابها، وما وُلدت قومة إلا من رحم إرادة شابة

ويقول أيضًا:

الشباب هم مادة التغيير، فإذا صلحوا صلح البناء، وإذا فسدوا انهار المشروع“.
(عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي)

لكن هذه الطاقة، إن لم تُوجَّه، قد تنقلب من قوة بناء إلى قوة فوضى أو يأس.

وهنا نصل إلى السؤال الثالث.

  • السؤال الثالث: كيف ننتقل من وعي اللحظة إلى مسؤولية الفعل؟

العنوان الثالث: من الانفعال إلى البناء

في نيويورك، ولندن، ومدريد، ومراكش… خرج ملايين الشباب بلا تنظيم مركزي، ولا دعم مالي، ولا إعلام رسمي.

استخدموا الهواتف والكاميرات والمنصات والوعي والضمير.

فأصبح الشاب الفلسطيني في غزة يؤثر في الشاب الأمريكي في هارفارد، ويوقظ الشاب الفرنسي في باريس، ويحرك الشاب المغربي من مراكش إلى طنجة.

وهذا ما يسميه الإمام عبد السلام ياسين:

«المد الإيماني العالمي الذي ينشأ من الصدق والبذل، لا من القوة والسلاح

غير أن الإمام يحذر من التوقف عند هذا المستوى، فيقول:

الانفعال العاطفي إذا لم يتحول إلى وعي منظم، استهلكته الأيام وترك أصحابه في فراغ(سنة الله)

فالوعي المطلوب ليس وعي الصدمة، بل وعي المسار.

 ثلاثة مسارات عملية لتحويل الوعي إلى فعل

  • المسار الأول: البناء الإيماني – أصل كل تدافع

لا مواجهة بلا روح، ولا روح بلا إيمان.

الشباب في فكر الإمام مطالبون بعيش “الإيمان الفاعل” لا الإيمان العاطفي:

  • صلاة خاشعة؛
  • وصحبة صالحة؛
  • وتوبة متجددة؛
  • وقرآن يقظ؛
  • وإخلاص في السر قبل العلن.

لأن مقاومة الظلم تبدأ من مقاومة النفس.

يقول الإمام عبد السلام ياسين:

«لا قومة بلا تربية، ولا تربية بلا صبر، ولا صبر بلا أمل في وعد الله

ويقول أيضًا:

بناء الوعي فريضة، لأن الجهل بالسنن يعيد إنتاج الهزيمة(المنهاج النبوي)

  • المسار الثاني: بناء الوعي – السلاح الأقوى اليوم

كان الإمام يؤكد أن:

» الوعي نصف النصر. «

واليوم:

  • صورة واحدة من غزة تكسر ألف نشرة أخبار؛
  • ومنشور واحد يربك دعاية كاملة؛
  • وفيديو واحد يهز رأيًا عامًا.

الشباب مطالبون بأن يكونوا صناع محتوى، وصناع رأي، وناقلين للحقيقة، وكاسرين للاحتكار الإعلامي.

الإمام عبد السلام ياسين يقول:

بناء الوعي فريضة، لأن الجهل بالسنن يُعيد إنتاج الهزيمة(المنهاج النبوي)

  •  المسار الثالث: العمل الجماعي – من الفرد إلى المشروع

حتى أعظم النيات لا تكفي دون تنظيم.

في الهجرة النبوية كان هناك تخطيط، وتوزيع أدوار، وتوقيت دقيق.

قال النبي ﷺ: يد الله مع الجماعة” (رواه الترمذي)

ويقول الإمام عبد السلام ياسين: العمل الفردي برق يلمع ويختفي، والعمل الجماعي شمس تشرق وتستمر“.

ويؤكد مالك بن نبي: المشكلة ليست في قلة الرجال، بل في غياب الفعالية الجماعية(مالك بن نبي، شروط النهضة)

الفعل اليوم مطالب بالانتقال:

  • من مبادرات موسمية إلى مشاريع مستمرة،
  • ومن ردود فعل إلى رؤية واضحة،
  • ومن عمل فردي إلى صف جماعي منظم.

 خاتمة: رسالة أمل ومسؤولية

إن طوفان الأقصى أيقظ العالم، لكن مهمتنا اليوم أن لا نعود إلى النوم.

سنة التدافع تضع على عاتق الشباب ثلاث مسؤوليات كبرى:

  1. لا تيأسوا، فاليأس خيانة للسنن.
  2. لا تتهوروا، فالحكمة روح التدافع.
  3. لا تتوقفوا، فالتاريخ لا ينتظر المترددين.

كان الإمام عبد السلام ياسين يقول: الحق يُحاصر لكنه لا يموت، والأمة تضعف لكنها لا تُهزم“.

والشباب هم شهادة الله على أن هذه الأمة ما زالت حيّة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.