ماذا بعد الستين؟!
بقلم: أشرف شعبان أبو أحمد
بعض من الرجال وبخاصة هؤلاء، الذين يتبوءون مراكز قيادية أو مناصب عليا، تعود عليهم بالامتيازات الهائلة، سواء المادية منها أو الأدبية، يغتمون ويزدادون نكدا وهما، عندما تقترب سنوات عمرهم، من سن الستين سن التقاعد أو الإحالة إلى المعاش، كما لو كان قد اقترب أجلهم، وهاهم يساقون إلى الموت، أو ساحة الإعدام ينتظرون حتفهم بين لحظه وأخرى.
وتعود الحالة النفسية السيئة، لهؤلاء إلى اعتقادهم، بأنه مازالت لديهم الصحة والقدرة على العطاء، وأن مقادير الأمور لن تسير كما يجب بدونهم، وتزداد حسرتهم عندما تخيل إليهم الظنون والأوهام، أنه لن يوجد من هو أهل، لمثل هذه المناصب سواهم، ولن يستطيع غيرهم القيام، بمثل ما قاموا به من أعمال متجاهلين ومتناسيين سنة الحياة، وإنها إن كانت دامت لمن سبقوهم، لم تكن لتصل إليهم، وإن دامت لهم لن تصل لمن يأتي بعدهم أو خلفهم.
وحيث إنهم قد أمضوا العمر في العطاء، وغالبا ما تقل فرص أن يقدح الفرد بعد الستين زناد عقله عن جديد لم يخطر له على بال قبل الستين، فقدحان الوقت ليفسحوا الطريق لغيرهم، ليتقدم ويكمل الطريق، وليثبت هو الآخر بأن لديه بما أنعم الله عليه من نعم، قدرة وطاقة على العطاء والمثابرة، وخاصة أن الكفاءات الشبابية، تعاني من بطالة ليست في بلادنا فقط، بل في معظم دول العالم. ومن أتم الستين وهو في أتم صحة وعافية، فليحمد الله على ذلك حمدا كثيرا، فيالها من نعمه تعينه على إتمام القيام بمقصود الله عز وجل من خلقه للعباد. قال تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) سورة الذاريات آية 56 فهذه الآية تحتوي على حقيقة ضخمة، من أضخم الحقائق الكونية التي لا تستقيم حياة البشر في الأرض بدون إدراكها، هذه الحقيقة هي أن هنالك غاية معينة لوجود الجن والإنس، من قام بها وأداها، فقد حقق غاية وجوده، ومن قصر فيها أو نكل عنها، فقد أبطل غاية وجوده وأصبح بلا وظيفة، وباتت حياته فارغة من القصد، هذه الوظيفة المعينة التي تربط الجن والأنس، هي العبادة لله أو العبودية لله، بكل معنى ومدلول العبادة الذي هو أوسع وأشمل من مجرد إقامة الشعائر(1) ومن المفروض على كل واحد منا القيام بهذا الواجب، والاستعداد ليوم الميعاد في كل لحظة من حياته، منذ صباه وبلوغه سن السابعة من عمره وما قبل ذلك إن استطاع، حتى كهولته وانتهاء أجله، لا يتهاون في أدائه ولا يتقاعس عنه ولا يؤجله، فعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل وهو يعظه ( اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك ) أي على كل فرد أن يبادر في أيام الصحة والفراغ والشباب والغنى، بالإكثار من الأعمال التعبدية التي يفيده ثوابها بعد الموت، حتى لا يصل إلى المعاد بغير زاد فقد يكون الإنسان صحيحا ولا يكون متفرغا، لشغله بسبل الرزق، وقد يكون مستغنيا ولا يكون صحيحا، فإذا اجتمع الفراغ مع الصحة، فليحمد الإنسان ربه على ذلك، وليستعملهما في طاعة الله، فالدنيا هي مزرعة الآخرة، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة. لذلك فالصحة والفراغ، هما رأس مال من أتم الستين، فيجب عليه أن يتقي الله فيهما، ويحسن استثمارهما في البقية الباقية من حياته، فليس في العمر مثل الذي انقضى منه، وليقضيهما في معية الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( اعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة (2) والمعنى أنه لم يبق لمن بلغ الستين من العمر أي عذر أو حجة، في ترك ما أمر به، فلا ينبغي له حينئذ إلا الاستغفار والطاعة، والإقبال على الآخرة، وكفى ما مضى من العمر في الجري وراء المادة واللهث وراء سبل العيش.
وعلى الرغم من كل ذلك يعتبر البعض منهم أن بقاءهم في مناصبهم وأعمالهم عبادة، وهذا قول ظاهره حق، ولكن المحظورات التي ترتكب خلال العمل، والاختلاط بالزملاء من مرؤوسين ورؤساء، تنقص من ثواب الفرد عن العبادة، التي ليس بها مثل هذه المحظورات. وإذا كانت الدنيا بكل مفاتنها قد شغلته، عن القيام بهذا الواجب خير قيام، رغم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، التي ترغب الإنسان في الزهد في الدنيا والتحذير من فتنتها، فإن الظروف بعد الستين أدعى إلى القيام بهذا الواجب، وتعويض ما فاته، وإدراك مالم يستطع إدراكه. فالرجل في هذا السن لا تتحكم فيه الغرائز والنزوات، وقد أنهى السعي وراء لقمة العيش والبحث عن أسباب توفرها، بما تيسر له من ريع أو دخل شهري يحصل عليه المحال للمعاش، كما تخرج أبناؤه من الجامعة والتحقوا بوظائفهم، ومنهم من تزوج أي انخفضت الأعباء المعيشية والمسئوليات من على كاهله، فلا مكان في قلبه للأطماع، التي تدعو إلى التكالب والخصام على أعراض هذه الحياة. لذلك فقد حان الوقت للتفرغ للعبادات، والقيام بها بكل همة ونشاط، وتنافس على إتمامها على أكمل وجه، لنيل ثواب الآخرة، كما كان يفعل في دنياه من أجل نيل الوظيفة والترقي في الدرجات المختلفة، فليس بكثير أن ينوي الفرد التفرغ للعبادة البقية الباقية من العمر، والتي لا يعلمها إلا الله، وإن لم يطل به العمر سيجازى على نيته.
فينظم وقته ويضبط مواعيده على صلاة الفروض والسنن وما فاته من صلوات في السنوات الماضية في المسجد، ويمضي أطول وقت من يومه بين آيات المصحف الشريف، يتمعن كلماتها ويتدبر ألفاظها ويحفظ ما تيسر له منها، ويصوم اثنين وخميس من كل أسبوع، والثلاث ليالي المنتصفة من كل شهر عربي، ويوفر مصاريفه لعمل عمرة في رمضان، وإتمام الحج في أشهره، ويحث أهل الحي على جمع الزكاة والصدقات، وتوجيهها للمستحقين ويساهم في الأعمال الخيرية، وبرامج محو الأمية، فمثل هذه الأعمال تحتاج لرجال يتطوعون بوقتهم وجهدهم، لوجه الله بدون مقابل مادي أو عائد أدبي، يتسمون بالحكمة ويتحلون بالصبر وحسن الخلق. وعليه إن يصل رحمه، وليتحول إلى نواة للرحمة في أسرته، يجمع شملها وينزع فتيل الخلافات بين أبنائها، وليكن من أصحاب الكلمة والمشورة، بما له من خبرة، واحترام بين أفراد أسرته، ورؤية للحياة مختلفة، فضلا عن مساعدته لأبنائه وأحفاده في دراستهم أو وظائفهم أو في شئون منازلهم، وإن بقى له وقت بعد ذلك، فليقضه في التنزه والرحلات والترويح عن القلب والنفس.
وأخيرا لو قام خمسون في المائة من المحالين على المعاش بهذا البرنامج بدلا من المكوث على المقاهي وما يتبعها من الوقوع في المنكرات لتغير كثير من مجتمعنا إلى الأفضل.
المراجع
(1) في ظلال القرآن سيد قطب ج6 من ص 3386 إلى 3389
(2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري للأمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ج11 من ص239 إلى 244