منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المشاركة السياسية للمرأة في العهد النبوي

المشاركة السياسية للمرأة في العهد النبوي/سهام مهدي

0

المشاركة السياسية للمرأة في العهد النبوي

بقلم: سهام مهدي

تستبعد المرأة من دائرة العمل السياسي، حيث يقصر البعض العمل على الرئاسة والانتخاب وتولي الوزارات، في حين أن الرؤية الإسلامية للعمل السياسي  أشمل وأوسع وأعمق من هذا بكثير، وتاريخ مشاركة المرأة في هذا العمل بمفهومه الواسع شاهد على ذلك، وسنورد هنا بعض الأمثلة على ذلك:

أولا:  الهجرة

هاجرت النساء مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وتعد الهجرة حدثا تاريخيا  مهما في الحياة السياسية للدولة الإسلامية. وقد ورد ذلك في نص القرآن الكريم،قال الله تعالى: “يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك” (سورة الأحزاب ، الآية:(50).

ويجب الأخذ بعين الاعتبار أن قرار الهجرة هو قرار سياسي، وبالتالي فمشاركة المرأة بهذا الدور هي مشاركة سياسية صرفة[1].كما تمثل الهجرة النبوية الشريفة تحركا استراتيجيا ذا أهمية كبيرة ساعد على بناء وتأسيس الدولة الإسلامية حسب المفاهيم التي تحدد وجود الدولة المنظمة، حيث كان الإسلام متشكلا من مجموعة من المسلمين الملتفين حول الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة ضمن  المجتمع الكافر المعادي للإسلام، وجاءت خطوة الهجرة كوسيلة للانتقال بالمسلمين من حالة اللادولة إلى حالة المجتمع المنظم بشكل دولة ونواة للدعوة  للإسلام ونشره[2]. وعندما سألت المرأة المسلمة عن فضل الهجرة وهل هناك تخصيص للرجال دون النساء، أنزل الله تعالى:” فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض،فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيل الله وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب” (سورة آل عمران، الآية:190)

وتستوقفنا مسألة الهجرة هنا قليلا لنتأمل في هذا العمل السياسي العظيم الذي نشأ لنا كيانا أعظم وهو الدولة الإسلامية، ولا يستطيع أحد أن ينكر فضل الهجرة في تدعيم ركائز الأمة والدين الإسلامي. ولم يأت قرار الهجرة إلا بعد معاناة ومجاهدة للكفار في مكة وسنوات من المقاومة السلمية والتحالف مع القبائل العربية الأخرى والعديد من محاولات لنشر الإسلام باءت كلها بالفشل، فجاءت خطوة الهجرة بقرار من النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كانت السياسة  حكرا على الرجال وحدهم لبقيت النساء المسلمات بمكة، وما هجرتهن إذن إلا دليل على مشاركتهن في حياة الأمة السياسية[3].

ثانيا: البيعة

البيعة في اللغة والاصطلاح تعني:” إعطاء العهد على السمع والطاعة للحاكم أو الأمير من المبايع لإدارة شؤون الجماعة والأمة وفق أحكام الشريعة والالتزام بذلك”[4]. ومما يدل على المشاركة السياسية  للمرأة في التاريخ الإسلامي المبايعة التي قامت بها النساء للرسول عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية وفي فتح مكة. وقد ذكر القرآن بيعة النساء، قال الله تعالى:“يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه  بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف  فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم” (الممتحنة، الأية:12).

ومبايعة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء لها عدة دلالات:

الأولى: استقلال شخصية المرأة وأنها ليست مجرد تابع للرجل بل هي تبايع كما يبايع الرجل.

الثانية: أن بيعة النساء هي بيعة الإسلام والطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه يستوي فيها الرجال والنساء.

الثالثة: أن مبايعة النساء  للنبي صلى الله عليه وسلم تقوم على أساسين: الأول باعتباره  صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله، والثاني باعتباره إمام المسلمين، وما يؤكد ذلك قوله تعالى في الآية السابقة”… ولا يعصينك في معروف” (الممتحنة-12)[5].

ثالثا: إعطاء الأمان

ومن الصور الأخرى لمشاركة المرأة في السياسة إجارة أم هانئ، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أجار رجلا أجارته أم هانئ ابنة عمه[6]. والإجارة تعني إعطاء الأمان للعدو وغير المسلم، إذ يقول الله تعالى:” وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ”(سورة التوبة الآية :6).

ولا نبالغ بالقول أن الإجارة صورة أولية لما يعرف اليوم باللجوء السياسي، وإن كان هذا الأخير يتجلى في طلب شخص اضطهدت حقوقه في بلده أن يسمح له بالإقامة في بلد آخر على أن يحصل على الأمان وألا يتم تسليمه إلى بلده الأصلي. ففكرة الإجارة  تقترب كثيرا من هذا المعنى، وقد عرفت العرب قبل الإسلام مثل هذا السلوك الذي لا ينكر أحد أنه أحد الحقوق السياسية، ولكن الغريب أن تجير امرأة مسلمة رجلا كافرا، فكيف سمح النبي صلى الله عليه وسلم بهذا لو لم يكن يعتبر المرأة كيانا مستقلا قادرا على إعطاء الأمان وإبداء الرأي؟. إن من يغمض عينيه عن حقيقة أن هذا العمل هو من صميم الأعمال السياسية يوقع نفسه لا محالة في مغالطة واضحة[7].

ومن الأمثلة أيضا على مشاركة المرأة في السياسة مشورة أم سلمة رضي الله عنها على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية في القصة المشهورة[8]، وكيف كانت مشورتها سببا في  حفظ جماعة المسلمين، وغيرها من الوقائع والأحداث التي جرت في  العهد النبوي التي تؤكد هذه المشاركة السياسية .

ومن خلال هذا العرض نلاحظ أن المرأة المسلمة  شاركت في  النشاط السياسي بدور يحظى بالتقدير ولا يمكن تجاهله، وأن  السياسية ليست  هي القيادة أو الولاية فحسب بل تمتد إلى كل نشاط له علاقة بتسيير أمور الدولة بدءا من إعطاء الرأي والمشورة ووصولا إلى الإجارة والبيعة.


[1] دور المرأة  في المشاركة السياسية،غازي ربابعة، مجلة المفكر، جامعة محمد خيضر –بسكرة، العدد5،2010،ص168.

[2] نفس المرجع،ص169.

[3] الحقوق السياسية للمرأة في الشريعة الإسلامية، أمينة طواولة، مجلة القانون الدستوري والمؤسسات السياسية- المجلد الأول- العدد2،(ص10).

[4] انظر:تحرير المرأة في عصر الرسالة،المؤلف: عبد الحكيم أبو شقة،ج:1،ط:4 الكويت:دار القلم،1990،ص230.

[5] نفس المرجع،ص231.

[6] انظر:زاد المعاد في هذي خير العباد،لشمس الدين بن أبي بكر الزرعي ابن القيم الجوزية،الناشر:دار الفكر- بيروت،2003،ص949

[7]  الحقوق السياسية للمرأة في الشريعة الإسلامية،(ص12).

[8] نفس المرجع،ص:531.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.