منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ما العمل إزاء ما يحدث في غزة؟ (1)

يعقوب زروق

0

ما العمل إزاء ما يحدث في غزة؟ -1-

يعقوب زروق

مقدمة:

يسأل الناس ما العمل إزاء ما يحدث في غزة وفلسطين وغيرها من بلاد المسلمين وما يرتكبه الصهاينة المجرمون ومستكبرو العالم ضد المستضعفين من المؤمنين وغيرهم؟

هل يكفي أن نبكي ونتأسف ثم ينتهي الموضوع أم نتحمس لعمل ورد فعل غير مدروس؟
لا هذا ولا ذاك. فما العمل؟

العمل عملان عمل آني الآن، الآن. وعمل يتطلب وقتا وطول نفس.

فأما عمل الآن فهو الدعاء والوقفات والمظاهرات والمقاطعة والتعريف بالقضية كتابة وتدوينا وتعبئة وتوعية.

وأما العمل الذي يتطلب وقتا ونفسا فلا يقدر عليه إلا أولوا العزم من المؤمنين. وهو التربية والدعوة. خطان لا ينفصلان. تربية النفس وتغيير ما بها حتى يغير الله ما بنا. ودعوة الناس إلى هذه التربية. دعوة حكيمة رحيمة.

بتعبير آخر العمل أن نتعلم ونعلم، نتزكى ونزكي، نتحفز ونحفز نتعبأ ونعبئ.

هذا حتى لا يكون بيننا من هو كل على مولاه لا يأت بخير. وحتى لا ينشأ فينا متصهين يسارع في رضا العدو. وحتى لا يكون معنا جاهل يخدم العدو بجهله، ولا حقير يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل. حتى لا يكون معنا منافقون أو على الأقل حتى تقل سطوتهم ويفضحوا وحتى لا يتحكموا فينا ويخدموا العدو بمقدرات الأمة.

هذا العمل البعيد المدى ينبغي أن يكون عملا منظما وجماعيا ومنضبطا. فإن العمل الفردي لا يجدي نفعا. فلذلك تجدهم يشوشون على العمل الجماعي ويتهمون كل تنظيم صادق يهدف إلى التغيير والإصلاح ويشيطنونه. لكنهم هم  تجدهم يعلمون في منظمات محكمة معلومة وغير معلومة .

وربنا  سبحانه قال:” إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ” [الصف: 4]

نؤجل الحديث عن هذا إلى ما يستقبل من مكتوبات إن شاء الله ونبدأ بالحديث عن واجب الوقت.

أولا: الدعاء:

هل ينفع الدعاء في هذه الحرب المجنونة؟ هل ندعو الله لهم؟ أم الدعاء فعل العاجز؟

الدعاء هو الأساس وتأتي الأعمال الأخرى المساندة أسبابا لا بد منها .

الدعاء في ديننا هو العبادة كما ورد في الحديث الشريف. قال سبحانه:”وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ”  [غافر: 60]

عبادتي في الآية دعائي كما فسرها المفسرون.

والعبودية أهم وصف وصف الله به نبيه صلى الله عليه وسلم في سورة الإسراء التي تتحدث عن علو وفساد بني إسرائيل. وأهم وصف وصف به أولئك الذين يبعثهم الله عليهم يسوءوا وجوههم. والدعاء هو العبادة . سيما في وقت المحن حيث يكون الافتقار إلى الله أكمل. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سَلوا اللهَ من فضلِه، فإن اللهَ يُحِبُّ أن يُسأَلَ، وأفضلُ العبادةِ انتظارُ الفرَجِ»[1]

قال تعالى : وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: 10]

وقال سبحانه:) إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران: 160]

إذن النصر من الله وحده فلنسأله منه سبحانه.

ولذلك قص الله لنا قصص رسله حين لجؤوا إلى الله بالدعاء في البلاء قال تعالى عن نوح عليه السلام:وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [الأنبياء: 76]

وقال عن لوط عليه السلام:رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ  [الشعراء: 169-172]

قد يقول قائل هؤلاء رسل الله أخرى أن يستجيب لهم . اسمع قول الله:

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴿٩﴾ وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿١٠﴾ [الأنفال: 9-10]

واسمع قوله سبحانه:  “وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ” [الأنبياء: 87-88]

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو للمؤمنين فيقول: «اللَّهُمَّ أنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأَتَكَ على مُضَرَ، اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ[2]. «

ودَعا رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَومَ الأحْزابِ على المُشْرِكِينَ، فَقالَ: « اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتابِ، سَرِيعَ الحِسابِ، اللَّهُمَّ اهْزِمِ الأحْزابَ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وزَلْزِلْهُمْ».[3]

ثانيا: الوقفات والمسيرات.

هل تجدي الوقفات والمظاهرات الداعمة؟ يتساءل البعض فيم تنفع هذه الوقفات والمسيرات التضامنية مع غزة ؟

أقول إنها تنفع وهي أقل الواجب وقبل بيان فوائدها أتساءل هل هذا العمل على ضعفه ينبغي تركه هو كذلك بحجة أنه لا ينفع؟ فنكون قد برهنا أنا أموات فقدنا حتى التعبير عن الألم.

ولمن يبحث عن التأصيل هاك هذا الحديث: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه لما أسلم قالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ إِنْ مُتْنَا وَإِنْ حَيِينَا؟ قَالَ: «بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّكُمْ عَلَى الْحَقِّ إِنْ مُتُّمْ وَإِنْ حَيِيتُمْ»، قَالَ: فَقُلْتُ: فَفِيمَ الِاخْتِفَاءُ؟ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَتَخْرُجَنَّ، فَأَخْرَجْنَاهُ فِي صَفَّيْنِ، حَمْزَةُ فِي أَحَدِهِمَا، وَأَنَا فِي الْآخَرِ، لَهُ كَدِيدٌ كَكَدِيدِ الطَّحِينِ، حَتَّى دَخَلْنَا الْمَسْجِدَ، قَالَ: فَنَظَرَتْ إِلَيَّ قُرَيْشٌ وَإِلَى حَمْزَةَ، فَأَصَابَتْهُمْ كَآبَةٌ لَمْ يُصِبْهُمْ مِثْلَهَا، فَسَمَّانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ الْفَارُوقَ، وَفَرَّقَ اللهُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ»[4]

إن للوقفات والمسيرات التضامنية مع غزة وقضايا الأمة عموما فوائد كثيرة منها:

  • أنها معذرة إلى ربنا أنا فعلنا ما أتيح لنا وما  قدرنا عليه نحن كشعوب مغلوبة مكبلة
  • أنها مواساة لإخواننا تربط على قلوبهم ويعلمون من خلالها أن لهم إخوانا يتألمون لألمهم.
  • هي إغاظة للأعداء إذ أنه يغيظهم أن يروا الأمة موحدة ولذلك تجدهم يمنعونها في كثير من البلدان سيما الدول المساندة لهم.

قال الله تعالى:مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة: 120]

  • هذه الوقفات تصنع رأيا عاما مناهضا للاحتلال وداعما للمستضعفين. وكلما كثرت واستمرت تقوى هذا الرأي العام . وتأثير الصورة لا يخفى على أحد في عصر الإعلام .
  • دور هذه الوقفات والمسيرات كذلك أنها تبقي القضية حية في قلوب الناس وتورثها للأجيال المتلاحقة جيلا بعد جيل فلا تنسى.

ثالثا: المقاطعة بجميع أنواعها.

ما جدوى المقاطعة ؟

أخرج مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعروفِ شيئًا، ولو أنْ تَلْقى أخاكَ بوَجْهٍ طَلْقٍ»[5].

هذا عن عمل الخير، وعن عمل السوء نقرأ هذا  الحديث:  « إياكم ومحقرات الذنوب»[6]

كل عمل خير صغيرا كان أو كبيرا لا ينبغي احتقاره بل ينبغي فعله واحتسابه عند الله. وكل عمل سوء مهما قل ينبغي تركه.  ومن هنا فإن كل عمل يمس مصالح العدو أو يغيظه أو يصيبه في اقتصاده أو سمعته  هو عمل  مهم علينا أن نقوم به ما استطعنا.

ومقاطعة العدو من أهم هذه الأعمال سيما المقاطعة الاقتصادية وذلك بمقاطعة منتجات شركاته.  فإذا علمنا أن العدو يعبد المال وعقيدته الربح السريع ومص دماء الناس والسيطرة على اقتصادات الدول فإن المقاطعة تصيبه في مقتل.

من جهة أخرى ينبغي أن نفهم جيدا أن المقاطعة قبل أن تكون دعما للمستضعفين وعقابا للمجرمين هي تربية للنفس على التخلص من ثقافة الاستهلاك. تلك الثقافة التي استعبدتنا بها الرأسمالية المتوحشة وصرنا نحسب أشياء من ضروريات الحياة فنشتريها وهي ليست كذلك. فلعبت بعقولنا ونفسياتنا الشركات والإعلام حتى عبثنا بترتيب الأمور وبالأولويات فجعلنا الثانويات ضروريات والضروريات ثانويات.

إن كانت المقاطعة الشاملة مستحيلة بسبب عجزنا وتخلفنا فلا أقل من مقاطعة ما ليس من الضروريات.  ولا بد من التقليل حتى من هذا الضروري.

المقاطعة تزكية للنفوس وتربية لها على الاقتصاد وعدم الإسراف  والتبذير .

وفي الحديث الذي أخرجه الترمذي وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :« السَّمْتُ الحَسَنُ والتُّؤَدَةُ والاقتصادُ جزءٌ من أربعةٍ وعشرينَ جُزءًا من النبوة»ِ[7]

رابعا: الكتابة والتدوين:

هل الكلام عن قضايا الأمة في المواقع مجرد كلام؟

كثيرا ما يبلغ اليأس ببعض الناس فيحقروا من يتحدث عن قضايا الأمة في مواقع التواصل أو في الواقع ويثبطونه ويحبطونه. فيقولون ما عسى قولك أن يفعل. نريد أفعالا لا كلاما!

الكلمة جبهة كبيرة من جبهات المواجهة بين الحق والباطل .

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر حسان بن ثابت بهجاء المشركين ويحرضه وغيره من الشعراء على ذلك يقول:  «اهْجُوا قُرَيْشًا؛ فإنَّه أشَدُّ عليها مِن رَشْقٍ بالنَّبْلِ» [8]

قالَتْ عائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يقولُ لِحَسّانَ: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ لا يَزالُ يُؤَيِّدُكَ ما نافَحْتَ عَنِ اللهِ ورَسولِهِ»[9]

إن للكلمة تأثيرها البليغ على الناس فمن استطاع أن يقنع الناس تبعوه. فإن هم أهل الحق استطاعوا بكلامهم الصادق المعزز بالحجة والبرهان المقدم للناس بالأساليب والطرق التي تقنعهم ويحبونها فإنهم سيقودون الناس إلى الحق.  وإن كان العكس انقاد الناس للباطل. ولذلك تجد الأعداء يتسابقون للسيطرة على الإعلام ويستغلون كل الوسائل لمخاطبة الناس على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم، يخاطبون كل فئة بما يناسبها. فيستعملون الفن والرياضة والأخبار والدين …

اعلم أخي أن كل واحد منا مسؤول عن الكلمة يبلغها ولكل مسؤوليته بحسب علمه ومكانته والثغر الذي هو عليه

واعلم كذلك أن كل علم تعلمته، أو فهم أوتيته، أو حكمة حفظتها هي أمانة في عنقك حتى تبلغها لمن يحتاجها. كما أنك انت كذلك محتاج لعلم هو عند غيرك وفوق كل ذي علم عليم.

وأنت مسؤول عما تنشر فاجتهد أن يكون علما نافعا جامعا قاصدا واجتهد ان يكون لله خالصا .


الهوامش:

[1]  – سنن الترمذي (3571)

[2]  – صحيح البخاري (3386)

[3]  – صحيح البخاري (7489)

[4]  – حلية الأولياء وطبقات الأصفياء – المؤلف: أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ) ج 1 ص 40

[5]  – صحيح مسلم (2626)

[6]  – أخرجه أحمد (22808)

[7]  – سنن الترمذي (2010)

[8]  – صحيح مسلم (2490)

[9]  – صحيح مسلم (2490)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.