منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

علاقة القصص القرآني بالدعوة المحمدية عند الجابري

0

لقد رأينا كيف أن الجابري سقط[1] سقطة لم يقم منها عندما أنكر العلاقة بين القصص القرآني و بين الحقائق التاريخية ، بل ذهب إلى أن كل الحوارات التي جرت بين الأنبياء السابقين وأقوامهم هي كالحوارات التي جاءت في القرآن بين أصحاب الجنة و أصحاب النار، فكما أن هذه لم تقع بعد و” قد لا تقع أصلا !!” فكذلك ومثال، فإن الحوارات والصراعات بين الأنبياء و أقوامهم بل بين الحق و الباطل عموما لم تقع قط، وكأن التاريخ البشري يعاني من صمت مطبق لا حركة فيه ولا سكون، وإنما هو عدم محض، وهذا ما تكذبه أحداث التاريخ البشري المتوالية والمتجددة ليل نهار دون انقطاع، مصداقا لقوله تعالى: » وَلَوْلاَ دِفَاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الاَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ«[2].

هذا المنظار الذي ينظر به الجابري إلى القصص القرآني أدى به إلى مجموعة من الإسقاطات و التجاوزات في فهم كتاب الله تعالى، و القول على الله بغير علم، وأصبح ذكر نوح و قومه، و إبراهيم و قومه، و موسى و قومه، و عيسى و قومه، مجرد رموز و علامات المراد بها أشخاص آخرون موجودون على هذه الأرض، يقول الجابري في تعليقه على سورة القصص :  » أما موضوع هذه السورة ) القصص ( التي نحن ضيوف عليها، ثالثة الطواسين ، فهو بيان كيف أن الله يريد أن يمن و ينعم على الذين استضعفوا و يجعلهم أئمة و يجعلهم الوارثين ، يمكن لهم في الأرض . و قد اتخذت السورة من قصة موسى مع فرعون و سيلة لهذا البيان و دليلا تاريخيا على صدق و حتمية تحقيقه « [3]، هكذا يصبح لسورة القصص عند الجابري هدف واحد ووحيد هو بيان كيف أن الله يريد أن يمن وينعم على الذين استضعفوا من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه و سلم – ويجعلهم أئمة و يجعلهم الوارثين ، و يمكن لهم في الأرض، هذا على مستوى الهدف، أما على مستوى الوسيلة فهي قصة موسى مع فرعون، فموسى هنا – حسب زعم الجابري –  ليس له وجود تاريخي و إنما هو رمز لمحمد بن عبد الله، وفرعون كذلك مجرد رمز لطغيان الوليد بن المغيرة و من معه وليس له و جود في التاريخ البشري، لأن »القصص في القرآن هي ، كما أشرنا ، للعبرة والذكرى و من أجل ضرب المثل ، و بالتالي فهي مجال للمماثلة، فموسى هنا كمثل محمد صلى الله عليه و سلم، وفرعون كمثل الوليد بن المغيرة و غيره من أغنياء قريش « [4] .

و عندما يجعل الجابري ورود القصص القرآني لمجرد العبرة و الذكرى و من أجل ضرب المثل فإنه يذهب في هذا الاتجاه بعيدا، ويحرص على أن يكون التطابق تاما بين القصص القرآني و بين أحداث السيرة النبوية ولو أدى ذلك إلى التشكيك في الأخبار الصحيحة.

هذا ما فعله الجابري مع الخبر الوارد عن عروة بن الزبير رضي الله رحمه الله تعالى، قال: سألت ابن عمرو بن العاص : أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ” بينا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة ، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط ، فوضع ثوبه في عنقه، فخنقه خنقا شديدا ” فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه، ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله…، الآية “[5].

هذه الرواية ذكرها البخاري في صحيحه ثلاث مرات، مرة في كتاب التفسير، ومرتين في كتاب المناقب، ومع ذلك ردها الجابري بسبب يكاد يكون مضحكا – لولا أنه مبكي – يقول الجابري :  »روي أن أبا بكر قرأ آية ” أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ” حين آذى نفر من قريش رسول الله صلى الله عليه و سلم حول الكعبة ، و أن ذلك كان خلال الحملة التي شنتها قريش على النبي و صحبه ، و قد ذكرنا ذلك قبل . و لكن السياق يشكك في هذه الرواية لأن القائل ” رَجُلٌ مُّومِنٌ مِّنَ ـ الِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ” فالمماثلة بينه و بين أبي بكر غير مستقيمة . و بالتالي فالراجح أن يكون أحد غير المسلمين من القرشيين المتعاطفين مع النبي هو المقصود « [6].

فالجابري هنا لم يوثق النص بل أورده بصيغة التمريض، وأعتبره سببا لنزول الآية، واشترط لقبول الرواية المماثلة بين رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، و بين رجل من غير المسلمين من القرشيين المتعاطفين مع النبي، رغم أن المماثلة هنا تقتضي أن يكون رجلا مؤمنا من قريش يكتم إيمانه و هذا أمر شبه مستحيل، لأن الذي كانت له القدرة على الدفاع عن النبي بهذا الشكل لن يكتم إيمانه، ثم إن هذه الآية كانت قد نزلت قبل وإنما ذكرها أبو بكر – رضي الله عنه – هنا ليقيم بها الحجة على كفار قريش، ثم إن هذه الرواية صحيحة رغم رد الجابري لها دون دليل علمي صحيح، لأن قبول أو رد الرواية له قواعد و ضوابط لا علم للجابري بها، وليست المماثلة شرطا في صحة الرواية كما أن السياق هنا ليس حجة على بطلان الرواية .

لقد بالغ الجابري في مجانبة الصواب إلى درجة إنكار وقائع تاريخية مؤكدة، منها قصة أبي بكر – رضي الله عنه – التي ذكرناها آنفا و بحجج  واهية، ودليله أن القصص القرآني إنما سيق للعبرة و الذكرى، وبالتالي فلا بد من وجود المماثلة بينه و بين أحداث السيرة النبوية.

وقد انتقل هذا الفهم عند الجابري من القصص القرآني المتعلق بالأمم السابقة إلى القصص القرآني الذي يتحدث عن وقائع جرت زمن رسول الله صلى الله عليه  وسلم، ففي تعليقه على حدث انتصار الروم على الفرس يسعى إلى ربط هذا الحدث ربطا مباشرا و متعسفا بالوضع الذي كان فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه الكرام، بدليل  » أن الصراع بين الروم و الفرس دام قرونا قبل البعثة المحمدية كانت الحرب بينهما سجالا، وقد جرت بين الإمبراطوريتين عدة معارك منذ بداية نبوة الرسول صلى الله عليه و سلم حتى نزول سورة الروم في السنة الثالثة عشر للنبوة ، و لم يشر القرآن إلى أي منها بشيء ! «[7] ، وهذا الكلام يكاد يكون مقبولا لولا أنه تشم منه رائحة نفي الإعجاز عن القرآن الكريم، فالجابري يرى أن الله تعالى عندما تحدث عن انتصار الروم في قوله تعالى :  » غُلِبَتِ الرُّومُ  فِي أَدْنَى الاَرْضِ وَهُم مِّنم بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ  فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الاَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنم بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُومِنُونَ  بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَّشَآءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [8]«، لم يكن يقصد الروم، لأن انتصار الروم على الفرس حدث تاريخي عادي و » القرآن ليس كتاب تاريخ ، ولا يهتم بالحوادث في تسلسلها عبر الزمن البشري ، فزمان القرآن زمان خاص ، و الحقيقة التاريخية التي يتحدث عنها – مثل قصص الأنبياء – هي حقيقة قرآنية ، و ليست حقيقة تاريخية…و إذن فتفكيرنا يجب أن يتجه إلى التماس ما عبرنا عنه بالحقيقة القرآنية ، و ليس إلى شيء آخر« [9]، فما هي الحقيقة القرآنية المضمنة في هذه الآيات؟.

يجيب الجابري عن هذا السؤال بمنهجه الإسقاطي المعروف، والذي يراد به هنا نفي الإعجاز عن القرآن الكريم، لأن » الحقيقة القرآنية التي تؤكدها الآيات التي أشارت إلى انهزام الروم وبشرت بانتصارهم بعد بضع سنين تعبر عنها الآيات التي تلت تلك الإشارة، وهي قوله تعالى :  ” وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُومِنُونَ  بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَّشَآءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ “[10]  [11]«، وبما أن المؤمنين – حسب زعم الجابري – لن يفرحوا إلا بنصر يتعلق بهم هم، لا بنصر يتعلق بغيرهم فإن الروم المذكورين في هذه الآيات التي تتضمن حقائق قرآنية وليس حقائق تاريخية لا وجود لهم في الواقع، ويصبح معنى الآية – عند الجابري – هو أنه » كان المسلمون مغلوبين على أمرهم طيلة السنوات التي مرت من الدعوة المحمدية ، اضطهدوا وعذبوا و اضطروا إلى الهجرة إلى الحبشة، و حوصر النبي صلى الله عليه و سلم وأهله في شعب أبي طالب…الخ . و اليوم و قد تحالف النبي صلى الله عليه و سلم مع أهل يثرب و تمت بيعة العقبة الثانية التي سماها بعض المؤرخين ببيعة ” الحرب ” ، وأخذ المسلمون يغادرون مكة إلى المدينة أرسالا أرسالا ،  و لم يبق إلا الإذن للنبي صلى الله عليه و سلم بالهجرة و القتال ، يأتي انهزام الروم في معركة من معاركهم مع الفرس فرصة للتذكير…لقد قرب وقت الهجرة إلى المدينة، وسيقوم المسلمون الذين أخرجوا من ديارهم قهرا و عسفا برد الظالم عن ظلمه، وسينتصرون كما سينتصر الروم في جولة قادمة « [12].

وحتى هذا النصر الذي سيحظى به المؤمنون ليس – في فهم الجابري – لإيمانهم بالله أو استحقاقا على صبرهم في ذات الله، كلا، بل » لأن الحياة أزواج ، ومن كل شيء زوجين، ولا يمكن أن يكون النصر للفرس مرتين متتاليتين « [13] .

لقد حول الجابري القصص في القرآن الكريم إلى مجرد سرد تاريخي للسيرة النبوية، وكل ما ورد فيه من قصص يجري مجرى الأمثال ، لأخذ العبرة ، و العظة ، و ليس له أي وجود حقيقي في التاريخ البشري، ثم ذهب إلى أن الغرض من القصص القرآني هو المماثلة للدعوة المحمدية، فإذا ذكر في القرآن نوح أو إبراهيم أو موسى أو عيسى فالمقصود هو محمد صلى الله عليه و سلم، وإذا ذكر فرعون فالمقصود هو الوليد بن المغيرة و من معه من أغنياء قريش وهلم جرا، وثالثة الأثافي التي أتم بها الجابري هذا التخبط و العبث  زعمه أن تكرار القصة الواحدة في القرآن الكريم سببه تعدد المخاطبين، وعدم وجود نُسخ مما نزل من القرآن الكريم توزع على الناس، وكأن القرآن كان يضيع بمجرد نزوله، وبعد أن يخاطب به كفار قريش مثلا، فإذا جاء وفد آخر من خارج مكة احتيج إلى نزول قرآن جديد، وفي هذا  يقول الجابري: » و الواقع أن القرآن يوم ذاك لم يكن مجموعا في مصاحف يمكن أن توزع على الناس في كل مكان و زمان ، فيغني ذلك عن تكرار النزول « [14]، فما مدى صحة هذه المزاعم التي جاء بها الجابري ؟ و هل هناك حجج تدعم هذه الأقوال ؟ و إذا لم تصح كل هذه المزاعم فما هو الصواب الذي تطمئن له قلوب المؤمنين في هذا الموضوع ؟ و ما هي علاقة القصص القرآني بالدعوة المحمدية ؟ .

[1] و ما أكثر سقطات الجابري فقط هذه واحدة من سقطات لا تعد و لا تحصى .

[2] سورة البقرة ، الآية 251 .

[3] فهم القرآن القسم الأول ، ص 339 .

[4] العقل السياسي العربي ، ص 74 .

[5] رواه البخاري ، كتاب المناقب ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : لو كنت ، حديث : 3496 .

[6] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 104 .

[7] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 347 .

[8] سورة الروم ، الآية 2 – 5 .

[9] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 347 .

[10] سورة الروم ، الآية 4 – 6 .

[11] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 347.

[12] نفس المرجع ، ص 347 – 348 .

[13] نفس المرجع ، ص 348 .

[14] نفس المرجع ، ص 204 .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.