منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العلم النافع

العلم النافع/ مولاي مصطفى الفقيهي

0

العلم النافع

بقلم: مولاي مصطفى الفقيهي

 

يقول الحق سبحانه:( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (سورة فاطر الآية 28).

إن العلم الذي يورّث الخشية والتقوى والمعرفة بالله تعالى، هو أشرف العلم وأزكاه وأكرمه، “هو العلم بالله عز وجل وبكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، هو العلم بما فرض الله وسنّ رسوله صلى الله عليه وسلم. وهو العلم المفروض طلبه فرضا بنصّ الحديث. فهذا هو العلم الواجب، لا يسع التائب الاستغناء عنه من مصادره بتواضع وحرص، ولا يسع النّاشئ في حضن الإيمان أن يكتفي منه بالقطرات”[1]

وتأتي العلوم الكونية باختراعاتها ونتاجاتها المتفوّقة من أجل أن تخدم مقاصده وغاياته؛ علم لا يقتصر على أمور الدنيا أو الآخرة، بل هما معا في انسياب وانسجام، إذ الأوّل بشروطه يُنجح لنا الدّنيا التي هي دارنا، ويسدّد جهود الاستخلاف والإعمار بما يحقّق الإصلاح وعدم الإفساد، ويجعل لأمّتنا مقاما بين الأمم، تنافسها في دنياها ولا تظل في الذّيل تابعة لها ذليلة منكسرة

إن العلم الذي تفتقده البشرية في هذا العصر عصر الذرة والمعلوميات هو العلم بالله عز وجل ـ ولا علم أشرف منه على الإطلاق ـ علم يكون باسم الرب سبحانه علم يربط بالخالق ويبعث على المعرفة به والخشية منه وحُسْن التأدب معه، العلم الذي يذَكِّر بالآخرة ـ المصير الحقيقي للإنسان ـ ويوضح طريقها ويحفز على العمل لها، علم يطهِّر القلب وينور البصيرة ويقوِّم السلوك، ويزكي الفؤاد ويهذب الوجدان وينقذ من الجهل، ويُخرج من الظلمات إلى النور ويهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، ويكسب صاحبه خشية العلماء، ويرفعه في درجات القرب من مولاه حتى يدنيه منه، ويسبب له الاستقامة والتقوى، ويمنعه من إتيان الرذائل والنقائص، ويقوده إلى العمل الصالح، ويبعثه على الخوف من مولاه، علم ٌبكتاب الله وبسنة رسوله وباليوم الآخر وبما فرضه الله، والحمد لله.

إن العلوم الكونية وإن كانت ضرورية فهي لا تصل بنا للكمال العلمي إن كانت آلة صماء وبكماء عن ذكر الله، تبتعد بنا عن صانع الأكوان، وتتكبر، جوفاء من كل معاني الإيمان، تعترف بالنظريات والمذاهب وتنسى شرع الله في كونه وتعرض عن ذكره.

إن الكمال العلمي هو “علم خطوة لا علم خطبة”، لأنه يخطو بنا نحو العلم النافع والخلق الرفيع، ويعلمنا النقد البناء، فهو لا يدفعنا إلى الانسلاخ عن هويتنا الإسلامية، بدعوى التقدم الحضاري والعلمي الأكاديمي الجاهل، المادي الملحد، بل يدعونا لتقبل الغير، دون نكران الذات، يدعونا للتقدم والرقي دون الارتماء في أحضان الثقافة التغريبية الملحدة.

“وليكن علم المؤمنات علم خطوة لا علم خطبة. عِلما يشرق في القلوب إيمانا وتصديقا، وفي العقول تدبيرا وتطبيقا”[2]

وأخيرا، إن الخروج من التهميش والتشتت وسياسات التفقير التي تعيشها البلدان المستضعفة يستدعي التسلح بالإرادة الجماعية، ونبذ العقلية الاستعمارية، مع التسلح بالعلم النافع لتحريك عجلة التقدم والازدهار العلمي والتقني، والتزود بالإيمان، مع اليقين بموعود الله تعالى بنصرة عباده المستضعفين وتمكينهم في الأرض .

كأنَّما المسلمون اليومَ في شُغُلٍ ** بعد السُّبات غُلامٌ نام ثم صحَا

صحا معافىً من الوهْنِ القديم وقَدْ ** غَدَا لأسبابِ ما يُرْدِيهِ مُطَّرِحَا

تقلَّدَ الصدقَ سيفاً لا يُضارعُهُ ** طاغوتُهُمْ وببَذْلِ النفْسِ قد سمحَا

بالعلم يخْدُم إيمانه، اتَّضَحَتْ ** له مناهِجُ مَنْ أغْوَى ومن نصحَا [3]


[1] عبد السلام، ياسين، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين مطبوعات الأفق، ط1، 1994م. ص 142،143 بتصرّف.

[2] تنوير المومنات، عبد السلام ياسين، ط 1/1969، ص 69

[3] قطوف 2، عبد السلام ياسين،  ط 1/2002، قطف 101، ص 30.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.