منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حكم قراءة سورة البقرة يوميا

حكم قراءة سورة البقرة يوميا/ الأستاذ عثمان غفاري

0

حكم قراءة سورة البقرة يوميا

بقلم: الأستاذ عثمان غفاري

من المعلوم أن قراءة القرآن الكريم لها أجر عظيم، و أثر أعظم في جلب الخير وتحقيق السعادة والتوفيق واستجابة الدعاء، وكذلك كل طاعة لله، لعموم قول الله تعالى في الحديث القدسي الذي رواه الإمام البخاري: “وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا ، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا ، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ”.

ولحديث عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه الذي أخرجه كل من أحمد والترمذي قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلْيَسْأَلْ اللَّهَ بِهِ، فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَسْأَلُونَ بِهِ النَّاسَ”، والمراد بالسؤال الوارد في الحديث يحتمل ثلاث خيارات، فإما أَن يَطْلُبْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقُرْآنِ مَا شَاءَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، أو يدعو كل ما مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ، ويَتَعَوَّذُ كل ما مر بِآيَةِ عُقُوبَةٍ، وَإِمَّا أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ عَقِيبَ الْقِرَاءَةِ بِالْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ . وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ وَإِصْلَاحِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ.

كما أن سورة البقرة كلها بركة، كما جاء في الصحيح من حديث أبي أمامة قال: “اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرءوا الزهراوين، البقرة، وسورة آل عمران؛ فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة”، كما وصح أن قراءتها تزيد المسلم حصانة وحفظا من الشياطين في نفسه وأهله وبيته ، قال صلى الله عليه وسلم : ” لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة “، والأهم من القراءة هو العمل، فمقصود إنزال القرآن ليس مجرد التلاوة وإنما العمل بما فيه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن لكل شيء سناما وإن سنام القرآن سورة البقرة ، من قرأها في بيته ليلاً لم يدخل الشيطان بيته ثلاث ليالٍ “.

وهذا الترغيب في قراءة سورة البقرة جاء مطلقا وليس مقيدا بوقت محدد أو كيفية مخصوصة، فطالما أن هناك أصلا عاما ثابتا يأمر بقراءة سورة البقرة، يمكن أن تندرج ضمنه كل تلك الصيغ المخصوصة فلا يمكن القول ببدعيتها، سواء قرئت في يوم واحد أو في جلسة واحدة، أو قرئ ما تيسر منها وأكمل الباقي بعد ذلك، لكن الأفضل قراءتها بتدبر وخشوع وحضور قلب كما قال الله تعالى: ” كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب “.

لكن مما ينبغي الإشارة إليه هنا أن قراءة سورة البقرة لم يرد فيه تقدير عددي أو زمني، وكل تحديد من هذا القبيل لإدراك بركة السورة لا دليل عليه، فقوله صلى الله وعليه وسلم: «أخذها بركة» يتحقق بقراءة بعضها، وبقراءتها كلها، وبقراءتها يوميًّا، أو بقراءتها في أيام متعددة.

وجماع القول أن تقييد قراءة سورة البقرة في البيت بالليل، أو بالنهار، أو تقييد طردها للشيطان من البيت: بثلاثة أيام، أو غير ذلك: لم يصح به الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن صح بفضل سورة البقرة عاما، لذلك لا نقول بالبدعية لاندراجه ضمن أصل كلي يحث على قراءتها، ولا نقول بالتزام هذه الصيغة لأنها من باب التحجير والتضييق على الأمة، ولأنها مرجوحة غير راجحة، فالراجح ألا نسرف في تلاوة الألفاظ دون تدبر المعاني التي بها يحصل المقصود من التدبر والاتعاظ، قال ابن مسعود رضي الله عنه: “لا تهذوا القرآن كهذِّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب”، والراجح قراءة التدبر لأنها أعظم أجرًا، وأكثر بركة، من قراءة اللفظ مع الغفلة عن المعنى؛ والبركة في القرآن ليست في مجرد تلاوة ألفاظه مع الغياب عن معانيه، بل هي في الأمرين؛ قال الله تعالى: “كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ”، والراجح صحبة القرآن كله بالحفاظ على الورد اليومي، ولزوم السور الفاضلة والتلاوة بتأنٍّ مع الحفظ والمراجعة، فبكل هذه الصيغ يتحقق مقصود الشارع من صحبة القرآن والعمل به وتحصيل فضله، على أنه من قدر على الجمع بين كل ذلك وقراءة البقرة يوميا فله الأجر والنور، ولا يمكن أن يقال عنه مبتدع والله أعلم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.