إنك عففت فعفت الرعية
إنك عففت فعفت الرعية/ أشرف شعبان أبو أحمد
إنك عففت فعفت الرعية
أشرف شعبان أبو أحمد
الإسكندرية / جمهورية مصر العربية
إن جوهر الحقيقة التي أبرزها لنا التاريخ الإسلامي على مداه، هو أنه كلما استقامت السياسة المالية للدولة على نهج الدين، استقام ميزانها المالي، فلا نجد بين أفرادها من يشعر بإرهاق أو عسف، أو بين مصالحها ما هو مهمل أو معطل، وعلى العكس من ذلك، إذا اعوج أمر الأمة في نظامها، وحادت عن سبيل ربها، فإنه يختل توازنها المالي، ويضطرب ميزانها الاقتصادي، فتزيد في أعباء الأفراد بما لا طاقة لهم به، فيشقون بدولتهم وتشقى دولتهم بهم، ومن الأقوال المأثورة التي تدل على الربط بين تصرفات القائمين على السلطة وبين تصرفات الرعية، قول علي بن أبي طالب:” الناس بأمرائهم أشبه منهم بآبائهم في التمثل والتلقي والتقليد.” ومما كتبه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في وصاياه:” إن الرعية مؤدية إلى الإمام ما أدى الإمام إلى الله، فإذا رتع الإمام “أسرف وتنعم” رتعوا.”
وفي الطبري عندما حمل أحد جنود المسلمون، إلى عمر بن الخطاب، سيف كسرى وجواهره، بعد هزيمته أمام جيش المسلمين، فإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قال: “إن قوما أدوا هذا لذو أمانة.”
فعقب علي بن أبي طالب موجها كلامه إلى عمر بن الخطاب قائلا: “إنك عففت فعفت الرعية، ولو رتعت لرتعوا.” وهذا ابن الأثير يسجل في موسوعته التاريخية “الكامل” كان الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي، صاحب بناء واتخذ المصانع والضياع، فكان الناس يلتقون في زمانه فيسأل بعضهم بعض عن البناء والعمران، وكان سليمان بن عبد الملك، صاحب طعام ونكاح فكان الناس يسأل بعضهم بعض عن النكاح والطعام، وكان عمر بن عبد العزيز صاحب عبادة، فكان الناس يسأل بعضهم بعض، ما وردك الليلة وكم تحفظ من القرآن وكم تصوم من الشهر.
وهذا يؤكد المثل السائر: “الناس على دين ملوكهم.” والإمام الحافظ بن كثير في موسوعته التاريخية “البداية والنهاية” يرى صحة هذه العبارة إلى حد كبير، فالناس بالفعل على دين مليكهم، فإن كان خمارا كثر الخمر، وإن كان خليعا فكذلك، وإن كان شحيحا حريصا كان الناس كذلك، وإن كان جوادا كريما شجاعا، كان الناس كذلك، وإن كان طماعا ظلوما غشوما فكذلك، وإن كان ذا دين وتقوى وبر وإحسان كان الناس كذلك.
وهذا ما لا يلاحظه كثيرون من أهل الساسة والقرار في عصرنا الحالي، أن ممارساتهم لا تصنع السياسية فحسب، وإنما هي أيضا تسهم في تربية المجتمع، وتؤثر سلبا وإيجابا في أخلاق الناس، لأن المحكومين يظلون في نهاية المطاف مرآة للحاكمين. فقد ارتأى الفيلسوف هلفيتيوس أن السلطة مسئولة عن مساوئ الشعب، كما أنها مسئولة عن محاسنه، ومن ثم اعتبر أن التفاعل بين المجتمع والسلطة ذو اتجاه واحد، فالشعب لا يؤثر في طبيعة السلطة، وإنما تؤثر السلطة من خلال النموذج الذي تقدمه في خصائص الشعب وأخلاقه.
فالسلطة التي تقوم على الابتزاز، ويتمتع أقطابها بامتيازات استثنائية لابد أن تخلف جهازا مرتشيا، والسلطة التي تتعامل مع الشعب بطريقة فاشية، فإن جهازها لابد أن يكون فاشيا، سواء بتشكيلات أم بالنزعة التي تسيطر على أفراده، والسلطة التي تتلاعب بالقانون وتتحايل عليه، تهيئ مناخا مواتيا لتراجع سلطة القانون وانهياره، وتلك التي تكذب على الناس وتزور الانتخابات، تضع الأساس لشيوع ظواهر الغش والتدليس والتلاعب في إقرارات الذمة المالية، وهكذا. وباب الاستطراد في هذا النقطة يتسع لممارسات أخرى كثيرة.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال ( صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس أجمع هما العلماء والأمراء ).