“لمن الحق اليوم”
بقلم: أشرف شعبان أبو أحمد
يختلف الناس والمجتمعات فيما بينهم على من هو على صواب ومن هو على خطأ، ومن هو على حق وغيره على باطل، وإزاء تمسك كل طرف بما هو عليه، وتوهمه بأنه هو الصائب، واستماتته في الدافع على ما يعتقده، تبدأ بينهم المناوشات والتي قد تتصاعد إلى مشاحنات ومشاجرات، وقد تتطور إلى معارك وحروب يرصد لها كل طرف، ما أوتي من قوة وعتاد، ليكبد الطرف الآخر أقصى ما يمكن من خسائر، غير مكترث بما يسفكه من دماء، وينتهكه من أعراض، ويهدمه من مباني ومنشآت، يندى لها جبين الإنسانية كلها، ويبكيه تاريخها على مر العصور، وقد يتوقف ما بينهم عند حد التقاطع والتباغض أو كظم الغيظ والغضب الصامت، حيث يكبت كل طرف آراءه وانفعالاته، مؤثرا السلامة والحفاظ على علاقاته بالطرف الآخر، لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. ويتبلور مثل هذا الاختلاف في كثير من أمور حياتنا الأسرية بل والمجتمعية فتمتد لتشمل نظام الحكم والقائمين عليه وهيئاته ومؤسساته والأحزاب من بينها، وتطال كذلك أهل الملل والنحل، والدول المتقدمة والمتخلفة في مجتمعنا الدولي الكبير، لا يختلف فيها الصغير عن الكبير، المرأة عن الرجل، الجاهل عن المتعلم، العاطل عن العامل، الغني عن الفقير، الرئيس عن المرؤوس، وسواء كان ذلك في علياء الأمور أو سفاسفها، والجاد منها أو الهزل.
بداية من الأسرة حيث يبدأ سجال بين الآباء والأبناء منذ نعومة أظافرهم، فالطفل في إصراره على شراء لعبة أعجبته، يظن أن الحق معه، لأنه من حقه أن يتمتع بطفولته، وأن على والده أن يستجيب لرغبته، ولا يدير بالا لظروف والده وإمكانياته المادية، وعلى الجانب الآخر يرى الأب أن لديه أولويات أهم من هذه اللعبة، تحول دون تنفيذ رغبة الابن، وأنه على صواب في ذلك. وهذا المراهق الذي لم يتجاوز عمره الخامسة عشر بعد، يرى أن نظرته للحياة صائبة بل وأصوب وتفوق نظرة والديه، والذي عمر أي منهما أضعاف مضاعفة عمره، وقد شدت الحياة من عضدهما ونضجا بتجاربهما واستويا بخبراتهما، ويستمر الحال هكذا في غالبية أمور حياتهم، وصولا لمرحلة الزواج، حيث يرى كل من الابن أو البنت، أن من حقهما اختيار شريك الحياة كما يحلو لهما، غضين طرفهما عن قليل أو كثير من الاعتبارات، بينما يرى الأب أنه من حقه أن يطمئن على أبنائه مع من يناسبهم وعائلتهم ماديا وخلقيا واجتماعيا، ومثل هذا السجال يحدث كثيرا بين الزوج وزوجته، والأخ وأخيه، وبين الأقارب داخل الأسرة الواحدة، وبين الجيران في المسكن أو الحي الواحد، عند مناقشاتهما لمختلف أمور تسير معيشتهم، كما يراها كل فرد بما يحلو له.
الطالب في المدرسة أو الجامعة لا يرضى عن المعلم، وطريقة تدريسه، ويظن أنه لا يعطي للمهنة حقها، في حين أن هناك كثيرا من العوامل، والتي لا دخل للمدرس فيها، تجعلهم غير مهيأين لاستيعاب ما يدرس لهم، والمعلم يرى أن مهنته لا تكفل له حياة كريمة، فيضطر إلى جلب طلابه للدروس الخصوصية، لتعويض ما ينقصه من حاجات معيشية، وملزما بتفضيل من يدفع على غيره شرحا واهتماما. وفي مجالات العمل المتنوعة، يلاحظ الاختلاف بين العاملين وبعضهم، وبين العاملين وصاحب العمل أو القائم عليه، ومثال ذلك عندما يوقع رب العمل جزاء على مرؤوس له لأي سبب، مثل التأخير مثلا، يرى أنه يحترم قوانين عمله، ويطبق اللوائح وإذا لم يفعل ذلك يكون مقصرا، بينما يرى المرؤوس أن رئيسه يخلو من الإنسانية، ولا يقدر ظروفه، وربما يكون تأخيره لسبب خارج عن إرادته. ومثال آخر حيث يرى كل عامل أن العمل لا يقوم له قائمة إلا به هو، وعلى كتفيه هو دون غيره، ومع ذلك يرى أن زملاءه مميزين عنه في المكافآت والمراكز، فينتاب كلا منهم مشاعر سلبية تجاه العمل وبعضهم البعض. وفي نفس المجال نجد الصراف أو المحصل الذي يقتطع لنفسه مبالغ قليلة من استحقاقات الممول أو المورد أو الموظف، يظن أنه على صواب، فهذه المبالغ ستجمل معه في النهاية مبلغا هو في حاجة إليه، ولن تؤثر كثيرا في أي منهم، في حين يرى كل منهم أنه لا يستحق ذلك لأنه يأخذ راتبا على وظيفته. الطبيب عندما يغالي في تكاليف علاجه للمريض يظن أنه على صواب، فقد اجتهد وتعب حتى وصل إلى ما هو عليه من مكانة علمية واجتماعية، وجاء الوقت ليجني ثمار جهده، والمريض يرى أنها مهنة سامية، وليس بضاعة معروضة في مزاد لمن يدفع أكثر، ومن حقه أن يتمتع بكل رعاية واهتمام، ولا يكون حقل تجارب لصغار الأطباء وقليلي الخبرة. وينطبق هذا أيضا على كل صاحب مهنة عندما يغالي في أجرة عمله ظنا منه استحقاقه لذلك، في ظل ارتفاع أسعار الخامات والمنتجات، وتزايد الطلب على حرفته، لسعة خبرته وحسن سمعته، بينما يظن العميل أنه يطالب بأكثر مما يستوجب، وأن ما يقوم به لا يستحق كل هذا الأجر. وفي مجال التجارة لا يخفى على أحد حدة الجدال الدائر بين البائعين والمشترين، على مر الأزمنة والعصور، ودائما وأبدا التجار في مرمى الاتهام بالجشع والطمع واستغلال الأزمات، بينما التجار يلقون أسباب ذلك على المسئولين عن ارتفاع أسعار المنتجات الأولية سواء لقلة الناتج المحلي أو لقلة المستورد، وغلو تكلفة الشحن والنقل والتخزين، وزيادة أجرة العاملين في مختلف الخدمات المساعدة في نفس المجال. ولا يفوتنا التنويه عن العلاقة بين المالك والمستأجر سواء للعقارات أو للأراضي، حيث يرى المالك أن ثبات قيمة الأجرة وكذلك التخفيضات التي تناوبت عليها، لا تتماشي مع التغيرات الاقتصادية وفيها إجحاف شديد له، وفي كون العقار أو الأرض استثمار له، بينما يرى المستأجر أن ما دفعه من أجرة في الفترة السابقة يعادل بل يفوق ثمن العقار أو الأرض، رافعا شعار الأرض لمن يزرعها والعقار لمن هو واضع يده عليه، وفي منحى آخر نجد المختصمين في القضايا، وهم كثر أكثر مما تستوعبهم المحاكم والقائمون عليها، فلا يوجد بيت مدر ولا وبر إلا وله في المحاكم قضية، كل خصم يدعي ويظن إنه على حق، وخصمه على باطل، وإن حكمت المحكمة لطرف لا يرضى الطرف الآخر بالحكم، وتظل تساوره الشكوك حول مصداقيته. وهكذا كل علاقة مهما كان نوعها تجمع بين طرفين أو أكثر يشوبها منغصات وما يعكر صفائها، بسبب تنازعهم للحق فيما بينهم، فكل طرف ينسبه لنفسه ويسلبه من الآخر، سواء بسند شرعي أو بغير سند.
وعلى مستوى الدولة ترى إنها على صواب، فيما تفرضه من قيود على بعض أو كل الحريات المفروض تمتع مواطنيها بها، وعلى كل ما تفرضه من ضرائب ورسوم، لتوفير الخدمات العامة من بنية تحتية ومحطات المياه والكهرباء وإصلاح الطرق والخدمات التعليمية والصحية وغيرهم، والمواطن يرى أن مثل هذه القيود تأتي بنتائج عكسية على استقرار البلد وحبه لها وانتمائه إليها، ويرى فيما تجتبيه وتنفقه من أموال لا يعود عليه وعلى سائر الطبقات الفقيرة بأي نفع أو فائدة. وعلى غرار ذلك تسير الأحزاب، فكل حزب يرى أنه على صواب في منهجه ومبادئه، وأنه وحده يمتلك الحلول لمشاكل البلد بل وللكون أكمله، وأنه أولى من غيره في إدارة شئون البلد، لامتلاكه من الكوادر والشعبية التي تحقق له ذلك، ولكن تتخذ ضده إجراءات غير مشروعة لمنع وصوله لما يستحق. والفرد عندما ينتمي لحزب يكون ولاءه الأول والأخير لهذا الحزب، يدافع عنه حتى إذا كان على خطأ، غير مدرك أن هذا الحزب لم يؤسسه سوى أفراد مثله، رأيهم يحتمل الخطأ والصواب، وليسوا ملائكة منزهين ولا يوجد فيهم أحد معصوم. وكذلك أصحاب وأهل النظريات والمناهج والبرامج، الفلسفية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتربوية، وصفوة رجال الفكر والعلم والثقافة، بينما تختلف اتجاهاتهم وتتباين مآربهم ومشاربهم، حسب البيئة التي نشئوا فيها، والطبائع التي تتطبعوا بها، والثقافة التي تحصلوا عليها، ومن ثمة تتفاوت حدة الاتفاق والاختلاف بينهما في أطروحاتهم. تجد كلا بما لديهم فرحون، كل من هؤلاء بما هم به متمسكون، فرحون مسرورون يحسبون أن الصواب معهم دون غيرهم، ومنهم من يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، أولئك الذين يعمرون دنياهم بخراب آخرتهم. ووصولا لأهل الملل حيث يعتقد كل أهل ملة أنهم أهل الإيمان وحدهم، وغيرهم من أهل الملل الأخرى أهل كفر أو شرك، وعدا أهل التوحيد الحق، فهم يلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق، قال تعالى ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ) البقرة 113 أي قالت اليهود ليست النصارى على شيء من الدين الصحيح، وكذلك قالت النصارى في اليهود، وكل يتلو في كتابه تصديق ما كفر به، كذلك قال الذين لا يعلمون من مشركي العرب وغيرهم مثل قولهم، أي قالوا لكل ذي دين: لست على شيء، فالله يفصل بينهم يوم القيامة فيما اختلفوا فيه من أمر الدين ويجازي كلا بعمله. وقال تعالى ( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ) التوبة 30 والله عز وجلا الواحد الأحد المنفرد بالكمال، له الأسماء الحسنى والصفات العليا والأفعال المقدسة، لا نظير ولا مثيل له، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، لا في أسمائه ولا أوصافه ولا في أفعاله قال تعالى ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) الإخلاص 1 -4 وزعم اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه فرد عليهم القرآن في قوله تعالى في سورة المائدة آية 18 ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) بل ادعى كل من اليهود والنصارى أن الجنة خاصة بطائفته لا يدخلها غيرها، فرد عليهم القرآن في قوله تعالى ( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) البقرة 111 بل وداخل الملة الواحدة افترق أهلها للعديد من الفرق، كل واحدة منها تعتقد أنها على العقيدة الصحيحة، ومثيلتها على العكس منها، قال عليه الصلاة والسلام ( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ) قيل ما هي يا رسول الله، قال عليه الصلاة والسلام ( ما أنا عليه وأصحابي ).
وعلى مستوى الدول، فمنها من يرفع شعار القوة فوق الحق، ولا يعنيها أكانت على حق أم على باطل، وما يعنيها هو احتلال الدول المسالمة، والاستيلاء على أراضيها، ونهب ثرواتها، وإبادة أهلها أو تهجيرهم، ومنها من يظن أنه على حق كالاتحاد السوفيتي سابقا والذي انتهج الشيوعية منهجا له وأسلوب حياة، وكان يعتبر القوى العظمى الثانية في العالم إلى أن انهارت الشيوعية وانهار كل شيء معها، واستقلت دول كثيرة عنه كل منها قائم بذاته، والآن تظن الدول الغربية المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول أوربا، وتنتهج الرأسمالية منهجا لها وأسلوب حياة أنهم على حق، ويبررون ذلك بتقدمهم وتفوقهم في كافة الميادين، وخضوع كثير من دول العالم لهم، استسلاما أو قهرا، ولكن الأيام دول، فقد كانت قبلهم حضارات أقوى بكثير، وسادت الأرض قرونا طويلة، واستسلم لها معظم سكان العالم، ولكنها دامت فترة ثم طواها التاريخ، وكتب عليها النسيان، قال تعالى ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ) غافر 82 وقال تعالى في سورة القصص آية 78 ( أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ) والقرآن يكرر لنا ما شابه ذلك في قوله تعالى في سورة الكهف 35 -36 ( ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا ) أي دخل إحدى جنتيه فقال: ما أظن أن تفنى هذه الجنة أبدا، وما أظن القيامة حاصلة، ولو فرض ورجعت إلى ربي لأجدن خيرا من هذه الجنة، عاقبة لي، لأنني أهل النعيم في كل حال، وقد عاجله الله بالعقاب، وأحاطت المهلكات بثمار جنته، وأهلكتها وأبادت أصولها، فأصبح يقلب كفيه ندما وتحسرا على ما أنفق فيها، وتمنى أن لم يكن يشرك بربه أحد، ولم تكن له عشيرة تنصره من دون الله، قال تعالى في سورة الكهف الآيات 42 -43 ( وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا ) وهذا نفس خطاب كثير ممن يملكون القوى والثروة ويسخرون التكنولوجيا والتقدم العلمي لامتلاك الأرض ومن عليها والكون ومن فيه، يسيرون على نفس الدرب ظنا أن قوتهم لن تفنى وثرواتهم لن تباد. وهؤلاء وأولاء وأولئك إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض، بأي صورة من صور الفساد التي يملأون أركان المعمورة بها، كان جوابهم إنما نحن مصلحون، هكذا يظن كل شخص بنفسه إنه هو المصلح، وهو لا يشعر بحاله، قال تعالى في سورة البقرة آية 11- 12 ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون إلا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ) أي أنهم يعتقدون أنهم يصلحون في الأرض، والقرآن يصمهم بأنهم هم المفسدون، ولكن لا يشعرون، ويا لها من مصيبة أن تفسد في الأرض، ولكنك لا تشعر بما تفسده، ولا تشعر بأنك من المفسدين، ولا تدرك من شأن نفسك شيئا، مع أن أثر الفساد ظاهر في العيان، مرئي لكل ذي حس، ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) ق 37 وعدم شعور الشخص بحاله، ومدى شناعة فعلته، وإحساسه بجرمه، يصل به إلى هلاكها، قال تعالى ( وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون ) الأنعام 26 وقال عز وجل ( وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون ) آل عمران 69 وقال جلا وعلا ( وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون ) الأنعام 123 وقال تعالى ( أموات غير أحياء وما يشعرون ) النحل 21 ومن هؤلاء الناس من وصفهم القرآن الكريم بقوله تعالى ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون في قلوبهم مرضا فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ) سورة البقرة آية 8- 10 يخدعون أنفسهم وما يشعرون، فما بالكم بشخص يخدع نفسه، يخدعها بأن يوحي لها أنه على الحق، وأن ما يقوم به هو الحق بعينه، وما عليه غيره وما يقوم به هو الخطأ، ويعتقد ذلك ويصدق نفسه، ويعيش على ذلك، فمثل هذا ومن على شاكلته، شخص القرآن حالتهم بقوله تعالى ( في قلوبهم مرضا ) هؤلاء انتكست قلوبهم وانعكست بصائرهم، فأصبحت تعتقد وترى، الفساد صلاحا والصلاح فسادا، والحق باطلا والباطل حقا، والشر خيرا والخير شرا، والإنسان عندما يمتلئ قلبه بالجحود والعناد لا يفيد معه أي دليل على الحق. والباطل مهما علا وطال أمده، فسيأتي زمان يخبو فيه ويخمد، ويعلى الحق ويرتقى، قال تعالى ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون ) الأنبياء 18 وقال تعالى ( ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون ) الأنفال 7-8 وقال تعالى ( لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون ) سورة الزخرف آية 78 وقال تعالى ( ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا إنهم أصحاب النار ) غافر 4-6
وأخيرا: فإن الاختلاف في الرؤى، طبيعة بشرية، فكل شخص له رؤيته الخاصة للأشياء والأحداث، تنبع من عقيدته وتربيته والبيئة التي تحيطه، ومن الجميل أن نحترم الآراء المختلفة، فالاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، وليس من الضروري أن يكون كل اختلاف سيئا ولا كل مختلف معنا عدوا لنا، والأصوات عندما ترتفع بالنقد والترجيح، والتقديم والتأخير، بل والتجريح، مسموح به ومعفو عنه، متى قامت على حسن نية وابتغاء مرضاة الله، وفي إطار من الآداب العامة، لكن أن يصفك من تختلف معه في الرأي، بأسوأ الألفاظ، ليس لأنك رأيك خطأ أو صحيح، بل لأنك خالفت رأيه، فهذا من مسببات تطور وتصاعده الخلافات إلى ما لا يحمد عقباه، وكذلك فإن احترام الشخص لذاته وفكره ولمن يحدثه، والبعد عن الكبرياء والنظرة الدونية لمن يخالفه، يكسبه احترام الناس ومحبتهم ولا يفقد مهابتهم له.
ومن هنا فإننا نناشد الأمة في عقلها وقلبها، في شبابها وشيوخها، في رجالها ونسائها، في حكامها ومحكوميها، في علمائها وفقهائها، في مثقفيها ومفكريها وحكمائها، أن يجتمعوا حول كلمة سواء، توحد كلمتهم، وترص صفوفهم، وتؤلف بين قلوبهم، لتصون للوطن حرمته وللناس كرامتهم وللحياة آمنها ولأمتنا حضارتها وللعالم كله السلامة والتعاون ولتحقيق الهدف الذي من أجله خلق الكون بأسره.
اللم أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه