الحق في العيش الكريم؛ أساس حقوق كل مواطن.
بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي
كل إنسان له الحقّ في العيش ضمن شروط توفر للمواطنين احتياجاتهم الأساسية على الأقل، وتمكّنهم من العيش غيـر المُهين. ينبع من حق العيش الكريم واجب الدولة بنشر شبكة ضمان اجتماعي عادلة، والتي تمكّنهم من الحصول على الحد الأدنى من العيش بعزة وكرامة.
وكل مواطن له الحق في العيش بكرامة وأمن وأمان، مع احترام حرياته وحقوقه الأساسية، كما جاء في الفصـل 21 من الدستور المغربي؛ “لكل فرد الحق في سلامة شخص هو أقربائه، وحماية ممتلكاته. تضمن السلطات العمومية سلامة السكان، وسلامة التراب الوطني، في إطار احترام الحريات والحقوق الأساسية المكفولة للجميع”.
1- الحرية أساس حقوق الإنسان:
يؤكد الإسلام على ضمان الحرية التامة للإنسان طبقا للعقيدة. ويتضح ذلك في قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ (فصلت:41).
والأساس الفلسفي الذي قام عليه مفهوم حقوق الإنسان هو “تكريم الإنسان” بما يمكنه من القيام بدوره في المجتمع وتحقيق تقدم المجتمع من خلال تقدم ورقي الفرد. وهذا الأساس هو نفسه الذي أشار إليه الإسلام في القرآن والسنة واجتهاد العلماء.
إن حرية الإنسان الأساسية وحقوقه، تتكامل مع كمال إنسانيته ونقصانها لها علاقة بالعبودية التي نشأت مع الاستبداد، حتى ترسّخت معانيها في أذهانهم،
فمن واجب كل مسلم أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وأن يطالب المجتمع بإقامة المؤسسات التي تهيئ للأفراد الوفاء بهذه المسؤولية، تعاونا على البر والتقوى، قال تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ [آل عمران: 104] ، كما قرر القرآن الكريم حق الإنسان في إنكار المنكر، ورفض الفساد، والكفر البواح، ومقاومة الظلم، قال تعالى: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون﴾ [هود: 13]. وقال تعالى: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾ (المائدة:78-79).
وقد صرحت قوانين كل الدول بأن؛ “كل دولة تمنح لمواطنيها مجموعةً من الحقوق الأساسية والرئيسية مثل: الحقوق الدينية، والحقوق الاقتصادية، والحقوق الاجتماعية، والحقوق السياسية، وغيرها من الحقوق؛ ويمكن أن تختلف هذه الحقوق حسب قوانين كل دولة، وتجدر الإشارة إلى أن المواطن في أي دولةٍ يجب أن يتمتع بثلاثة أنواعٍ رئيسيةٍ من الحقوق بغض النظر عن عرقهِ أو لونهِ أو لُغته، ويبين الآتي توضيحاً لهذه الحقوق”.
2- كرامة الإنسان والحق في العيش الكريم.
لقد ربط الإسلام كرامة الإنسان بتكريم الله له، لأن رفعة الإنسان وسموه ونيله حقه، تعود إلى تحرره من العبودية، وأن هذا التكريم والتحرر ليس حكراً على طائفة أو فئة معينة، قال عز وجل: “ولقد كرمنا بني آدم” (الإسراء: 70)، ولأن الإنسان بفطرته وبطبعه عزيز وشريف، وينبغي تقديره واحترامه، ولا ينبغي لأي أحد أن يذله أو يهينه أو يقلل من احترامه، بأي شكل من الأشكال، مهما كانت الأسباب، ومهما كانت الظروف.
إن تكريم الإنسان، ورفع الظلم عنه، وتحريرَه من العبودية لغير الله تعالى هو من شريعة الإسلام، يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: الشريعة خاطبت الإنسان، والمنهاج حقق النموذج الإنساني….. فالخطاب القرآني خاطب الإنسان من حيث إنسانيته، خاطبه من حيث فطرته ومخلوقيته. ولا يزال يخاطبه”[1].
فالعيش الكريم هو مبدأ أساسي يضمن للإنسان تلبية احتياجاته الأساسية والعيش بكرامة دون إهانة، ويستند إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يشدد على ضرورة توفير مقومات الحياة اللائقة لكل فرد. يتطلب هذا الحق من الدول والمجتمعات توفير شبكات الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية والتعليم والسكن اللائق، وأن تكون البيئة آمنة وصحية. كما يرتكز على العدل والشورى، وعدم التمييز بين طبقات المجتمع، ويتم تحقيقه عبر التكافل الاجتماعي وضمان وصول الجميع إلى الموارد اللازمة، وتوفير مستلزمات الحياة الكريمة لجميع المواطنين.
3- العلماء ووظيفة الدفاع عن حق المواطن في العيش الكريم:
إن وظيفة العلماء لا تنحصر في “تيسير أمور الدين للمؤمنين، وتفقيههم بشريعتهم حتى يؤدوا الفرض والنفل والعبادات على النحو المطلوب، ليست هذه وظيفتهم فقط، ولكن لابد أن يؤدوا واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك الدفاع عن حق المواطنين في العيش الكريم، والدفاع عن كرامتهم، لأن تكريم الإنسان، وإنصافه، ورفع الظلم عنه، وتحريرَه من العبودية لأخيه الإنسان من الديبن.
أين علماؤنا اليوم من واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إضافة إلى الأمانات التي أناطهم الشرع وطوّقهم بها، وهي: أمانة الدين، وأمانة الشريعة، وأمانة التبليغ، وأمانة الأسوة، وأمانة الشهادة. فمن حق كل فرد في الأمة، وخاصة العلماء منهم؛ أن يعلم بما يجري في حياته من شؤون تتصل بالمصلحة العامة للمجتمع، وعليه أن يسهم فيها بقدر ما تتبح له قدرته ومواهبه إعمالا لمبدأ الشورى، قال تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ (الشورى:28)، من جهة، والتعاون على البر والتقوى من جهة أخرى، قال عز وجل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة:5).
خاتمة:
إن هذه الحقوق العظيمة هي لـبّ مقاصد الشريعة، وقد ارتقى بها الإسلام من مرتبة الحقوق إلى مرتبة الفرائض والواجبات، لأن ما كان من الحقوق يمكن لصاحبه أن يتنازل عنه، أما الواجبات المفروضة فلا يجوز التنازل عنها (القرضاوي،2000، ص74).
فالكرامة الإنسانية تجعل كل الإنسان يشعر كونه مخلوق عزيزا ومحترما. وكل شيء يقلل من كرامة الإنسان هو يتناقض مع مبدأ العزة والشرف والاحترام. وفي المقابل فإن كل إنسان يتمتع بهذه القيمة يجب عليه أن يحترم كرامة الآخرين، في تصرفاته ومعاملاته.
وأساس هذه الحقوق؛ العيش الكريم بتوفير مقومات الحياة اللائقة لكل فرد. وهذا يتطلب من الدول والمجتمعات توفير الرعاية الصحية والتعليم والسكن اللائق، الضمان الاجتماعي، ويتم تحقيقه عبر التكافل الاجتماعي، وتوفير مستلزمات الحياىة الكريمة لجميع المواطنين.
والحمد لله رب العالمين.
[1] – محنة العقل المسلم، للأستاذ عبد السلام. (مؤسسة التغليف للطباعة والتوزيع، الطبعة الأولى. الدار البيضاء. ص:32.