منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الاتفاق التركي الليبي. ماذا بعد الاتفاق؟

0

 

تشهد منطقه شرق المتوسط صراعا محتدما بين دوله التي تتسابق في تشكيل التحالفات والتحالفات المضادة لاحتواء الخصوم والسيطرة على الثروات التي تزخر بها مياه المتوسط خاصه بعد اكتشاف احتياطات مهمه من الغاز تلتها خطط  لتصديره نحو اوروبا عن طريق مد انابيب تمر عبر البحر المتوسط وظهرت اسرائيل كمهندس لهذه الخطة حيث استطاعت اقناع مصر و قبرص على تقسيم المياه باعتبارهما دولتان متشاطئتان الامر الذي اثار حنق تركيا التي تتواجد في شمال الجزيرة القبرصية المعلن عنها دوله مستقله منذ العام 1974  و التي تعترف بها تركيا منفرده دون بقيه العالم. الاتفاق المصري القبرصي الاسرائيلي  المدعوم من اليونان الغريم التاريخي  للأتراك لم يراعي الوضع القائم كما لم يراعي المصالح التركية الامر الذي اعتبرته استفزازا دفعها الى نشر قطع بحريه شمال قبرص وارسال ثلاث سفن للتنقيب عن الطاقة بالمنطقة. الاتحاد الأوروبي قام بفرض عقوبات على تركيا باعتبار قبرص احد اعضاء الاتحاد حجته القانون الدولي والشرعية الدولية التي لا تعترف بجمهوريه شمال قبرص. وسياده الدولة في ابرام الاتفاقيات وترتيب شؤونها  فالاتفاق القبرصي المصري امر سيادي  وعلى تركيا  احترامه. مذكره التفاهم الليبية  التركية بمثابه هدية مسمومة بمناسبة اعياد الميلاد  للحلف المناهض لتركيا والذي فاجئ العالم كله وبنفس المبررات التي ساقها الاتحاد الاوروبي سياده الدول في ابرام الاتفاقيات.

اليونان اكبر متضرر لأن هذه الاخيرة تدرك اهميتها حيث سترجع لتركيا دورها الفاعل في الساحة الإقليمية وستعزز من موقفها الرافض لسيطرة اليونان على بحر ايجة فتركيا لم توقع على اتفاقية جمايكا     1982 على الرغم من ذلك اليونان ترى في الاتفاقية الليبية التركية خرقا للقانون الدولي للبحار الذي لا تعتبر تركيا و لا ليبيا أطرافا فيه هذا من جهه ومن جهه اخرى مذكرة  التفاهم الليبية التركية والتي اصبحت اتفاقيه دوليه بعد مصادقه البرلمان التركي والمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق عليها وايداعها لدى الامانه العامة للامم  المتحده ستيعد رسم خارطه النفوذ وهندسه موازين القوى شرق المتوسط، المشهد الذي طالما تصدرته اليونان من خلال سيطرتها على الحدود البحرية الليبية مستغله ظروف الحرب فيها. ردود الفعل  الغاضبة لم تقف عند اليونان بل تجاوزتها الى جارة ليبيا مصر غير ان الأخيرة لا تهمها الاتفاقية في شقها المتعلق بترسيم الحدود المائية فما يقلقها اكثر هو الشق الامني والعسكري منها. لقد نصت الاتفاقية على  تقديم تركيا المساعدة العسكرية لليبيا ما يعني تواجدا عسكريا محتملا لتركيا في ليبيا وهو الامر الذي ما فتئت تلوح به الاخيرة مشترطة  طلبا رسميا من حكومة الوفاق المعترف بها دوليا وهو ما يعرقل خطط السيسي في دعم صديقه حفتر في معركته الحالية لإسقاط العاصمة طرابلس فلا يخفى على احد الدعم العسكري المباشر للنظام العسكري في مصر المسنود اماراتيا لهذا استشعر المصريون خطر احتمال المواجهة العسكرية مع الاتراك والتي اصبحت وشيكه اكثر من اي وقت مضى المصريون وفي سبيل حشد الدعم الدولي انتقدوا الاتفاقية التركية الليبية على اعتبار الضرر الذي ستلحقه بمصالح الدول الأخرى؟؟ رغم ان الواقع الجغرافي المترتب عنها سيعيد لمصر جزءا من مياهها الإقليمية التي تنازلت عنها بموجب الاتفاق مع قبرص  وستحافظ عل جزء اخر في حال وقعت اتفاقيه مماثلة مع اليونان كتلك الموقعة مع الجزيرة القبرصية وهو موقف لاقى  استهجان الرأي العام الداخلي   بالنظر الى  ذاكرة المصريين التي لازالت غضه بعد  تنازل السيسي عن جزيرتي تيران و صنافير.

اذ ا كان الموقف واضح مع قبرص اليونان ومصر حيث عارضتا الاتفاقية بشكل صريح فان اسرائيل و على عكس  الدول الحليفة المذكورة انفا التزمت الصمت بالرغم من انها ستكون متضررة أيضا من الاتفاقية الليبية التركية لأنها ستضطر لطلب الاذن من انقره اذا ما ارادت لمشروع مد انابيب الغاز ان يكتب له النجاح وقد يبدو هذا سببا وجيها لالتزامها الحياد لانها تدرك حساسيه القيادة التركية تجاهها وتدرك ان أردوغان  بالكاد وعلى مضض يحافظ على العلاقات الثنائية الموروثة عن الحقبة الكمالية لهذا لا تريد اغضابه اكثر. علما ان الجميع يدرك ما تحيكه من مؤامرات ضده في الخفاء. اقليميا دائما، عبرت ايطاليا عن رفضها للاتفاق على الرغم من العلاقة الطيبة التي  تجمعها بحكومة الوفاق والسبب  قد يكون عدم استشارتها و التنسيق مسبقا معها باعتبارها القوة الاستعمارية السابقة لليبيا إضافة للعرقلة المحتملة لمشروع مد انابيب الغاز نحوها.

دوليا عبر العديد من الدبلوماسيين الامريكيين عن استهجانهم للاتفاقية فاعتبروها صبا للزيت في النار المشتعلة أصلا في ليبيا، الاتحاد الاوروبي وجد نفسه محرجا أمام جميع الأطراف فدعا في دبلوماسية غير معهودة الى ضبط النفس و الحوار لإيجاد مخرج و اتفاق يشمل الجميع. الادارة الامريكية لم يصدر عنها اي تصريح سوى تجديد دعوة الاطراف الليبية الى الحوار مع التأكيد على استحالة الحل العسكري في ليبيا شأنها شأن روسيا و الامم المتحدة.

لقد ورد في بنود الاتفاق تأكيد الطرفين الليبي و التركي التزامهما بأهداف و مبادئ الامم المتحدة مع العمل على ترسيم الحدود البحرية بشكل منصف و عادل  كما نصت مواد الاتفاق الستة على  تحديد الجرف القاري و المنطقة الاقتصادية بين البلدين وفق احداثيات محددة اضافة الى ملاحق للتفاهم و التسجيل و حل النزاعات و المراجعة و التعديل ثم السريان. و تعزز الاتفاق بتوقيع اتفاق امني و عسكري لتعزيز القدرات القتالية لحكومة الوفاق مما يعزز فرص الدفاع عن طرابلس و حمايتها من هجوم حفتر في مرحلة اولى ثم بسط السيادة على باقي الاراضي الليبية.

ماذا بعد الاتفاق؟

اعطى هذا الاتفاق واقعا جديدا بشرق المتوسط فمن جهة الحلف المكون من اليونان،قبرص،اسرائيل و مصر و من جهة الحلف المكون من تركيا ليبيا و الذي يسعى اردوغان لتوسيعه ليشمل تونس و الجزائر لإحداث نوع من التوازن و لان تونس مهد الثورة العربية قام اردوغان بزيارة مفاجئة لها هذا اليوم 25 ديسمبر2019  لاستمالتها للمحور الذي يتزعمه و قد سبق و ان دعا القائمين على تنظيم مؤتمر برلين المقبل بشأن ليبيا الى اشراك كل من تونس الجزائر و قطر في المحادثات المزمع اجراءها بخصوص ليبيا، المحور التركي في مواجهة حلفاء اليونان قد يحدث بعض التوازن و قد يدفع جميع الاطراف الى التفكير في حل سياسي تحت رعايه الامم المتحدة لإنهاء الانقسام في ليبيا ثم التوجه لحل المشكلة القبرصية في حين تبقى القضية الفلسطينية عالقة الى حين، ويبقى معها النزاع الاسرائيلي اللبناني حول المياه مؤجلا اضافه الى مياه غزه المصادرة اسرائيليا لكن النزاعان يبقيان محدودان وغير مؤثران كما هو شان الازمه مع تركيا فإعادة رسم الخريطه المائية مع الجميع ومراعاه مصالح الكل خاصه المصالح البحرية منها قد يقي المنطقة والعالم تبعات اي نزاع مسلح فيها وهو السناريو الاقرب للتحقيق والتي ستعمل القوى الكبرى على تحقيقه و الحؤول دون اندلاعه حرب بالمنطقة لأهمية البحر المتوسط في التجارة و الملاحة المائية الدوليين بالنسبة لهذه القوى.  دون ان نستبعد مغامرة كل من حفتر مصر والامارات في تسريع الحل العسكري والضغط اكثر على حكومة الوفاق من خلال احكام السيطرة على طرابلس وتمكين ميليشيات الانقلابيين من دخولها وهو سيناريو كارثي ان حدث ستكون له اثار خطيرة على امن واستقرار المنطقه لان تركيا تبدو عازمه على المضي قدما في خططها ولها تجارب سابقه في فرض اجندتها اذا ما تعرضت مصالحها او حدودها للخطر وما التدخل العسكري  في الشمال السوري لتقويض قدرات الانفصاليين الاكراد هناك عنا  ببعيد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.