فضل الصلاة في المسجد والصف الأول
بقلم: الأستاذ محمد الخياطي
تمهيد
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على سيد الخلق الذي تتنور المجالس بذكره خير من صلى وهدى إليها وعلى آله وصحبه وحزبه.
وبعد:
إن الصلاة قرة عيون المحبين ولذة أرواح الموحدين وبستان العابدين ولذة نفوس الخاشعين وهي رحمة الله المهداة إلى عباده المؤمنين فلا ينبغي لأخ الجماعة أن يتهاون فيها، بل إن من كملات الإيمان وأساس العضوية والجندية التبكير للصلاة في المسجد والفوز بصف الأولياء المقربين صف الأولين صف أهل الخاصة من عباد الله الصالحين، فالصلاة في الجماعة من روح هذه الجماعة ورباطها المتين ف”مجتمع رابطته أخويَّة تنعقد في صف الصلاة في المسجد. فالصلاة عبادة فردية تتعلق بذمة المسلم، لكنها إن أدّيَت جماعة وفي المسجد فضَلَت الصلاة الـمُؤداةَ على انفراد خمسا وعشرين ضعفا.
الصلاة جماعة تسلُك المؤمنين والمسلمين في سلك رابطةٍ روحية تعمِّق المحبة وتقدسها بين المسلمين إذ تذكرهم خمس مرات في كل يوم من أيام حياتهم أن الذي يجمعهم، ويقرب بعضهم من بعض، ويُدْمجُ بعضهم في بعض، أسمى من الرباط المدنيّ الحضاري السكني المصلحي. هم إخوة في الله، يقفون بخشوع في صف الصلاة بين يدي الله، فتسري من قلب لقلب معاني الوَلاية في الله المشتقّةِ من الوَلاء لله، ومحبة الله، والإخلاص لله”.
إن الصلاة جماعة في بيوت الله تعالى من واجبات الدين، وسنن الهدى. يجتمع للمصلي فيها شرف المناجاة لله تعالى، وشرف العبادة، وشرف البقعة. ولقد رتب الإسلام على حضور المساجد أجرا عظيما تحدثت عنه نصوص كثيرة.
وإذا كان حضور الجماعة بهذه المنزلة، فإنه يجب على قاصد المسجد لأداء هذه العبادة العظيمة أن يتحلى بأشرف الصفات، وأحسن الخصال. وأن يسبق لمنزل الأولياء المقربين المحسنين الصف الأول صف الملائكة.
المبحث الأول: مفهوم المسجد وحدود المسمى
المسجد لغة: على وزن (فعِل) – بكسر العين -: اسم لمكان السجود، وبالفتح: اسم للمصدر.
قال في «الصحاح»: (المسجد بالفتح: جبهة الرجل حيث يصيبه ندب السجود. والمسجد: واحد المساجد).
وقال في «تثقيف اللسان»: (ويقال للمسجد: مسید، بفتح الميم، حكاه غير واحد)، وهذا مما اختص به بعض الجهات في المغرب حتى اليوم. فتحصل في ذلك ثلاث لغات: كسر الجيم، وفتحها، ومسيد بالياء موضع الجيم.
والمسجد شرعاً:
هو كل موضع من الأرض لقوله ﷺ: “جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً”. أي: موضع سجود، لا يختص السجود منها بموضع دون غيره.
وهذا يدل على أن الأصل في الأرض الطهارة حتى تعلم نجاستها، وأن كل أرض طاهرة طيبة للصلاة، إلا ما دل الدليل على استثنائه مثل المقبرة والحمام ومعاطن الإبل ونحو ذلك.
وهذا من خصائص هذه الأمة قال القاضي عياض رحمه الله: “لأن من كان قبلنا، كانوا لا يصلون إلا في موضع يتيقنون طهارته، ونحن خصصنا بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا ما تيقنا نجاسته”.
وقال القرطبي: “هذا ما خص الله به نبيه، وكانت الأنبياء قبله إنما أبيحت لهم الصلوات في مواضع مخصوصة كالبّيع والكنائس”.
قال الزركشـي: “ولما كان السجود أشرف أفعال الصلاة لقرب العبد من ربه اشتق اسم المكان منه فقيل مسجد، ولم يقولوا مركِع”.
أما المسجد شرعا: “فهو بقعة من الأرض تحررت عن التملك الشخصي، وعادت إلى ما كانت عليه لله تعالى، وخصصت للصلاة والعبادة”.
“ثم إن العرف خصص المسجد بالمكان المهيأ للصلوات الخمس، حتى يخرج المصلي المجتمع فيه للأعياد ونحوها، فلا يعطي حكمه، وكذلك الربط والمدارس، فإنها هیئت لغير ذلك”.
فإن لم يوقف فليس بمسجد ولو اتخذ للصلاة، وذلك كما لو اتخذ رجل معذور شرعا في التخلف عن الجماعة مصلى في بيته، أو اتخذت المرأة مصلى في قعر دارها، وكذا ما يوجد في الدوائر الحكومية، أو المدارس من أماكن يصلي فيها فليست بمساجد، فلا تعطي حكمه.
أما المسجد في عرف الجماعة فتحديده من خلال ما أشار إليه الإمام المرشد رحمة الله عليه في كتاباته: “هو المؤسسة الدعوية الأولى، بيت الله منه وفيه وإليه ينطلق الجهاد ويخطط ويأوى. (…). وينبغي أن يكون إلى جانب المسجد مرافق للمكتبة والدراسة والطهارة والرياضة وسكن الضيوف”. هذا ما ينبغي أن يكون عليه المسجد في ظل الانعتاق لا مسجد الانحسار، إذ أن المسجد في الأصل هو المسجد الذي كان عليه مسجد رسول الله ﷺ لا مسجد الانكسار التاريخي “تحت حكم الجبر ينبغي أن يكون تحرير المسجد من الإسلام الرسمي مطلبا أساسيا، وقبل قيام الدولة ما أمكن وبعد ذلك بتأكيد لا بد أن يكون المسجد مكان اللقاء بالشعب، ومدرسة التربية العامة، ومجالس الإيمان”. فمن الواضح أن المسجد هو مؤسسة تجمع العبادة والحكم والأولى إقامة صلاة الجماعة بل الأصل الأول لها، وفي حال غياب المسجد يجب على المؤمن المحافظة على صلاة الجماعة بل اتخاذ مسجد للصلاة “وعن الصلاة في الجماعة والمسجد ما أمكن. فإن لم تكن جماعة ومسجد فواجب المجاهد أن يؤلف حوله المصلين في معمله وإدارته ومدرسته ويتخذوا لهم مسجداً وأذاناً وإماما ودقائق وعظ ودعوة. في مجالس الإيمان المرتبطة بالصلوات الخمس في المسجد جماعة”.
يتبن لنا أن المسجد في تعريف الجماعة هو المسجد الجامع، والأصل هو المحافظة على صلاة الجماعة ما أمكن، بل اتخاذ مساجد لذلك من أجل إقامة صلاة الجماعة.
ومما يأخذ حكم المسجد: رحبة المسجد – وهي ساحته ومتسعه – والغالب أنها متصلة به، يشملها سوره، سواء كانت في وسط المسجد وخلفها وأمامها أروقة، أو كانت الأروقة في جهة القبلة فقط. وكذا مكتبة المسجد، فلها حكم المسجد إن كان بابها في وسط المسجد، فتشـرع تحية المسجد لمن دخلها، ويصح الاعتكاف فيها، فإن كان بابها خارج المسجد فليست منه، وكذا لو كانت خارج سور المسجد، بأن بنيت بجواره وفتح لها باب إلى المسجد فإنها لا تكون منه.
المبحث الثاني: في فضل الصلاة في المسجد
للاجتماع المشـروع في العبادات شأن كبير عند الله تعالى، وله فوائد كثيرة اجتماعية وفردية دينية ودنيوية، ومن هذه الاجتماعات صلاة الجماعة في المسجد، يجتمع فيه أهل المحلة الواحدة كل يوم وليلة خمس مرات. فيحصل التآلف والتزاور والتواصل والتعاون، وتظهر قوة وعزة المسلمين. ويتجدد الإيمان وتخنع النفس أمام باريها، هذه الفضائل والمنح الجليلة عبر عنها الإمام بقوله: “نصطفّ في المساجد مع الراكعين الساجدين نتعلـم الخضوع لعظمة الخالق جل وعلا، ونشارك الجماعة في الخشوع لجلاله، تغشانا روحانية المسجد، وتجللنا هيبة الأذان واستقامة الصف. من المسجد، من بين الراكعين الساجدين، نخرج خمس مرات في اليوم بثوب من الإيمان جديد، وبنية متجددة، وعزم يتقَوَّى، ومشاركة تحفِز، ووازع قرآني حي”. ولقد كثرت الأدلة من الكتاب والسنة على أدائها مع عباد الله في المساجد التي بنيت لها، وأنه ليس لأحد من عباد الله رخصة إذا سمع النداء أن يدع الجماعة ويصلي في منزله أو مكان عمله إلا من عذر.
منها على سبيل المثال قوله تعالى ﴿إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾. فقد نسب الله سبحانه وتعالى المساجد إليه، وجعل عُمرانها دليلا على الإيمان به وباليوم الآخر. وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ: أنه قال: “إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قلت: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: المساجد، قلت: وما الرَّتع يا رسول الله؟ قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر” وكفى بهذا الوصف فضلا. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ: أنه قال: “من غدا إلى المسجد وراح أعد الله له نُزُلَه من الجنة كلما غدا أو راح”. وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “من راح إلى مسجد جماعة، فخطوتاه خطوة تمحو سيئة، وخطوة تكتب حسنة، ذاهبا وراجا”. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “من تطهَّر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطوتاه: إحداهُما تحطُّ خطيئة، والأخرى ترفع درجة”. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ: “سبعةٌ يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه (…منهم) ورجلٌ قلبُه مُعَلَّق في المساجد”. وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ اُلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ اُلزَّكَوٰةَ وَارْكَعُواْ مَعَ اَلرَّٰكِعِينَۖ﴾ قال ابن الجوزي: (أي: صلوا مع المصلين).
وقال أبو بكر الكاساني: (أمر الله تعالى بالركوع مع الراكعين، وذلك يكون في حالة المشاركة في الصلاة، فكان أمرا بإقامة الصلاة بالجماعة، ومطلق الأمر لوجوب العمل). وقال في معناها علي سقراط بعد أن نعث أهلها “المقربون والمحسنون” “هؤلاء المقربون وأهل الصفاء، يحبون الله، ويحبهم الله، والله يحب المحسنين، يقيمون الصلاة بكل ما في الإقامة من معنى، بوضوئها ومواقيتها، وحدودها، والحضور في المسجد لأدائها مع جماعة المؤمنين، وهو ما أكد عليه الشارع… واستدل كثير من العلماء على وجوب الجماعة بهذه الآية. وخطاب الآية وإن كان موجها لأهل الكتاب، فإنهم لم يقصدوا به على سبيل التخصيص، وإنما هو عام لهم ولغيرهم من أمة رسول الله ﷺ”.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار».
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: “من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادی بهن، فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط بها عنه سيئة…”.
فترك المساجد ترك للسنة، وترك السنة ضلال وانحراف. مما يدل على أن المساجد من أعظم شعائر الدين، وأنها ما بنيت إلا ليصلى فيها. وقد ثبت عنه في تفضيل صلاة الرجل في المسجد جماعة على صلاته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفا، “صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة. فإذا صلي لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه! ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة”.
وهذا أجر عظيم، وثواب جزل، لا يفرط فيه ويكتفي بدرجة واحدة إلا محروم، وزهد فيما عند الله من الأجر. وهذه المضاعفة لصلاة الجماعة في المسجد لأوصاف ثلاثة دلت عليها الآثار ودل عليها الحديث السالف من ذلك:
- الوصف الأول: إحسان الوضوء، وذلك – والله أعلم – بأن يتوضأ كوضوء النبي ﷺ.
- الوصف الثاني: الخروج إلى المسجد بنية خالصة لا يخرجه إلا قصد الصلاة في المسجد.
- الوصف الثالث: المبادرة إلى صلاة ما كتب له من حين يَصل إلى المسجد. والتضعيف المذكور في الحديث مرتب على هذه الأوصاف الثلاثة،
وما رتب على أوصاف متعددة لا يوجد بوجود بعضها، إلا إذا دل الدليل على إلغاء ما ليس معتبرا أو ليس مقصودا لذاته.
المبحث الثالث: قيمة الصلاة جماعة في خطاب الدعاة ” عبد السلام ياسين نموذجا
لماذا المسجد في الدعوة؟ يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمة الله عليه: “الخطوة الأولى التي دعونا المؤمنين إليها نحو المسجد، خطوة إلى الله، إلى التماس والصلة به والطريق إليه، فما دام رباط كل منا بما في يده وما حواليه، وما دام ارتباطه بهواه ولذاته وجاهه ومكانته الاجتماعية المزيفة، أقوى من رباطه بربه، فلن نقوم أبدا لله ولن نقتحم أية عقبة. وسيبدو لنا العالم ومن فيه شبحا مخيفا ما دامت الأهواء التي تسكن أنفسنا والأفكار السخيفة التي تملأ عقولنا تجعل منا أقزاما في ميزان الإيمان وفي ميزان القيم الإنسانية المجردة”.
إن الباعث على الصلاة في المسجد ما يحصل من بناء نفسـي جماعي يتولد عنه القوة الجماعية ولا صلاة بلا إقامة بمفهومها الشامل الذي عبر عنه الإمام المرشد في كتاب العدل: “قومة إلى الصلاة. وإقامة الصلاة. وما أمر الله عز وجل بالصلاة أو مدح المصلين إلا جاءت كلمة الإقامة. فالصلاة عماد الدين. هي العمود الفقري للدين. وأداؤها في المسجد والجماعة أساس البناء النفسـي للمؤمن…”.
لأن الصلاة في المسجد جماعة مجلس من مجالس الإيمان “وإن النفوس الصدئة والقلوب المهمومة العطنة والهمم الفاترة تجد دواءها في هذه المجالس”.
الصلاة لوقتها وفي المسجد مع الجماعة هي الضابط للمسلم، فهي ميزان الروح، ومعيار الأعمال، ومقياس الأمكنة، “إذ تنقله من الوقت السائب، المقيد بعلاقات العمل والراحة والطعام واللهو، إلى الوقت الإيماني، المقيد بداعي الله خمس مرات في اليوم ومرة في الجمعة. تنقله من المكان السائب المنطلق في ساحة الغفلات، إلى بيت الله يلبي النداء رمزا للطاعة والانقياد. تنقله من الوحدة السائبة، وضياع الرفقة الغافلة، إلى صف المصلين المتراصين بين يدي الله.
وينبغي الحرص على صلاتي الصبح والعشاء في المسجد والجماعة. وينبغي أن لا يعذر الوارد على تأخير الصلاة عن وقتها ولا على التراخي في حضور الجماعة والمسجد. فما صلاة الفذ عند العذر، وما صلاة المرأة في بيتها إلا استثناء من القاعدة، وهي صلاة الجماعة.
روح الصلاة الخشوع فيها. وهذا لا يأتي إلا بصحبة الخاشعين، وبالكلمة الطيبة حين تخالط بشاشتها القلوب. فميزان إيمان كل وارد وكل مؤمن ومؤمنة بينه وبين نفسه ما يجده من خشوع في صلاته. ينظر هل زاد إيمانه أو نقص.
إن المعيار الحقيقي “للمسلم الحق يصلي، ويؤديها في المسجد مع جماعة المسلمين أينما حل وارتحل. فهو مسلم في مسجد الصين ولو كان زنجيا(…) المسلمون الذين يواليهم الأمازيغي -إن كان مسلما حقا- هم المصلون معه في المسجد عربا أو عجما. (…) الصلاة أولا. ثم نتابع الحوار مع أمازيغيين يصلون…”.
إن المسلم الذي يخوض المعارك الجهادية اليومية لا ينبغي أن تشغله عن صلاته في المسجد، بل صلاته هي من روح العمل “فالمسلم الذي يعيش في ظل الواجب الإسلامي يخصص حيزا من وقته اليومي للصلاة، جماعة في المسجد إن استطاع، دون أن تستنزفه المشاغل اليومية الأخرى لأن ﴿الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾. .. لكل عمل وقته ولكل شغل زمنه ينبغي أن يطغى زمن الدنيا وحيز الأشغال على زمن العبادة الجماعية فزمنها محدود موقوت “فهناك أوقات المهنة والأسرة والمدرسة والشغل، فيجب ألا يمنعك توقيت زمن الوظائف الدنيوية عن إقامة الصلاة في الجماعة والمسجد ما أمكن”. ولا أن تشغلك بجارتك عن صلاة الجماعة حتى لا يبور عمل الدنيا والآخرة “وكان ابن عمر ومحمد بن واسع رضي الله عنهما يدخلان السوق قاصدين، يذكران الله عز وجل طلبا للفضيلة (…) وإذا سمعت التأذين للصلاة فلتأخذ في أمر الصلاة، ولا تؤخرها عن الجماعة، وإلا كنت فاسقا عند بعض العلماء” . يضيف الإمام المرشد “قلت: ينبغي أن يوقت العمل في الحقل والمصنع والمتجر والمكتب، لا على أوقات الأكل والشرب والراحة، بل على أوقات الصلاة لتحترم مواعيدها. وإلا كان اقتصادنا فاسقا، وذهبت البركة والنعمة، وحل الخسار والنقمة. والعياذ بالله”.
المبحث الرابع: في فضل الصف الأول
من آداب حضور المساجد التقدم للصف الأول، والقرب من الإمام، كما دلت على ذلك النصوص؛ لما في الصف الأول من الفضل العظيم. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا”. والتهجير: التبكير إلى الصلاة، والمبادرة إليها.
وعنه أيضا عن النبي ﷺ قال: «لو تعلمون، أو يعلمون، ما في الصف المقدم لكانت قرعة”. وفي رواية: “ما كانت إلا قرعة”.
وعن أبي بن كعب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: “الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو تعلمون فضيلته لابتدرتموه».
فهذه الأحاديث وغيرها تدل على فضل الصف الأول، وأنه ينبغي الحرص عليه بالتبكير إلى الصلاة، حتى أنه لو أدى الأمر إلى القرعة لكانت مشروعة فيه.
والمراد بالصف الأول: هو ما يلي الإمام، سواء جاء صاحبه متقدما أو متأخرا، وإن كان المتقدم حاز فضيلة التبكير فجمع بين الفضيلتين.
والأولى بأخ الجماعة أن يبادر إلى الصف الأول وأن يكون السباق ولا يسبق إليه، مراعيا الآداب القلبية قبل البدنية “ندخل المسجد بيت الله بوقار وسمت إسلامي، ونهاجر كل ما يلهينا عن ذكر الله وعن الصلاة من الملهيات الدنيوية، ولا ندخله إلا ونحن على طهارة، ثم تكون نظرتنا إلى إخواننا نظرة رحمة ومحبة، فنحسن الظن بعباد الله، ونحرص على الصف الأول(…) فنسعى إلى الصف الأول ما لم يتسبب ذلك في إيذاء المؤمنين المصلين”.
وفي الصف الأول مزايا عظيمة ينبغي للمسلم أن يهتم بها ويحرص على الظفر بها. وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري طرفا منها.
فمن ذلك: المسارعة إلى خلاص الذمة، والسبق لدخول المسجد والقرب من الإمام، واستماع قراءته، والتعلم منه، والفتح عليه، والسلامة من اختراق المارة بين يديه، وسلامة البال من رؤية من يكون قدامه، وسلامة موضع سجوده من أذيال المصلين.
ومن الناس من لا يهتم بالصف الأول مع إمكان الصلاة والجلوس فيه، فتراه يدخل المسجد مبكرا ويقف متنفلا وسط المسجد، أو في مؤخره، أو يقف في طرف الصف الأول مع خلوه من جهة الإمام، وهذا رغبة عن الخير، وزهد فيه. يقول ابن تيمية – رحمه الله -: “فمن جاء أول الناس وصف في غير الأول فقد خالف الشريعة، وإذا ضم إلى ذلك إساءة الصلاة أو فضول الكلام أو مكروهه أو محرمه ونحو ذلك مما يصان المسجد عنه، فقد ترك تعظيم الشرائع، وخرج عن الحدود المشروعة من طاعة الله، والله أعلم”.
وهذا الحكم- وهو الحث على الصف الأول والدنو من الإمام – خاص بالرجال، أما النساء إذا حضرن المساجد فيتعين في حقهن التأخر والبعد عن الإمام وعن صفوف الرجال، والله أعلم.
المبحث الخامس: صلاة المؤمنات في المساجد
يحكي الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله ذلك بنفس إيماني حارق دفاعا عن هذا الحق بالقول: “هل تدخل المؤمنات في جامعة المسجد مع إخوانهن المؤمنين، أم هن فيه ضيفات ناسكات هامشيات، يحضرن الجُمَع ثم يرجعن إلى بيوتهن ليَقبعن فيها. تُلْغَى شخصيتهن، ويشطب على رقمهن في عالم الأحياء من الجمعة إلى الجمعة، ويحاصَرْنَ في علاقات التفاهة؟
ثم يطرح الجواب بعد أن يبن سبب تغييبهن فيقول: “من الناس من يتذرَّع بالغَيرة الكاذبة أو الجاهلة ليُمسك المؤمنات عن المشاركة الكاملة في حياة المسجد. من مخلفات هذه الغيرة البدعية أن فصلوا المسجد عن مصلى النساء، وخصصوا لهن حيزا منعزلا ضيقا يترجِمُ عن نيات هذه الغيرة الـمُحدثة في سَجن المرأة في المسجد كما هي مسجونة في البيت”.
ليستدل بالدليل العملي النبوي على ذلك: “كان المؤمنات الصحابيات يحضرن صلاة الفجر في مسجد رسول الله ﷺ. تقول أمنا عائشة رضي الله عنها: «كُنّ نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر مُتَلَفّعاتٍ بمروطِهِنّ (متلففات في غِطائهن)، ثم ينقَلِبْنَ (يرجعن) إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة، لا يعرفُهُنّ أحد من الغَلَسِ (ظلمة آخر الليل)”.
خاتمة
وفي الختام نقف مع وصية من وصايا الإمام المرشد يرحمه الله تعالى على منهاج نبينا ﷺ يقول فيها: “وأوصي بما وصّى به رسول الله ﷺ وهو على فراش الموت: الصلاة وما ملكت أيماننا. الصلاة الصلاة (…) وأوصي بالصلاة، إقامتها في المسجد والجماعة مع التحري الجميل في الطهارة اتّباعا منتبها لسنة رسول الله ﷺ في الحركات والسّكنات والمواقيت والكيفيات”.
والحمد لله رب العالمين.