منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المركزية الغربية تتكشف في زمن الكورونا

أيوب وحماني

0

أثار حوار بين طبيبين بثته القناة الفرنسية LCI مؤخرا موجة غضب في أوساط وسائل التواصل الاجتماعي، بسبب العنصرية التي تضمنها استفسار أحد الأطباء الفرنسيين لزميل له في المهنة عن إمكانية تجريب لقاح لفيروس كورونا في القارة الإفريقية، باعتبارها لا تملك أقنعة ولا إنعاش ولا علاجات، فكان رد الزميل هو الإعراب عن نيتهم في القيام بذلك.

هذه التصريحات المختزلة والتي لم تستغرق أكثر من دقيقة، كافية وحدها للكشف عن النظرة الدونية التي يحظى بها المواطن الإفريقي في المخيال الفرنسي. فأن يتم استغلال تخلف قارة بأكملها في زمن الكورونا للتعبير عن نقاء النوع الأوروبي وتنزهه عن الخضوع للتجربة، في حين استعمال الأفارقة فئران تجارب، دليل على أنانية متغولة، تسكن الذات الأوروبية، بل تعشش فيها منذ عصرها الحديث، أنانية أنتجت تقسيما جديدا بين البشرية: أروربا وما دون أوروبا. وهذا التقسيم هو الذي يصطلح عليه في النقد الأدبي بالمركزية الغربية. التي كانت من نتائجها حملة استعمارية واسعة على أرجاء المعمور. فما المقصود بالمركزية الغربية؟ وكيف تحولت من نظرية عنصرية إلى فعل كولونيالي اجتاح أمصارا عديدة ما زالت تعيش ويلاته إلى يومنا الراهن؟

يقصد بالمركزية الغربية أو ما يعرف بالتمركز حول الذات، “نسق من الشعور المحمل بمجموعة من المعاني الثقافية (أي) المعاني الدينية والمعاني العرقية والمعاني اللغوية، وهذا النسق الذي نشأ في سياق ثقافي، سرعان ما تحول إلى نسق مجرد، وبدأ يشكل شعورا عند بعض الأمم والجماعات يلغي السياق الثقافي الذي نشأ فيه، وينتهي إلى رؤية تجريدية للعالم، تقول بأفضلية الذات ودونية الآخر.”[1]

ويميز عبد الله إبراهيم بين المركزية الغربية وبين الغرب دون أن يجعلهما متعارضين، فالأولى استطاعت اختطاف الغرب والهيمنة عليه وروجت للحملات الاستعمارية، بحكم أنها إيديولوجيا متشددة مهيمنة، إلى درجة أنها كادت تمحي التنوع الثري والخصب والطابع الإنساني في كثير من الأفكار الغربية. وقد عممت فكرة تميز الغرب عما سواه من المجتمعات الإنسانية، التي وإن كانت لها خصوصية أيضا فإنها لا تستحق التقدير.[2] وهذا ما يجعل عصبها وروحها منبنيان على أنانية مفرطة لا ترى إلا نفسها أو من يجري في فلكها، وما سوى ذلك فهو “حقل غربي لا يجوز لغير الغربيين الانتفاع بخيراته.”[3]

من هنا بدأت ثنائية المركز والهامش في التشكل داخل الساحتين السياسية والإيديولوجية، مرسخة فكرة التمركز حول الذات، “بوصفها المرجعية الأساسية لتحديد أهمية كل شيء وقيمته، وإحالة «الآخر» إلى مكوّن هامشي، لا ينطوي على قيمة بذاته، إلا إذا اندرج في سياق المنظور الذي يتّصل بتصوّرات الذات المتمركزة حول نفسها.”[4]

إن المركزية الغربية، باعتبارها عقيدة أوروبا الجديدة، لم تبق حبيسة جغرافيتها، وإنما انطلقت نحو ما تعتبره هوامش، من أجل الانتفاع بخيراته، وترسيخ فكرة نقائها داخله. وقد وجدت في النظام الرأسمالي، بما يتصف به من توحش في السيطرة على وسائل الإنتاج والربح والاهتمام بالمال على حساب الإنسانية، خيرَ مسعف ومعين لتحقيق غاياتها الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية. فانطلقت تتوسع مؤمنة بأن ما دونها من أرض “مساحة تتمدد فيها أوروبا لأهداف تتصل بأوضاعها الخاصة.”[5]

هكذا أقنعت المركزية الغربية الغربَ بمشروعية التوسع الذي لا يعني إلا الاستعمار والاحتلال، واستحلت به ما تحرمه داخل نسقها الفكري، لإشباع نزواتها الاقتصادية والإيديولوجية التي ترمي إلى ترسيخ فكرة “أن التحديث وكل ما يتصل به جاء مع الحضور الغربي إلى الشرق.”[6]

إن الاستئثار بالأفضلية وحصرها في رقعة جغرافية معينة على النحو الذي يؤمن به الطبيبان، مناف للسنن الكونية التي لا تعرف إفريقيا أو آسيا وأوروبا وغيرهما، وإنما تعرف أن العقل هبة إلهية للبشرية جمعاء، لا يحرم ثمرته أحد، وربما إذا تحمل الطبيبان بعض العنت للبحث عن صانعي الحضارة الفرنسية، فسيلفيان أن من بينهم أبناء المستعمرات، ممن استقطبتهم فرنسا بعد نبوغهم. وما كان ذلك ليقع لو وجدوا في بلدانهم آفاقا في مستوى طاقاتهم وتطلعاتهم، لكن للأسف فالمستعمِر بنى حضارته من خيرات غيره، سواء أثناء حملته الكولونيالية أو بعدها، دون اعتراف بذلك أو انتباه إليه، بل إنه يعتقد أن ذلك من حقه.

وبالرغم من رحيل الاستعمار ونيل الدول المستعرة استقلالها، ما تزال المركزية الغربية، راسخة في الثقافة الغربية، ما دامت الذات المستعمَرة لم تخلع عنها طوق التبعية والاستسلام الذي تنتطقه منذ حقبة الاستعمار. وسيبقى كذلك ما لم تقتنع بكينونتها وقدرتها على صناعة مستقبلها دونما تبعية مطلقة للغرب أو استلاب أعمى به. دون ذلك، فهو الواقع المؤلم الذي نكأ الطبيبان جرحه اليوم.


[1]– عبد الله إبراهيم، من برنامج: “حوارات في الفكر والرأي”، الحلقة 16. برنامج لمؤسسة مؤمنون بلا حدود، بثته على اليوتيوب عبر قناتها الإلكترونية: MominounWithoutBorders. رابط الحوار: https://www.youtube.com/watch?v=pDFpZGWrf3U الدقيقة 02.40 تاريخ الدخول: 04/04/2020.

[2] – المرجع نفسه. ويمكن الاستشهاد على هذا بما ذكره في إحدى حواراته، حيث أوضح أن كل مركزية لابد أن تتضمن ما ينقضها، أو بذور نقضها على الأقل، من هنا يفهم تمييزه بين المكونين، “فالغرب ليس بإطلاق كتلة صماء جامدة متمركزة حول نفسها. هناك شيء داخلي. نجد شوبنهاور، نجد نيتشه، نجد هابرماس، نجد ميشيل فوكو، نجد جاك دريدا، هؤلاء وسواهم حاولوا نقض فرضيات المركزية الغربية.” عبد الله إبراهيم، المحاورات السردية. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت – لبنان. ط:1/2012. ص:43.

[3] – عبد الله إبراهيم، المركزية الغربية.مقال منشور بموقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود الإلكتروني، بتاريخ 19/07/2019.

https://www.mominoun.com/articles/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D9%83%D8%B2%D9%8A%D8%A9%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-6713 تاريخ الدخول 04/04/2020.

[4] – المرجع نفسه.

[5] – عبد الله إبراهيم، المركزية الغربية: إشكالية التكون والتمركز حول الذات. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء – المغرب. بيروت – لبنان. ط:1/1997. ص:20.

[6] – عبد الله إبراهيم، السردية العربية الحديثة: تفكيك الخطاب الاستعماري وإعادة تفسير النشأة. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء – المغرب، بيروت – لبنان. ط:1/2003. ص:11.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.