الفكر والظَّفَر (قصيدة)
الفكر والظَّفَر (قصيدة)/ ابو علي الصُّبَيْح
الفكر والظَّفَر (قصيدة)
بقلم: ابو علي الصُّبَيْح
السيفُ أصدقُ إن جارَ الكلامُ بهِ
وفي الصوارمِ سرُّ العزمِ والحِكَمُ
والدهرُ إن ضاقتِ الألفاظُ ساحتهُ
فالحدُّ يفصلُ بين الصدقِ والوَهَمُ
ما المجدُ لفظٌ إذا ما القومُ ردّدَهُ
لكنّهُ النارُ إن هبّتْ بها الشِّيَمُ
أمشي وفي الفكرِ إعصارٌ أُديرُ بهِ
وجوهَ معنىً إذا ضاقَتْ بهِ الأُمَمُ
أصوغُ من صخرِ أفكاري ملاحمَنا
فالصخرُ إن صادفَ الإبداعَ يبتسمُ
إنّي أرى الحرفَ جيشًا لا انكسارَ لهُ
إذا استوى العقلُ والتأويلُ والقِيَمُ
وأستفزُّ المعاني وهي كامنةٌ
حتى تفيضَ كبَرقٍ دونهُ الظُّلَمُ
ما قلتُ بيتًا بلا فكرٍ يُحرّكهُ
فكلُّ لفظٍ وراءَ الحرفِ محتدِمُ
إنّي إذا ما رميتُ القولَ أتبعهُ
فعلٌ يُجسّدُ ما في القلبِ يلتزمُ
لا يستوي الحلمُ إن لم تسقِهِ يدُنا
ولا يُرى المجدُ إلا حيثُ نحتكمُ
قد جرّبتني الليالي وهي قاسيةٌ
فما انثنيتُ ولا في عَزميَ السَّقَمُ
أحاورُ الدهرَ لا أخشى تقلّبهُ
فالفكرُ درعي وسيفي الصبرُ والشِّيَمُ
إن شئتَ فاقرأ سطورَ المجدِ من دمي
فالدمعُ يكذبُ إن لم يصدقِ الألمُ
أمضي وأحملُ في أهدابِ قافيتي
نورًا يُضيءُ إذا ما عمَّ ملتطمُ
ما بينَ حرفي ووقعِ السيفِ رابطةٌ
من الحقيقةِ لا زيفٌ ولا زُعُمُ
أعانقُ الفتحَ إن نادى وأقتحمُ
حتى تصافحني في النصرِ القِمَمُ
إن كان بعضُ الورى يرضى بمكرمةٍ
فإنّني بالمُنى العُظمى ألتزمُ
لا أرتضي نصفَ مجدٍ في معاركنا
إمّا تمامٌ وإمّا العارُ يُلتَهَمُ
أنا الذي صاغَ من أفكارهِ قدرًا
فصارَ في كفّهِ التاريخُ والعَلَمُ
أبني المعاني كما تُبنى القلاعُ على
أسسٍ من العقلِ لا تهوي ولا تُهدمُ
أشعلتُ في الليلِ قنديلاً أواجهُهُ
حتى إذا الفجرُ لاحَ النورُ يبتسمُ
أرى الحقيقةَ لا تُهدى لمُتّكِلٍ
لكنّها لمن استعلى بهِ الهممُ
كم قائلٍ زعمَ الإبداعَ وهو صدى
لكنّ فعلي على الأوهامِ يحتكمُ
إنّي لفي ساحةِ المعنى مقاتلُهُ
حتى يُقيمَ على أركانهِ القَسَمُ
أزرعُ الفكرَ في صحراءِ قافيتي
فينبتُ المجدُ إن ضاقت بنا القِيَمُ
وأستقي من بحارِ العقلِ حكمتَنا
فالبحرُ يعطي لمن في عمقهِ احتدموا
لا يستوي من يرى الدنيا على عجلٍ
ومن يفتّشُ عمّا خلفها يُلِمُ
إنّي إذا ما طلبتُ المجدَ أدركهُ
كأنّما المجدُ في أوصاليَ النَّغَمُ
أخاطبُ الدهرَ لا أخشى تقلّبهُ
فالدهرُ يخضعُ إن في القلبِ معتصمُ
أنا ابنُ فكرٍ إذا ما الريحُ عاصفةٌ
ثبتُّ فيها كأنّي الجبلُ الشَّمَمُ
إن شئتَ فاسألْ عن التاريخِ سيرتَنا
يُجبكَ: ما خابَ من في دربهِ احتدموا
لي في المعالي طريقٌ لا يمرُّ بهِ
إلا الذين لهم في الصبرِ مُقتحَمُ
لا أشتري العزَّ من سوقٍ يُباعُ بهِ
فالعزُّ فينا قديمُ الأصلِ مُحترَمُ
إن ضاقَ صدرُ الليالي عن مآثرنا
وسّعتُهُ بيدٍ في فعلها كَرَمُ
أمضي كأنّي على الأيامِ سطوتُها
والدهرُ خلفي غبارٌ ضاقَ وانعدمُ
لا يرفعُ المرءَ إلا صدقُ همّتِهِ
ولا يُخلّدُ إلا الفعلُ والهممُ
يا من يظنُّ المعالي لفظَ قافيةٍ
المجدُ نارٌ ومن لم يحترقْ ندمُ
إنّي حملتُ من الآلامِ فلسفةً
حتى بدا الجرحُ في محرابهِ حَكَمُ
وصرتُ أقرأُ في الأقدارِ حكمتَها
فالليلُ درسٌ إذا ما ضاقَ واحتدمُ
ما كلُّ من لبسَ الأثوابَ سيدُها
ولا كلُّ من نطقَ الأشعارَ مُحتكمُ
للشعرِ روحٌ إذا لم تسكنِ الحرفَ انـ
هارَ البناءُ وضاعَ الوزنُ والنَّغَمُ
وللقصائدِ أسرارٌ ملوّحةٌ
لا يدركُ السرَّ إلا الفارسُ الفَهِمُ
إذا أتيتُ المعاني وهي نافرةٌ
ألقيتُ في يدها من صبريَ اللُّجُمُ
حتى تلينَ كأنّ الفكرَ روّضها
وتستقيمَ إذا ما مالَتِ الكَلِمُ
لا عيبَ أن يثقلَ المعنى إذا عظُمَتْ
أبوابُهُ، فالدراري أصلُها العَتَمُ
والنجمُ لا يُرتجى في كفِّ ناظرهِ
حتى يطولَ عليهِ الليلُ والظُّلَمُ
هذا طريقي: فكرٌ لا انطفاءَ لهُ
وسيفُ عزمٍ إذا ما لامسَ الحُمَمُ
إنّي أرى الصمتَ أحيانًا مزلزلةً
إن كان يحملُ في أعماقهِ الحِكَمُ
وأرى الكلامَ إذا لم يحمِ صاحبهُ
رمحًا من الوهمِ لا يُبقي ولا يَصِمُ
يا أيّها السائلُ الأيامَ عن خبري
خبري على الصخرِ منقوشٌ ومُختَتَمُ
أنا الذي ما انحنى عزمي لعاصفةٍ
ولا استراحَ إذا ما استسلمَ النَّسَمُ
إنّي إذا ما دعتني الشمسُ صاعدَها
صعدتُ حتى غدا في كفّيَ العِظَمُ
وإن رأيتُ طريقَ المجدِ منكسِرًا
أقمتُهُ بضلوعي حينَ ينهدمُ
لا أستعيرُ من الأزمانِ منزلتي
أنا الزمانُ إذا ما صاحَ مُنتقِمُ
ولي من الفكرِ ما لو مرَّ في جبلٍ
لأورقَ الصخرُ واستحيا بهِ الصَّمَمُ
ولي من العزمِ ما لو مسَّ عاصفةً
لصارَ في قلبها قانونُها الحَكَمُ
ما زلتُ أركبُ متنَ الصعبِ مبتسمًا
حتى حسبتُ صهيلَ الخوفِ ينهزمُ
وأجعلُ اليأسَ إن وافى مرافعةً
ضدَّ الضعافِ، وفي أضلاعهِ تُهَمُ
إنّي خُلقتُ لشيءٍ لا يُساومني
عليهِ عيشٌ رخيٌّ ناعمٌ نَعِمُ
خلقتُ للحرفِ حينَ الحرفُ معركةٌ
وللمواقفِ حينَ الناسُ تنهزمُ
وللشموخِ إذا ما القومُ طأطؤوا
رؤوسَهم، ولصوتِ الحقِّ ألتزمُ
يا صانعَ المجدِ لا تركنْ لمرحلةٍ
فكلُّ أفقٍ وراءَ الأفقِ مُزدحمُ
واصعدْ فإنّ سماءَ العزمِ واسعةٌ
ومن تخافُ صعودَ الريحِ ينعدمُ
لا يكتبُ الخلدَ إلا من لهُ أثرٌ
يمشي على الأرضِ والأجيالُ تحتكمُ
وما البطولةُ صوتٌ في المجالسِ بل
جُرحٌ يضيءُ إذا ما أظلمَ الحَرَمُ
إنّي رأيتُ صغارَ الناسِ قد كثروا
والكبرُ فيهم ضجيجٌ كلُّهُ عدمُ
ورأيتُ أهلَ المعالي في تواضعهم
كالبحرِ يخفضُ رأسَ الموجِ وهو فَمُ
لا يخدعُ العينَ لمعانُ السرابِ إذا
في القلبِ عقلٌ وفي الوجدانِ مُعتصمُ
كم من ظلامٍ حسبناهُ نهايةَ دربٍ
فإذا بهِ لفجرِ النصرِ مُبتسَمُ
وكم من الصخرِ خفناهُ فحطّمَهُ
إصرارُ قلبٍ إذا ما شاءَ يقتحمُ
يا دهرُ إنّي على أبوابِ معركتي
ما زلتُ أضحكُ والأهوالُ تضطرمُ
لا ترهبِ السيلَ إن في الصدرِ قنطرةً
من العزيمةِ لا تخشى ولا تَئِمُ
ولا تخفْ وحشةَ الأقدارِ منفردًا
فالفذُّ في وحشةِ التاريخِ يلتئمُ
أنا أبو عليٍّ إذا ما الحرفُ نادمني
قامَ البيانُ وفي أعطافهِ عَلَمُ
الصُّبَيْحُ اسمي وفي الأسماءِ منزلةٌ
لا يبلغُ السهلُ معناها ولا القِمَمُ
منبرُ أحرارِنا في القلبِ مرتفعٌ
إن خانتِ الأرضُ أو ضاقتْ بنا الأممُ
أكتبُ من جمرِ أيامي ملاحمَها
حتى يظنَّ لهيبُ الجمرِ يبتسمُ
وأجعلُ الجرحَ محرابًا ألوذُ بهِ
إذا استبدَّ بليلِ الروحِ مُلتطمُ
ما ضرّني أنني في الدربِ منفردٌ
فالنجمُ وحدَتهُ في الأفقِ تُحترمُ
ولا يضيرُ السيوفَ البيضَ قلّتُها
إن كان في حدّها تاريخُها القَدَمُ
إنّي حملتُ على كفّي مروءتَنا
حتى تصيرَ إذا ما ضاعتِ الذِّمَمُ
لولا العزائمُ ما قامتْ حضارتُنا
ولا استقامَ على أكتافِها الحَرَمُ
ولولا الرجالُ إذا ضاقتْ مآربُهم
ما كان للحقِّ في أعناقِنا قَسَمُ
يا سائلي عن صهيلِ الحرفِ في لغتي
هذا صهيلٌ بهِ تستيقظُ الرِّمَمُ
أُقيمُ في كلِّ بيتٍ دولةً كبرتْ
حتى تهابَ حدودَ القولِ مُقتحَمُ
وأجعلُ المعنى إذا ما ضاقَ متّسعًا
كأنّما البحرُ في كأسِ الندى رُسِمُ
فلا تلمني إذا أغلقتُ قافيتي
على المعالي، ففي أقفالها حِكَمُ
أنا الذي إن مشى في الشعرِ منفردًا
مشى الزمانُ وراءَ الخطوِ يُحتكمُ
وإن صمتُّ فإنّ الصمتَ ملحمتي
وإن نطقتُ فحرفي صارَ ينتقمُ
فاشهدْ، فهذا مقامُ الفكرِ منتصبًا
كأنّهُ السيفُ بين الجدِّ والوهَمُ
هذي قصيدتي العظمى أُشيّدُها
من نورِ عقلٍ ومن نارٍ ومن قِيَمُ
تبقى إذا ذهبتْ أسماءُ قائلها
فالخلدُ للحرفِ لا للوجهِ والصَّنَمُ
وإن سألتَ عن الإنسانِ في زمنٍ
ضاعَتْ بهِ الروحُ، قل: بالعزمِ يعتصمُ
لا المجدُ يُورثُ إلا في ملامحِ من
صانوا الطريقَ إذا ما خانَهُ القدمُ
ولا المعالي تُرى إلا على كتفٍ
أثقلَهُ الحلمُ حتى خفَّتِ القِمَمُ
فامضِ، أبو عليٍّ، لا تَهَبْ مَدًى
فالدهرُ يُهزمُ إن في الروحِ مُحتَدِمُ
واكتبْ على بابِ هذا المجدِ خاتمةً
من لم يُعانقْ لهيبَ الصعبِ ينهزمُ
واجعلْ ختامَك برقًا لا يُدافِعُهُ
ليلٌ، ولا يُطفئُ الإشراقَ مُنصرِمُ
فالبيتُ إن خُتِمَتْ أنفاسُ قائلهِ
صارَ الخلودُ بهِ في الناسِ يُختَتَمُ
إنّي ختمتُ قوافيَّ التي احتدمتْ
كما يُخَتَّمُ سيفٌ حدُّهُ حَكَمُ
هذا ختامُ الذي في الحرفِ مملكتي
إن ضاقَ لفظٌ… فمعنايَ المُعظَّمُ
***