منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

السنة والقرآن قرينان في شريعتنا

السنة والقرآن قرينان في شريعتنا/ حسن قاسمي

0

السنة والقرآن قرينان في شريعتنا

بقلم: حسن قاسمي

تعتبر السنة النبوية المصدر الثاني من مصادر التشريع في الشريعة الإسلامية، وقد دلت الآيات والآثار وإجماع الأمة على مكانة السنة النبوية باعتبارها وحيا من الله تعالى أوحى بها لنبيه صلى الله عليه وسلم، وقد حرص العلماء على تتبع أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وشددوا في ذلك أيما تشديد وأسسوا لذلك علم الجرح والتعديل، ولم يقبلوا الرواية من أي كان إلا بشروط وضوابط، وفي هذا المقال سنحاول تسليط الضوء على أهمية السنة النبوية من خلال الآية السابعة من سورة الحشر، لنتبين فضل السنة ومكانتها، حتى ندفع بذلك انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وتحريف الغالين.

قال تعالى: “ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب” (7)

بيَّن تعالى حكم الفيء عامةً وهو ما يغنمه المسلمون بدون حرب فقال {مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى} أي ما جعله الله غنيمةً لرسوله بدون قتال من أموال الكفار قال ابن عباس: هي قريظة، والنضير، وفدك، وخيبر {فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} أي فحكمها أنها لله تعالى بضعها حيث يشاء، ولرسوله يصرفها على نفسه وعلى مصالح المسلمين {وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين} أي ولأقرباء الرسول من بني هاشم وعبد المطلب، ولليتامى الذين مات آباؤهم، وللمساكين ذوي الحاجة والفقر {وابن السبيل} أي وللغريب المنقطع في سفره

 قال في التسهيل: لا تعارض بين هذه الآية وبين آية الأنفال، فإِن آية الأنفال في حكم الغنيمة التي تؤخذ بالقتال وإِيجاف الخيل والركاب، فتلك يؤخذ منها الخمس ويقسم الباقي على الغانمين، وأما هذه ففي «حكم الفيء» وهو ما يؤخذ من الكفار من غير قتال فلا تعارض بينهما ولا نسخ.

 وقد قرر الفقهاء الفرق بين الغنيمة والفيء، وأنَّ حكمهما مختلف، فالغنيمة ما أُخذت بالقتال، والفيءُ ما أُخذ صلحاً، وانظر كيف ذكر هنا لفظ الفيء {مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ} وذكر في الأنفال لفظ الغنيمة {واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ} [الأنفال: 41] ! { {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغنيآء مِنكُمْ} أي لئلا ينتفع بهذا المال ويستأثر به الأغنياء دون الفقراء، مع شدة حاجة الفقراء للمال قال القرطبي: أي فعلنا ذلك كيلا يتقاسمه الرؤساء والأغنياء بينهم دون الفقراء والضعفاء، لأن أهل الجاهلية كانوا إِذا غنموا أخذ الرئيس ربعها لنفسه وهو المرياعُ ثم يصطفي منها أيضاً ما يشاء

 قال المفسرون: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قسم أموال بني النضير على المهاجرين فإِنهم كانوا حنيئذٍ فقراء، ولم يُعط الأنصار منها شيئاً فإِنهم كانوا أغنياء، فقال بعض الأنصار: لنا سهمنا من هذا الفيء فأنزل الله هذه الآية {وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا} أي ما أمركم به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فافعلوه، وما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإِنه إِنما يأمر بكل خير وصلاح، وينهى عن كل شرٍّ وفساد.

 قال المفسرون: والآية وإِن نزلت في أموال الفيء، إِلا أنها عامة في كل ما أمر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو نهى عنه من واجبٍ، أو مندوب، أو مستحب، أو محرم، فيدخل فيها الفيء وغيره، ولذا فقد أمر الله تعالى بطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم في آيات كثيرة من كتابه الكريم ، منها : قوله سبحانه وتعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } ( النساء : 59 ) قال الطبري : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ربكم فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه ، وأطيعوا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ، فإن في طاعتكم إياه لربكم طاعة ، وذلك أنكم تطيعونه لأمر الله إياكم بطاعته . وهو أمر من الله  بطاعة رسوله في حياته فيما أمر ونهى ، وبعد وفاته باتباع سنته ، وذلك أن الله عم الأمر بطاعته ، لم يخصص بذلك في حال دون حال ، فهو على العموم حتى يخصَّ ذلك ما يجب التسليم له انتهى

وقال عز وجل: { وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } ( النساء : 69 ). قال الطبري: ( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ  ) بالتسليم لأمرهما ، وإخلاص الرضى بحكمهما، والانتهاء إلى أمرهما ، والانزجار عما نهيا عنه من معصية الله ، فهو مع الذين أنعم الله عليهم بهدايته ، والتوفيق لطاعته.

وقوله: { فَلْيَحْذَرِ الذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ }  أي: عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهو سبيله ومنهاجه و طريقته وسنته وشريعته ، فتوزن الأقوال والأعمال ، بأقواله وأعماله ، فما وافق ذلك قُبل ، وما خالفه مردود على قائله وفاعله كائناً من كان ، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أنه قال : ” من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌ “.قال تعالى { وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس مانزل اليهم } ( النحل : 44 ).

وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ” قالوا : ومن يأبى يا رسول الله ؟! قال : ” من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى ” رواه البخاري

عن ابن مسعود أنه قال: «لعن اللهُ الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيِّرات خلق الله» فبلغ ذل امرأةً من بني أسد يُقال لها «أم يعقوب» وكانت تقرأ القرآن فأتته فقالت: ما حديثٌ بلغني عنك أنك قلت كذا وكذا} {وذكرته له، فقال ابن مسعود: وما لي لا ألعنُ من لعن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو في كتاب الله تعالى؟ فقالت المرأةُ: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته} فقال: إن كنتِ قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأتِ قول الله عَزَّ وَجَلَّ {وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا} ؟ {واتقوا الله} أي خافوا ربكم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه؟

 من خلال ما سبق نبين بعض جوانب أهمية السنة النبوية::

1-  إن السنة النبوية هي التفسير العلمي للقرآن الكريم، والتطبيق الواقعي له، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم  يقيم حياته على ما ينزل عليه من الله تعالى، فيراه الصحابة رضي الله عنهم  فيمتثلون أمره ويقتدون به، وإذا ما احتاجوا إلى بيان شيء بينه لهم. فحياة الرسول صلى الله عليه وسلم  في جميع جوانبها تطبيق لما جاء في القرآن الكريم.

2-  إن السنة النبوية هي التي يتم فيها فهم القرآن الكريم واستيعابه على ما أراد الله تعالى، فهي تفسير مبهمه، وتفصّل مجمله، وتقيّد مطلقه، وتخصّص عامه، وتوضّح أحكامه، وتشرح غامضه، وتكمّل ما يحتاج إلى تكميل، وهذه أمور واضحة لا تحتاج إلى بيان، فالصلاة – مثلًا – لم ترد إلا مجملة في القرآن الكريم والسنة بينت أوقاتها، وأعدادها، وعدد ركعاتها، وفرائضها، ونفلها، وأركانها، وواجباتها… إلخ. ومن أمثلة ذلك:

ويرد في القرآن الكريم ألفاظ مطلقة عن القيود والأوصاف، فتأتي السنة بتقييدها، كما في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: ٣٨] فاليد في الآية مطلقة غير مقيدة، بكونها اليمين، أو الشمال، فجاءت السنة وقيدت المطلق هذا بكون اليد المقطوعة هي اليد اليمنى، وبيان أن القطع من الكوع.

تخصيص عامه: فقد وردت في القرآن أحكام عامة جاءت السنة بتخصيصها ، ومن ذلك قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} (النساء: 11) ، فهذه الآية عامة في كل أصل موروث ، فخصص صلى الله عليه وسلم ذلك بغير الأنبياء فقال عليه الصلاة والسلام: (لا نوْرَثُ ما تركنا صدقة) رواه البخاري.

 بيان مشكل القرآن ومن ذلك: توضيح المراد من الخيط الأبيض والخيط الأسود في وقت الإمساك في الصوم، قال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ} (البقرة:187)، حيث إن الخيط الأبيض والخيط الأسود من المشكل الذى لا يُفهم المراد منه إلا بقرينة، فجاءت السـنة بتوضيح هذا المشكل بأنه (بياض النهار وسواد الليل)،

وقد قيل لمطرف بن عبد الله بن الشخير: “لا تحدثونا إلا بالقرآن”، فقال مطرف: “والله ما نريد بالقرآن بدلاً، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا”، ومن هنا قال الإمام الأوزاعي: “الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب”، قال ابن عبد البر: “يريد أنها تقضي عليه وتبين المراد منه”

وسئل الإمام أحمد عن الحديث الذي روي أن السنة قاضية على الكتاب فقال: “ما أجسر على هذا أن أقوله، إن السنة تفسر الكتاب وتبينه”.

3-  إن دراسة السنة النبوية المشرفة وفهمها وتطبيقها من طاعة الله تعالى التي تضافرت النصوص القرآنية على ببيانها، فدراسة السنة طاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم  من طاعة الله تعالى، قال سبحانه: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [النساء: 80].

4-  ومن أهمية السنة أن هناك أحكامًا لم يُنص عليها في القرآن الكريم، فجاءت السنة النبوية ببيانها، إذ إن السنة تحكي وقائع الناس وما يحدث منهم، فيبين الرسول صلى الله عليه وسلم  حكم ما وقع وما حدث مثل بيانه لكثير من الأحكام، كأحكام لحوم الحمر الأهلية، وأكل كل ذي ناب من السباع، وبعض أحكام النكاح، وغيرها.

وروي: أن قوما من الأنصار تكلموا في هذه القرى المفتتحة وقالوا: لنا منها سهمنا فنزل قوله تعالى: وما آتاكم الرسول فخذوه الآية، مؤدبا في ذلك وزاجرا ثم اطرد بعد معنى الآية في أوامر النبي صلى الله عليه وسلم ونواهيه حتى قال قوم إن الخمر محرمة في كتاب الله بهذه الآية، وانتزع منها ابن مسعود: لعنة الواشمة والمستوشمة الحديث. ورأى محرما في ثيابه المخيطة. فقال له: اطرح هذا عنك، فقال له الرجل: أتقرأ علي بذلك آية من كتاب الله تعالى فقال ابن مسعود: نعم، وتلا هذه الآية.

قال ابن العربي:[الآية السابعة قوله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا] [الحشر: 7].

فيها أربع مسائل: المسألة الأولى في المعنى؛ وفيه ثلاثة أقوال:

الأول: معناها ما أعطاكم من الفيء، وما منعكم منه فلا تطلبوه.

الثاني: ما آتاكم الرسول من مال الغنيمة فخذوه وما نهاكم عنه من الغلول فلا تأتوه.

الثالث: ما أمركم به من طاعتي فافعلوه وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه. وهذا أصح الأقوال؛ لأنه لعمومه تناول الكل، وهو صحيح فيه مراد به.

تعليق على الآية وما أفاء الله على رسوله منهم … إلخ والآية التالية لها وتشريع الفيء

هذا ثاني تشريع قرآني مالي ورسمي بعد تشريع الغنائم الحربية. وقد عرف باسم الفيء اقتباسا من نص الآيات وروحها. ولقد نبهنا على ما في تشريع الغنائم من خطورة وجلال. وتشريع الفيء أعظم خطورة وأبعد مدى لأنه يتضمن تخصيص جميع ما يأتي من هذا المورد للصالح العام وفقراء المسلمين.

وهناك أحاديث نبوية رواها أصحاب الصحاح في دعم ذلك وتوضيحه.

من ذلك حديث رواه الشيخان عن أبي هريرة عن النبي وأورده الأئمة والمفسرون في سياق الجملة التي نحن في صددها قال: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم» »

وحديث أورده الخازن في سياق الجملة جاء فيه: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول ما أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» والحمد لله رب العالمين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.