منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مكانة المرأة في السيرة النبوية: نماذج قوة وتأثير

مكانة المرأة في السيرة النبوية: نماذج قوة وتأثير/ حسنية الهلالي

0

مكانة المرأة في السيرة النبوية: نماذج قوة وتأثير

للأستاذة حسنية الهلالي

مقدمة:

لقد كان من أولويات الرسالة النبوية إعادة صياغة الإنسان وتحريره من عبادة الأوثان إلى عبادة الله الواحد. ولقد أولى النبي صلى الله عليه وسلم اهتماما خاصا بالمرأة وحرر إرادتها في أعز ما يطلب وهو وجه الله عز وجل. وقد استطاع صلى الله عليه وسلم أن يحولها من مخلوق يوأد ويورث إلى إنسان عزيز كريم، ومن لا شيء إلى عنصر قوي مؤثر في محيطه ومجتمعه، وهذا من خلال تربية نبوية حكيمة للرجال والنساء على القيم الحقيقية للإسلام.

1- المرأة بين موقفي الضعف والقوة.

أنزل الإسلام المرأة منزلة عظيمة وعاشت في قمة قوتها وفعاليتها زمن النبوة. عاشت حرة كريمة بعد أن كانت لا تعد شيئا كما قال سيدنا عمر رضي الله عنه:” إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرا حتى أنزل الله فيهن ما أنزل وقسَّم ما قسَّم. فبينما أنا في أمر أتأمره إذ قالت امرأتي: لو صنعت كذا وكذا، فقلت لها مالك ولما هاهنا؟ فيما تكلفك في أمر أريده؟ فقالت لي عجبا لك يا ابن الخطَّاب أما تريد أن تراجَع أنت وإن ابنتك لتراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان[1] .

لقد تغير الوضع تماما من ذل إلى عز، من سجن إلى حرية، من كم مهمل محجور عليه وراء جدران الحريم إلى شخصية مستقلة وإرادة فاعلة.

إنها التربية النبوية الحكيمة التي غيرت ظلام الجهل إلى نور الإسلام ونفذت إلى قلوب المؤمنين والمؤمنات، ورفعت همتهم لطلب وجه الله عز وجل.

2- المرأة: نموذج قوة وتأثير

أفرزت التربية النبوية الحكيمة أمثلة رائعة لنساء رائدات في الدعوة إلى الله عز وجل والدفاع عن الإسلام ونشر مبادئه بين مثيلاتهن وفي المجتمع ككل.

  • خديجة بنت خويلد أم المؤمنين رضي الله عنها:

لها الدور الكبير في الدعوة إذ كانت وزيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، آزرته على أمره فخفف الله عنه بها، أعانته في دعوته ومواجهة المشركين وإعراضهم وعدوانهم. وقفت تشد أزره وتواسيه وتقويه وتعالج جراح نفسه. همة امرأة وثباتها وعطاؤها كانت الأساس الخلقي المعنوي الذي رُكِّزَ  عليه لواء الإسلام. أمنا خديجة رضي الله عنها حاطت محمدا بعنايتها وكانت نعم الزوج الوفية، وهي زودته لغار حراء يتبتل، وهي أول من آمن به وصدقه وثبته لمَّا جاء يرجف من رؤية الملك الذي جاءه بالوحي قالت له وقد بث إليها أنه خشي على نفسه: “كلا أبشر! فوالله لا يخزيك الله أبدا! إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق[2] [3] .

ووفاء لها لم يفتأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرها ويذكر مناقبها وخصالها ويصل رحمها محبة فيها وكان يذبح الشاة ويرسلها إلى صويحباتها.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هذه خديجة أتتك معها إناء فيه إدام – طعام أو شراب – فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب [4]

  • عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها :

العالمة المفتية تقف جنبا إلى جنب مع كبار الصحابة أمثال أبي بكر وعمر والإمام علي رضي الله عنهم جميعا.

عائشة المحدثة الراوية للحديث حفظا وتعليما، المجاهدة التي كانت تحمل قرب الماء تسقي جرحى أحد وتواسيهم تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

كانت رضي الله عنها تتعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلصغر سنها وذكائها وقوة حفظها وحرصها أصبحت أعلم نساء النبي بل من طبقة كبار الصحابة في العلم

قال عروة ابن الزبير ابن أخت عائشة:” يا أماه لا أعجب من فقهك أقول زوجة نبي وابنة أبي بكر ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس أقول ابنة أبي بكر وكان أعلم الناس ولكن أعجب من علمك بالطب كيف هو ومن أين هو؟ فضربت على منكبه وقالت: أي عُريَّة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسقم عند آخر عمره، وكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه فتنعت له الأنعات، وكنت أعالجها له. قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه” ما أشكل علينا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها علما منه.

  • سمية بنت الخياط

سمية بنت الخياط زوجها ياسر كانا خادمين في بيت سيد بني مخزوم، ابنهما عمار من المسلمين الأوائل الذين أظهروا إسلامهم لاقوا من أجل ذلك أشد العذاب والأذى.

 شكلت موقفا من أجمل المواقف بطولة وصبرا وشجاعة، من امرأة جارية خادمة في بيت من بيوت قريش لا تملك من أمرها شيئا إلى امرأة جلدة قوية تصر على إسلامها رغم التعذيب والأذى فهي أول شهيدة في الإسلام بشرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنةّ:” صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة”.

  • فاطمة بنت الخطاب

صحابية جليلة من المسلمات الأوائل كنيت بأبي جميل أخت عمر بن الخطاب زوجها الصحابي الجليل سعيد بن زيد أحد المبشرين بالجنة.

في أبهى صورة للمرأة الصالحة الداعية إلى الله التي لا تخاف في الله لومة لائم، جهرت في وجه أخيها عمر بن الخطاب -وما أدراك ما عمر-: إن الحق في غير دينك. كلمة ردعته وردته إلى صوابه وكانت سببا في إسلامه

  • أسماء بنت عميس

 دخلت أسماء على حفصة أم المؤمنين زائرة، فدخل عمر ابن الخطاب على ابنته وعندها أسماء فسأل: من هذه؟ قالت أسماء بنت عميس فقال عمر: الحبشية؟ البحرية؟ قالت أسماء نعم، قال عمر: سبقناكم بالهجرة نحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم…….. وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له أسماء يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا سألها النبي صلى الله عليه وسلم وما قلت له؟ قالت قلت له كلا والله كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم وكنا في دار البعداء البغضاء بالحبشة وذلك في الله وفي رسول الله. وأيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عليه الصلاة والسلام ليس بأحق بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان. قالت أسماء بعد ذلك: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالا يسألوني هذا الحديثٌ”[5]

هذا النموذج وغيره مما سبق يظهر مدى قوة وشجاعة المرأة المسلمة ومساهمتها الفعالة في البناء والتأثير.

خاتمة:

عاشت المرأة المسلمة أوج الازدهار والكمال زمن النبوة ووعت تمام الوعي دورها وجاهدت لتكون في صف واحد مع المؤمن في مسيرة البناء والدعوة محققة الوظيفة السامية التي كلفت بها وهي الحافظية.


[1]  رواه الشيخان

[2] الحديث رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها

[3]  تنوير المؤمنات الجزء الأول/ ص 77

[4] حديث صحيح متفق على صحته

[5] رواه الشيخان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.