منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحِكْمَةُ تَعَرُّضٌ وقَبْضٌ

الحِكْمَةُ تَعَرُّضٌ وقَبْضٌ/ ذ. فؤاد هراجة

0

الحِكْمَةُ تَعَرُّضٌ وقَبْضٌ

بقلم: ذ. فؤاد هراجة

إن ما ميز حكماء التاريخ وعظماء الإنسانية أن محور حدسهم كان كليا، وكان يدور حول إدراك وحدة الحياة البشرية في الزمان والمكان، وحول إدراك قاعدة جلية خفية، تتمثل في تبدّل وتغير الأقنعة التي تطالعنا بها الحياة اليوم. لقد أدرك هؤلاء الحكماء ما عجز أن يدركه العُبّاد الناسكون، والعلماء المتضلعون، أدركوا أن طالح اليوم قد يكون صالح الغد، وأن الرجل النبيل والناسك الزاهد قد يتحولان إلى عشبة ضارة وإلى سُمٍّ زُعاف.

إن أحكم الناس من لا يسعى وراء إثبات وجهة نظره، بل من ينشد الحكمة ليستروِح نسيمها، ويعيش عبيرها، مَثَله في ذلك مثل خاتم النبيئين محمد صلى الله عليه وسلم، الذي علمه الوحي وأدرك بنور الله سبحانه أن كل محاولات إفراغ الحكمة في قوالب محددة وجاهزة ومعينة لن تكون إلا حماقة في حق البشرية، وتعالى الله العادل عن هذا الشطط، لذلك ترك نبي الرحمة وصية خالدة مفادها: ”الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها“ الحكمة هي عصارة التجارب الحياتية، وإفراز للحوادث والنوازل، وإلهام بعد تفكير، وتدبر للأمور، والحكمة هي نتيجة قناعة راسخة أن الله عز وجل: ”يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ“، والحكمة نظر في المآل واستخلاص للعاقبة بعد استشراف للمستقبل ومعرفة للمقصد. إن من أدوارنا في هذه الحياة، إما أن نختار طريق الخواص أي طريق الوهب، فنتعرض لحكمة الله بتطهير قلوبنا وتزكية أنفسنا وتنقية أرواحنا فنسمو ونقترب من الحكيم نتسول على بابه الحكمة متجردين من أحوالنا وقواتنا، وإما أن نختار طريق العوام أي طريق الكسب، فنحرر عقولنا من التفاهات والخرافات حتى تكون مؤهلة للقبض على الحكمة أنى وجدتها. ولئن كانت الحكمة هي إدراك وحدس كلي للحياة بعيدا عن جزئياتها وتمظهراتها في الزمان والمكان، فإن أرقى مظاهر الحكمة هو أن يتساوى الخير والشر في قلب وعقل الحكيم، بحيث لا يستطيع التمييز بينها، أما إن كان ممن يسارعون إلى الحكم على الحوادث والنوازل بالخير والشر فالحكمة براء منه؛ ألم يسمع قوله تعالى: ”وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ“. إن وجه الشبه بين صورة العابد المُتَنَسِّك والعابث المُتَهَتِّك، أن كليهما يحمل مشاعر طفولية مفعمة بالشغف والرغبة في اللذة، فالأول يبحث عن اللذة الروحية، بينما الثاني يبحث عن اللذة الجسدية وهما عندي سيان، يحركهما في العمق دافع واحد؛ لكن ما ينشغل به الحكيم، استحضاره الدائم ” أن للكون رب يحميه“، وأن الكون منزه عن العبث، وأن كل شيء مقدر ومكتوب في اللوح المحفوظ «من قبل أن نبرأها»، وأن سلوكنا الأخلاقي وآراءنا في ما يقع في الحياة لا تعبر بالضرورة عن جوهر قلوبنا، فالسلوك والآراء إن هي إلا أسماء ومظاهر، تكمن وراءها مشيئة سماوية ربانية. في مسرحية «فاوست»، يقول مفيستو لݣوته ” أنت ابن القوة التي تسعى دائما وراء الشر، لكنها لا تصنع إلا الخير“. والعكس بالعكس أيضا، فهناك عدد لا يحصى من البشر يعتقدون أنهم يسعون وراء الخير، لكنهم لا يصنعون إلا الشر، ولا يعرفون إلا لغة العنف. تَذَكَّر أن الحكمة لا تحتاج إلى أدلة لإثباتها، كما لا تحتاج إلى مساجلات كلامية للدفاع عنها، لأن الحكمة وبكل بساطة ليست موضوعا للجدل، بل هي فرصة للتلقي من الله، وفرصة للقبض عليها من حكماء الأرض.

ستقولون، إن ما تفضلت به مجرد فكرة، لكن ماذا علينا أن نفعل؟ أنا شخصيا أؤمن بقوة الفكرة، فالفكرة عندي ليست وَهْماّ، بل حدسا بمستقبل البشرية، أما عن سؤال العمل أقول لكم: ”تعلموا الإنصات إلى صوت قلوبكم“، ستقولون: ”ماذا يقول هذا الصوت، اشرح لنا…“ جوابي لكم؛ أن القلب مثل الطفل الصغير الذي لا ينطق الحروف، لكن أمه لشدة الارتباط به تفهم آهاته وأصواته وحركاته، بل والتواصل معه فيفهمها وتفهمه. إن انشغلانا بالخارج عن قلوبنا أفقدنا القدرة عن فهم مجريات القلب وأغلق في وجوهنا قنوات التلقي منه، وجعله كالبئر المعطلة، لذا فإننا نحتاج إلى التصالح مع قلوبنا بحثا عن طريق الحكمة، إنني لست هنا في معرض إلقاء الحِكَم والمواعظ، وليس ذلك ما يعنيني في هذا المقام، فما أود قوله حقا، أنني أفكر في أولئك المرابطين على حدود الحاضر الغامض والمخيف يستشرفون المستقبل الواعد، لهؤلاء أقول: ”إن المشكلات والتحديات لم تُلْقَ أمامنا لنحلَّها ونتجاوزها، بل كي نخوض غمارها ونقتحمها، لنعايشها معايشة حقيقية، إنها ثمرة الابتلاء الذي فرضه علينا القدر، وهي ثمرة ستنضج لاحقا حين يتحقق نضج جماعي للإنسانية، نضج نحن في طريقه، لتصير في النهاية حياتنا خيرا كله، بعدما تدرك البشرية من دروس الحياة أن للاستغناء عن الحكماء وتهميشهم عواقب وخيمة، فبعد المعاناة مع الشر والأشرار، ستَعُضُّ البشرية على الأخيار بالنواجد، وستدرك في النهاية أن شر الأشرار ما كان إلا خيرا في عمقه، إذ لولاه لما أصبح الخير مقدسا، ولما اعتلى الأخيار قلوب البشرية جمعاء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.