ما العمل إزاء ما يحدث في غزة؟ -2-
يعقوب زروق
ما العمل إزاء ما يحدث في غزة؟ (1)
تحدثنا في المقال السابق عما ينبغي فعله نصرة لغزة ولقضايا الأمة. فتحدثنا عن الدعاء وضرورته، وعن الوقفات والمسيرات وجدواها، وعن المقاطعة وفاعليتها، وعن الكتابة وأثرها. وكلها أعمال هي واجبات وقت.
ثم ماذا بعد؟
بعد هذه الأعمال، وقبلها، وأثناءها، لا بد من عمل هو أعظم من كل ما سبق، وهو شرط النصر والتمكين. عمل ينصب على النفس بتغييرها وتزكيتها والرقي بها إلى ما هو مطلوب منها.
تعهد النفس بالتزكية والتربية هو شرط الفلاح للفرد في الآخرة. وهو شرط النصر للأمة في الدنيا .
قال تعالى:وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴿٧﴾ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴿٨﴾ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴿٩﴾ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴿١٠﴾ [الشمس: 7-10]
التزكية وهي تطهير للنفس إصلاحا لها هي شرط الفلاح. والتدسية وهي ترك النفس على حالها دون إصلاح، موجبة للخيبة والخسران.
وقال سبحانه:وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: 105]
كتاب من الله لا يبدل، وهو أن يرث الأرض الصالحون الذين تعهدوا أنفسهم بالإصلاح حتى صلحت.
وقال سبحانه: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[النور: 55]
التزكية مراقبة للنفس وإحصاء لعيوبها لتطهيرها منها. وهي عمل مستمر لا يفتر من أجل الارتقاء بها إلى مستويات عليا من العلم والعبادة والسلوك. لا ينفك فيها إصلاح الباطن وهو القلب عن إصلاح الظاهر. فهي توبة دائمة متجددة لا تتوقف حتى تفارق الروح الجسد. فإن الإنسان في هذه الحياة عرضة للآفات والذنوب يقترفها بجوارحه وقلبه. فإن لم يكن لها بالمرصاد علت قلبه وغشته. ذاك الران الذي ذكر الله في القرآن. “كَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ كَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّمَحۡجُوبُونَ” [المطففين: 14-15]
خاب وخسر وأي خسران وأية خيبة أن يحجب العبد عن ربه . خاب هو وخسر وساهم في خسارة أمته بأن عطل تنزل نصر الله فإن الذنوب تحجب نصره .
كتب عمر رضي الله عنه إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه “أما بعد: فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب, وآمرك, ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينتصر المسلمون بمعصية عدوهم لله؛ ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة؛ لأن عددنا ليس كعددهم, ولا عدتنا كعدتهم, فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا لم ننصر عليهم بفضلنا ولم نغلبهم بقوتنا.
غاية التزكية تحقيق العبودية لله إذ هي غاية خلق الجن والإنس. غايتها بناء المؤمن ليكون عبدا لربه لا لهواه. فإذا دعا الله استجاب له، وإذا استنصره نصره. وإذا نودي حي على الجهاد لبى النداء. وإن الشجر والحجر يوم الملحمة الكبرى ينادي يا مسلم يا عبد الله لا يا عبد هواه .
التزكية عمل منظم منضبط بقواعد ومبادئ لا بد منها لأنها تعالج أعقد ما في الإنسان وأخفاه وأكثره تقلبا، تعالج قلبه. فهي من الدقة بمكان. فلا مجال فيها للعبث والعشوائية .
وكل ما ستأتي بعد هذا من مكتوبات إن شاء الله هي تفصيل لهذه التزكية وبيان لشروطها وقواعدها وآدابها.