منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الشاهد والشهيد

بشرى بوطيب

0

الشاهد والشهيد

بقلم: بشرى بوطيب

مواكب شهداء الأقصى وطوفانها المجيد تزف كل يوم وليلة منذ اكتوبرم2023. وها قد أشرف عام2024 على النهاية ولا تزال تتزين بدماء القادة القساميين الزكية الذين اغتالتهم الآلة الصهيونية المستكبرة. إسماعيل هنية ويحيى السنوار والعاروري وغيرهم من شهداء المقاومة في فلسطين ولبنان، علامة مسجلة تحكي تاريخ الفتوة في عالم الوهن، والانتصار للحق بعد علو الباطل وتتبيره في فلسطين ولبنان والأمة تتبيرا وحشيا. أرواح زكية سارت على منهاج النبوة كما الرعيل الأول والخلافة الراشدة في تتبع النور النبوي ببذل النفس والنفيس، وإعداد العدة و الرباط رغم خذلان غثاء الأمة لهم، وخيانة الأنظمة العربية وأقاليم الجوار لرجال الأنفاق البواسل والحاضنة غزة الأبية.

 الشهداء الحضور الأحياء

على درب شهداء بدر وأحد سار الرجال في أرض المسجد الأقصى يقاتلون الطغيان والكفر ويكبدون الاستكبار خسائر لا قبل للمحتل بها. يسمعون” قد خلت من قبلكم سنن”[1]، إنها سنن الله التي قضاها في علم الغيب عنده لا ترتبط ببقاء الرسل وحياتهم، فالمنايا تقبض كل نسمة، وإنما بدوام الرسالة ووجوب تبليغها نصرة للحق. تحث المؤمنين على اتباع النور النبوي أن يدافعوا الباطل، ويقارعوا جبروته وعلوه بإيمانهم ويقينهم في ربهم. كما تؤزهم على السير في الأرض والنظر لأن ” المطلوب منه حصول المعرفة بذلك”[2] في عوامل حركة التاريخ والواقع. ولتدبر وقائع ضعف هذه الأمة وتقهقر المسلمين عن المواجهة “فالبيان للمكذب ولعموم الناس مؤمنهن وفاجرهم والموعظة للمؤمنين”[3]. ففي نصر بدر وهزيمة أحد عظة واعتبار للأمة وتقوية لقلوب المسلمين بأن لا يضعفوا، ولا يجبنوا في جهاد الباطل وروح الجاهلية الصهيونية قتالا في أرض الرباط، وإسنادا وبذلا في شتى الثغور في أصقاع الأمة.

 إن طوفان الأقصى وما حمله من هزيمة ذريعة لجيش الاحتلال ووهنه أمام رجال الأنفاق في ذات الوقت، نقل الأمة نقلة تاريخية مهمة من قراءة تاريخ أمجاد الرجال إلى معاينة الرجال واستماتتهم وإيمانهم. ومنحها مواعظ في الثبات على ثغر الجهاد المنسي المغيب قرونا عدة، وانبعاث روح الدفاع عن دينه من جديد من بين الرماد. وما قوافل الشهداء إلا بشارة لهم بالقوة والغلبة” قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار” بشرط تحقق الإيمان ” إن كنتم مؤمنين”[4] فالثبات محله قلوب القائمين المتصدين للعدوان و إفساد العلو. ويسري على باقي الجوارح العاملة في ساح الجهاد إن صحت شروط الإيمان: بالله واليوم الآخر والقدر والغيب، وما أعده رب العالمين للمجاهدين والشهداء من هذه الأمة. هم الأعلون في العزم والعاقبة وتصديق وعد الله جنده بالنصر المنتظر.

حضرت الأمة عن قرب وبالبث الحي مشاهد الشهادة في سبيل الله، وهي تودع قوافل الشهداء المقدسيين وشهداء الإسناد من اليمن ولبنان والأردن. إنهم الفئام الذين يغزون في سبيل الله بعد أن وهنت الأمة وأحكم قبضتها طاغوت الجبر، وعلا إفساد الصهاينة في العالم الإسلامي. يحيون ما مات في القلوب المسلمة بعدما علق بها حب الدنيات وكراهة الموت ولقاء الله عز وجل. أمام مسلمي الأمة وسط تداعيات الطوفان النورانية وبشائره، فرصة الانبعاث من انهزامية تاريخية عششت فيها الغفلة عن الله الشهيد الشاهد بالحق سبحانه على سرائر وعلانية عباده. صار خوفهم على دنيا يصيبونها. وأضحى حرصهم على مستقبل يطول أمله لا يحضر فيه الرقيب العزيز جل وعلت قدرته. شهداء الطوفان رجال صدقوا ما عاهدوا عليه الله من مجابهة للباطل وإنكاره لآخر رمق في حياتهم. هم أمثال الصحابة رضوان الله عليهم كأنس بن النضر غاب عن بدر فكان الشهيد الحاضر في أحد. شهد بطش المشركين واختراق المنافقين للصفوف يهتف في أرجاء المعركة: ” اللهم إني اعتذر إليك مما صنع هِؤلاء يعني أصحابه، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني المشركين.”[5] متشوفا لما عند الله وما أعده لأوليائه في الغيب صائحا: “الجنة ورب النضر، إني لأجد ريحها من دون أحد”[6]. يقول الراوي سيدنا أنس: ” فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، قتل ومثل به المشركون”[7]. كان يعلم أن الشهادة تكتسب في هذه المشاهد فغلبه الشوق إليها حتى” صارت له قوة من استنشقها حقيقة”[8].

بذل النفس ليس بالأمر الهين على المسلم، حتى يمر من اختبار الإيمان واليقين والتربية النبوية الحكيمة. يحكي الصحابي الجليل رضوان الله عليه سيدنا سعد بن معاذ بعد انشقاق صف المسلمين يوم أحد وخروجهم عن طاعة نبيهم وتزعزع ثباتهم بالخبر المكذوب عن موت الرسول صوات ربي عليه ” قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع أنس”[9] يوم أحد ” نفى استطاعة إقدامه الذي صدر من أنس وما وقع له من الصبر على تلك الأهوال”[10] والطعنات. كان أحدهم يقول ” خرجت غضبا لله ورسوله”[11]، حين يستوقفه قومه ميمما وجهه صوب ساح الجهاد.  تعلم المقدسيون ورجال الأنفاق من الرعيل الأول الكثير، وساروا على ركب منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم. رخص لديهم الدم والجراح والأبدان لله تعالى.  هي شاهدة عليهم إلى يوم القيامة، والله يشهد أنهم قاموا حين قعد الناس. وقارعوا وجاعوا وعطشوا وتغبرت أقدامهم حين رفل المسلمون في الدنيا والدعة. يكلمون في سبيل الله يجيئون يوم القيامة ” اللون لون الدم والريح ريح المسك”[12].

يشاهد المسلم في سنة 2024 للميلاد صنائع الرجال في الطوفان في خضم الحصار والجوع والمرض والجراح والتهجير القسري. ينظر حاله وضعفه كباقي مسلمي الأمة لا ينكر منكرا ولا يأمر بمعروف يضجر من الشوكة حين يشاكها، ويخاف الجرح أن يتعفن إن لم يسارع به عند الطبيب. يتوارى ويتخلف عن مواقف الإسناد لإخوته في فلسطين معتذرا بعجزه وقلة حيلته. هذا رسول الله يعلمنا كما علمهم، يحرك الإيمان في القلوب يجدده ويوقظ كل وسنان، يخاطب إصبعه الشريفة صلى الله عليه وسلم كانت قد جرحت في بعض المشاهد: ” هل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت”[13]. فلا عجب أن يتهافت أنس وغيره من الصحب الكرام من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ممن متحوا من معين القرآن والنبوة على ابتياع أنفسهم لرب العالمين. وعدهم سبحانه برضوانه وجنانه وباصطفائهم لمحبته ” إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله كأنهم بنيان مرصوص”[14].  قتال النوايا ومحبطات الأعمال، وهجرة الغفلة والشرك، وجهاد بالعمل لتبليغ رسالة الوحي وببذل النفس يبنى الصف ويصير بنيانا مرصوصا في الأمة المحمدية.

الشاهدون بالقسط.

 كتيبة جباليا المحدودة عددا وعدة تهزم العلو بصمودها طيلة عام الإبادة. استهدفتها منذ بدء الحرب براميل العلو الصاروخية طحنت فيها المدنيين الأبرياء وشردتهم وهجرتهم.  جباليا وأخواتها الغزيات ترسل رسائل شموخ بدر وتمحيص أحد للأحزاب المستبدة من الأنظمة العربية. تقاتل وحدها في خندقها بمعية تأييد رب العباد للرجال. قد تميز الصف العربي الإسلامي بعد الطوفان: من يسند مقتحما كل مستطاع من الثغور، ومن يتخذها حرب سجال فكرية ودينية عقيمة يجهل أنها إحدى مكائد الاستبداد والصهيونية المفرقة لشمل المسلمين والعرب حول قضية فلسطين.

الطوفان ابتلاء الأمة ونعمتها في نفس الآن. فوسط البلايا تكمن العطايا الربانية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. اختبر به الله مسلمي الأمة  كما اختبرت في سننه السابقة سبحانه في برهان الإيمان وصدق جهاد الباطل والجاهلية،  يقول رب العزة: “وتلك الأيام نداولها بين الناس  وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء “[15] الاتخاذ لنفسه سبحانه، هو اختيار إلهي لأن أمر الجهاد اختبار عظيم وفضله بين الأعمال المسنونة في القرآن والسنة أعظم، ولا يبذله نية وعملا إلا من تمحص إيمانه “وليعلم الله الذين آمنوا”[16] وقال في موضع آخر ” وليعلم المؤمنين”[17]، ” وإنما كانت هذه المداولة ليرى المؤمن من المنافق فيميز بعضهم من بعض، وليعلم صبر المؤمنين”[18].   لذلك فأهل الشهادة مصطفون. وفي  الأمة من ينالون الشهادة في ساح قتال العدو كما في غزة وفلسطين يبذلون المهج في سبيله جل وعلا فيقتلون ويقتلون.  شهد الله عملهم وقلوبهم حتى استشهدوا تحت راية هذه الإرادة الجهادية في الدنيا وبلغهم الله المنازل العليا. لتشهد عليهم دماؤهم وأرواحهم وأجسادهم والملائكة من حولهم يوم القيامة. طالب الشهادة مبغض لظلم الشرك والاستكبار ومدافع لعلو المعتدين” فهو يكره ما يبغضه الله عز وجل ويجاهده بما استطاعه من جهد وحيلة والله لا يحب الظالمين”[19].

 أكرم الله هذه الأمة المحمدية بالشهادة بين الأمم. فهي الشاهدة بالحق والقسط، شهادتها تحمل من الخيرية الغيبية ما يجعل المؤمنين موقنين في موعوده ونصره خاضعين لسننه راضين بتداول أيامه. “وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا”[20]، شهادتها على ألسن وأفعال وأخلاق المسلمين أهل الإيمان واليقين، تعلن البراءة من الشرك والكفر والطغيان في أرض الله إلى يوم الدين. هذا بلاغ  الرحمة المهداة الرسول الأمي صلوات ربي عليه حتى التحق بالرفيق الأعلى. هو الأسوة الحسنة لأمته، وهو الشهيد على جميع الخلق يوم القيامة. ورسالته الخاتمة شاهدة على باقي شرائع إخوته الأنبياء الكرام يقول هود عليه السلام بعد أن بلغ ودعا ونصح وأوصى بالحق فلقي التكذيب والإعراض عن سبيل الله: ” قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه”[21]. حرب الباطل على الحق أزلية منذ بدء النبوة، قابلها الأنبياء عليهم السلام بالدعوة وتبليغ الرسالة وجهاد التغيير تارة، وبالقتال حال العدوان تارة أخرى. لكن ميز الله هذه الأمة بأن ختمها بالنبي الشهيد الشاهد برسالتها العظمى رسالة لا إله إلا الله لكل الخلق وللعالمين إنسهم وجنهم. قاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الجهاد بعد أن ألهب في النفوس حب الله ورسوله، حبا يفدي الإسلام الغالي العزيز بكل ما يملكه إن بخل المالكون”[22]. كتيبة جباليا وغيرها من أذرع المقاومة الظاهرة على العلو القاهرة له في عام 2024م هي قبس من الكتيبة الخضراء التي قادت فتح مكة بمعية النبوة الشريفة تهلك بإذن الله غطرسة الاحتلال هاتفة “هلكت قريش كما كان نطق أبو بكر رضي الله عنه”[23].

امتحان الأمة في نفسها أولا قبل عدوها المحتل للأرض المقدسة . لابد من استرجاع وتجديد ذلك التفاني في طلب ما عند الله وإخلاص الوجهة له ورسوخ القدم في الإيمان والإحسان. وأن لا سلطان على البشر إلا سلطان رب الأرباب سبحانه، ولا ولاء لهم إلا له جل وعلا. فعلى عاتق حملة هذا الدين الخالد واجب التبليغ عن الحق وتغيير ما بالأمة من غفلة وفتنة وشرك، وهوس بالدنيا وأمانيها، لتنهض وتعرف ربها ومصيرها وتحب نبيها وتنصرهما نصر عمل ونية وجهاد. ومن جهة ثانية تنفض غبار وهنها، و  تقارع الطاغوت الملتحف بالمشروع الصهيوني، المخترق لخيرية هذه الأمة.

هذه الأمة شاهدة اليوم مرغمة على مجازر غزة وعلى خذلان الإخوة الأشقاء في الدين والإيمان والعروبة للشعب المقدسي المستضعف والأرض المسلوبة. ما كانت هذه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطلوا دين الله والجهاد في سبيله بكل أنواعه وأن يهنوا وهم الأعلون بعزة القرآن والنبوة. فقد ” تركنا – صلى الله عليه وسلم- أمة مقاتلة قوية على رد التحديات، وعلى اتخاذ المبادرات، وتحمل المشقات. قابل غثائية اليوم بقوة ذلك الجيل، ثم لا تنس أن تلك القوة كانت ثمرة تربية”[24].

أمة رسولها شهيد شاهد بالحق والعدل في الغيب والشهادة، حري بالمسلم المؤمن أن ينبعث من إيمانه بربه واليوم الآخر قيامه بالقسط وشهادته بالحال والمقال في هذه الأمة. جعل الوحي شريطة فلاح المسلمين والسداد في الدنيا والآخرة في الإيمان ومحبة الرسول ونصرته واتباع منهاجه والنور الذي أنزل معه في شموليته غير منقوص ولا مبتور. فلا يكون المدد الإلهي الذي وعد الله به المؤمنين إلا مع اليقين وصدق العزم الجهادي. سبحانه يمد بالقوة في أصغر أسباب الأرض لمن استجابوا للنفير وتركوا التثاقل والتخلف.

لقد من الله عز وجل على الأمة بحادث الطوفان المقدسي بدروس ثقيلة عظيمة بعظم عقول وقلوب أساتذة الدنيا في الإيمان والبذل والفداء: المقاومة والحاضنة غزة. أعداد الشهداء الغزيرة تحت الأنقاض والأشلاء ومن اخترقت جماجمهم رصاصات الصهاينة وخيانة المطبعين، ومن خانتهم إنسانية العالم المستكبر الجاهلي فمنعوا التطبيب والدواء والغذاء، يعلمون بدمهم الزكي وفعالهم المباركة في أرض فلسطين نشء الأمة الغثاء أن منهاج رسول الله هو سبيلهم ولا يقبل الدنية في الدين أمام المعتدي المغتصب كما لا يحني الجباه جاثية أمام غواية المطبعين معه، بل هي راكعة مع الراكعين لله رب العالمين.


[1] آل عمران 137

[2] تفسير الشوكاني فتح القدير آل عمران 138/139

[3] نفسه

[4] آل عمران 139

[5] فتح الباري كتاب الجهاد أبو حجر العسقلاني ص100

[6] نفسه

[7] نفسه

[8] نفسه

[9] نفسه

[10] نفسه

[11] نفسه ص105

[12] نفسه ص98

[13] فتح الباري كتاب الجهاد ص 97

[14] الصف 4

[15] آل عمران 140

[16] نفسه

[17] آل عمران 166

[18] تفسير القرطبي سورة آل عمران

[19] الفتح كتاب الجهاد ص102

[20][20] البقرة 142

[21] هود 54

[22] القرآن والنبوة عبد السلام ياسين ص 97

[23] نفسه 99

[24] القرآن والنبوة ص98

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.