كلام فى العيون
الدكتور محمد السقا عيد
باب النور إلى الحياة، حلقتان بألوان تختلف من حالة إلى أخرى، تنبئان بما يخالج روح كل إنسان، برفة صغيرة أو انكماشة أو حتى انفراج. فيهما يجتمع كل الجسم، هما الأكثر تعقيداً في الجسم البشري، تكشفان معلومات عن مواطن القوة والضعف وعن مستويات التسمم والأداء ومسببات الأعراض والأمراض، إنهما “العينان”.
من الذي وهبك هاتين العينين الجميلتين؟
وما قيمة جمال الدنيا، وجمال ابنك الصغير، وأروع الأزهار لولا هذه العين؟
العين أجمل تراكيب الوجه، وأجمل من العين صنعة الخالق فيها، فهي مستودع سره، انها أجمل وأدق وأرق ما في الإنسان وأعمقه وأقواه، صغيرٌ حجمها، لكنها تسع الكون بما فيه من بحار وأنهار وجبال وأشجار وشمس وقمر وأرض وسماء… الحواس بها جميعا تكون حواسَّ، وبدونها تتعب كل حاسة في تصور ما في الوجود من أشياء… هي النافذة التي بها تعرف الأشكال والألوان والأسماء، وتكشف الأسرار وتدفع الشرور وتتعارف القبائل والشعوب، ويُقدر الجمال وتُدرك المعارف والعلوم، ويُستدل بها على خالق الوجود. تفرح لفرح الإنسان فيكاد الفرح يقفز بها فتبتسم ابتسامة لا يقدر على اصطناعها أو إخفائها إنسان، فهي لا تعرف الكذب كالشفة واللسان، تحزن لحزن صاحبها فتعبر عن مشاعره الدفينة بما تعجز عنه الكلمات والعبارات والأقلام.
عجيبة كيف تقدر على حمل أكثر المعاني تضاداً؟
بل وكيف تعبر عن كل مشاعر وعواطف الإنسان؟
فهي تحب وتبغض، تضحك وتبكي، تعطي وتأخذ، ترضى وتسخط، تأمل وتيأس، ترغب وتتمنع، تضطرب وتهدأ، تعذب وترحم، تبني وتهدم. هي نعمة الإبصار عند الإنسان والتي يرى بها كل شيء من حوله، أي أنها المصدر الأكبر لمعرفته في هذه الحياة.
وهناك سؤال يفرض نفسه الآن وهو: لماذا وهبنا الباري عز وجل عينين وقد تكفي عين واحدة؟ ماهي الحكمة في ذلك ياتري؟ والاجابة بإختصار شديد: أنّ العين خلقت للابصار والرؤية، و لكي نری ما حولنا من الأجسام وغيرها بوضوح، نحتاج إلی محيط كامل وواسع وشامل يری كل الأبعاد الثلاثة، لذا نحتاج إلی عينين لتكون الثانية عونا لأختها وعوضا عنها حين تغيب أو يصيبها داء.
هل نظرت إلى التراكيب المختلفة التي يحويها هذا الحيز الصغير، وتأملت ذلك التناسق في عمل تلك الأجزاء المختلفة، فكل تركيب معجزة في حد ذاته، ومع ذلك يؤدي عمله في تناغم بديع، فلا اختلاف ولا فتور…! ثم هل نظرت كيف تتحرك العين حركة سريعة خاطفة وهي في محجرها لتتبع المرئيات عن يمين وشمال، دون جهد يذكر، ودون شعور من الإنسان، فلا تفوته رؤية شاردة ولا واردة!. … هل تأملت إبداع الصانع الذي لم يفته شيء، فكل شيء عنده بمقدار.
تأمل كيف أحاط الله العينين من جهاتها المختلفة بعظام (الوقب ) التي تدرأ عنها أية صدمة أو كدمة تهدد أمنها وسلامتها وتكون من وسائل حراستها، ولم يجعلها في هيئة نتوء بارز، بل جعلها في موضع غائر يضمن لها البعد عن أي طارئ تتعرض له، وجعل في هذه العظام فتحة للأعصاب والشرايين والأوردة لتغذي العين، ثم زيادة في الحفظ جعل الجبهة متقدمة وبارزة قليلا من الأعلى، والأنف من الأسفل حتى يكونا حائطان إضافيان، لأجل حفظ هذا الجسم الحساس الرقيق، فهو النور الذي يرى به الإنسان، وتأمل بأنه سبحانه لم يقدم الجبهة في البروز كثيرا حتى لا يتشوه الوجه ويكون شكلا غير مقبول أو مستساغ.
ثم تأمل في خلق الله للحاجبين حيث جعل أعلى العين شعر الحاجب شعر ثخين مائل، ليحول دون الغبار الهابط والسوائل التي تنزل من الجبين، فإذا نزل العرق أو الماء من الجبين فإنه يتجه إلى مسار العين من الخارج فينزل السائل على جنب العين من غير إضرار بها. ولم يجعل الحاجب مستقيما على خط واحد، لأنه لو كان كذلك فان العرق أو السوائل ستجتمع عليه ثم تفيض إلى العين. و بهذه الطريقة تبقى رؤيتنا واضحة.
هل تأملت كيف تنزلق الجفون فوق العين دون احتكاك، بفضل المادة الزيتية التي تفرزها الغدة في غضروف الجفن، حركة متسلسلة لا يكاد يشعر بها الإنسان. كما جعل سبحانه الجفون تتحرك بحركة إرادية وغير إرادية تلقائية، فالإرادية تجعل الإنسان يغمض عينه إذا احتاج أو أحس بخطر. وأما اللاإرادية فتغمض الجفن إذا فاجأها خطر لم يكن متوقعا فتقفل العين دون أن يقصد الإنسان أو تتدخل إرادته، كما تساعد هذه الحركة اللاارادية علي غسل العين، دون أن يؤثر ذلك على الرؤية المستمرة ودون شعور من الإنسان بحركة هذا السائل في العين!.
ثم جمّل أطراف العينين بصَفّين من الرموش، تقومان حول فتحتها، تعمل كالمصفاة، بحيث لو أفلت شىء من الغبار واقتحم الحاجب والجفن أو هاجمها من أعلى أو من أسفل تصدت له الرموش، وهذه الرموش يولد بها الطفل، وإذا قلعت أو سقطت فإنها تنبت وترجع إلى حالها بعد 7-8 أسابيع.
هل أمعنت النظر إلى عدسة العين وهي تتفلطح تارة وتتقلص تارة أخرى حسب بعد الجسم المنظور من العين، وتأملت الانسجام في حركة إنسان العين مع حركة العدسة دون توجيه أو إشراف من الإنسان، بل دون وعي منه !.
وإن تعجب لشيء فاعجب للشبكية، فهي طبقة رقيقة ذات مساحة محدودة كيف حوت ذلك الحشد من ملايين الخلايا، وانظر كيف تمايزت خلايا الشبكة فاختص كل نوع بعمل لا يقوم به غيره ! ثم هل تأملت الإبداع في تحويل طاقة الضوء إلى تنبيه للخلايا العصبية، من خلال عمليات كيميائية معقدة تتم في زمن يكاد لا يذكر ! فإذا تتبعت الأعصاب في طريقها من مؤخرة العين إلى المخ، فإنما تتبع معجزة في الخلق منقطعة النظير. وأعجب من كل ما تقدم إدراك المخ لصور المرئيات، وأشكالها وأحجامها وألوانها على اختلافها وتعددها الهائل! وأعجب من ذلك كله تداعي المعاني والأحاسيس التي يثيرها إدراك مرئيات بعينها!.
هل تعلم أن العين تستطيع فك شفرة مشهد مكون من ملايين المعلومات، وتمييز بين ما يزيد عن 10 ملايين لون مختلف في أقل من ثانية واحدة بسرعة ستمائة ألف بت في الثانية الواحدة (والبت هو أصغر وحدة قياس)، هذه السرعة المذهلة تكون بالألوان وبدقة متناهية فائقة معجزة تقدر بـ 575 ميجا بيكسل أي 575 مليون بيكسل، والبيكسل هو وحدة بناء الضوء، مع أن وزنها لا يتعدى 8 جرامات وحجمها في المعدل 25 ملليمترا، وملَّكها الكريم سبحانه الغني والفقير.
لم لا نستطيع التقاط صور لكل شيء نراه بأعيننا؟
هذا التساؤل كثيراً ما يواجهه المصورون خاصة، وهو سؤال قد يكون بسيطاً، لكن الجواب عليه يحتاج إلى معرفة طريقة عمل الكاميرا وكذلك عين الانسان. باستطاعة عين الانسان أن ترى شيئاً وفي نفس الوقت تنظم نفسها بحسب طبيعة هذا الشيء وحالته، لكن الكاميرا تلتقط صورة بحالة واحدة من هذا الشيء. هذا الاختلاف الجوهري هو العامل الرئيسي لتفوق عين الانسان على الكاميرا.
بشكل مختصر فعين الإنسان تشبه عمل كاميرا الفيديو وليس كاميرا التصوير، حيث يقوم عقل الانسان بتجميع الصور المشابهة ثم يحللها وينظمها ليستخرج الصورة النهائية، فكل ما نراه هو في الحقيقة تصوير معالج بواسطة العقل بحسب ما التقط من صور بواسطة العين.
ولهذا السبب فعين الانسان منقطعة النظير، فهي بعكس الكاميرا لا تلتقط الصور جراء انعكاس الضوء على الأجسام فقط وإنما تقوم بمعالجتها لتستخرج صورة نهائية.
كلمة أخيرة
أتدري أنَّ أَدَقَّ وأرفع قناة في جسم الإنسان هي القناة الدمعية فهي كالشعرة المُفرَّغة من الداخل ينزل عَبرَها الدمع الفائض إلى الأنف فَيُرَطِبَه؟ أتدري حجم المشاكل التي ستعاينها أيها العبد الضعيف لو انسدت هذه القناة الدقيقة؟.
أتدري أنه كما أن لسمع الإنسان ولقدرته حدود فكذا لبصره حدود؟ فكم من أجسام لا تراها لأنها دقيقة مُتَنَاهية الصِغَر، ولو استعملتَ المكبرات لرأيتَها، وتلك نعمة من الله؛ إذ لو كان بصرك حاد لدرجة إدراك هذه المخلوقات، لما شربت كأس ماء… لأنك سترى فيه عالمًا من الأحياء الدقيقة، ولما تنعمت بالنظر في وجه أحد لأنك سترى في جلد وجهه الغضون والتجاعيد بصورة مخيفة.
ألم تسأل نفسك كيف لا تتجمد أعين الناس في البلاد الباردة والمناطق القطبية،التي قد تصل البرودة فيها إلى 60 درجة تحت الصفر؟ هذا لأن الله تبارك وتعالى أودع في العين مادة تَحفظها من التَّجَمُد مهما انخفضت درجة الحرارة فهي لا تتأثر بها.
ان الحديث عن إعجاز خلق العين لا ينتهي، وهو إثبات لوجود الخالق سبحانه، فالعين نافذة الروح وعدسة الإعجاز التي وهبها الله الإنسان ليرى بها جميل صنع ربه ويتفكر في بديع آيات خلقه، فتصبح العين للإنسان بذلك مصدر هداية وصلاح لقلبه.
هل تعلم أنك أثناء قراءتك هذا الكلام، تكون قد استعملت جميع أجزاء عينيك عشرات بل مئات المرات، وتكون قد حدثت في عينيك مئات العمليات الكيميائية بسرعة خيالية، فهل شعرت بشيء من هذا كله؟ فهلا شكرنا الله تعالى على هذه النعم التي لاتعد ولاتحصي؟.
إنها إحدى النعم الكثيرة التي أنعمها الله عليك، وكما قال أحد السلف: إذا أردت أن تعرف نعمة الله عليك فأغمض عينيك، ولك أن تتخيل نفسك وأنت فاقد للبصر، كيف ستكون حياتك لمدة ساعة واحدة؟! وكيف لو كانت سنين عديدة؟ ان العبد لو أنفق ألاف بل ملايين السنوات شكرًا لله على هذه النعمة فلن يستطيع أن يوفيه حقها. وصدق الله العظيم القائل:
“وأتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار” إبراهيم ٣٤
“قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ” سورة الملك23.
( أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ) البلد8.
لك مقدار دمع، إن لم تكفك الدنيا لتذرفه ذرَفتَه في الآخرة، وعندك مخزون حزن إن استنفذته في دنياك انمحى من ذاكرتك معنى الحزن في أخراك، وكنت من الذين لا يحزنهم الفزع الأكبر، ادفع الثمن كاملاً اليوم فلا مجال هناك للمساومة، اركب قوارب النجاة، واقطع عباب الغفلة و شارك البحر ليلاً مدّ الرجوع وجزر الإنابة، فلن تجد منظراً أجمل من الشمس المشرقة فجراً على أمواج بحر متلاطم.
المصادر:
-كتاب كلام في العيون- د محمد السقا عيد” تحت الطبع”.
– ألم نجعل له عينين د وليد فتيحي 4-1- 2014
– ألم نجعل له عينين؟ تأملات طبية في خلق العين- بكر بن مطيع الرحمن محمد واصل.
– موقع ويكي صحة.
-كتاب اليوم الطبي”أسرار العيون” للمرحوم الدكتور صلاح الدين مصطفي.
-تأملات فى الإنسان – رجاء النقاش.
– كتاب (المدخل الى علم النفس الحديث) تأليف البروفيسور ركس نايت و مارجريت نايت.