العلاقة بين كل من مقاصد الشريعة والعلل والحكم والمصالح
محمد مصباح
العلاقة بين كل من مقاصد الشريعة والعلل والحكم والمصالح
بقلم: محمد مصباح
كثيرا ما تتداخل بعض المصطلحات مع مصطلح مقاصد الشريعة، خاصة مصطلحات العلة والحِكمة والمصلحة، حتى عد البعض هذه الأخيرة من مرادفات مقاصد الشريعة. وسنحاول من خلال هذا البحث أن نبين علاقة هذه المصطلحات بمصطلح مقاصد الشريعة.
تعريف مقاصد الشريعة:
مقاصد الشريعة هي اسم لعلم من علوم الشريعة الإسلامية، وهو مركب لفظي مكون من لفظين هما: لفظ مقاصد ولفظ الشريعة.
ولمعرفة دلالة هذا المصطلح يجب تعريف كل لفظ من اللفظين المركب منهما هذا الاسم ثم بعد ذلك نعرف المركب وهو: مقاصد الشريعة.
تعريف المقاصد لغة[1]:
المقاصد جمع مقصد، والمقصد مصدر ميمي مشتق من الفعل قصد؛ فيقال: قصد يقصد قصدا، وعليه فإن المقصد له معان لغوية كثيرة منها:
- استقامة الطريق، ومنه قوله تعالى:﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ٩﴾[النحل: 9].
- العدل والتوسط وعدم الإفراط والتفريط؛ قال تعالى:﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾[لقمان: 19] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “القصد القصد تبلغوا”[2].
- الاعتماد والأَمُّ وإتيان الشيء على اعتدال كان أو جور، وإن كان يُخص في بعض المواضع بقصد الاستقامة دون ميل.
تعريف الشريعة لغة:
الشريعة في اللغة تطلق على مورد الماء، كما تطلق على الدين والملة والطريق والمنهاج والسنة.
ووجه إطلاق الشريعة على منبع الماء ومصدره، أن الماء مصدر حياة الإنسان والحيوان والنبات، وأن الدين الإسلامي مصدر حياة النفوس وصلاحها وتقدمها وسلامتها في الدنيا والآخرة؛ فالشريعة الإسلامية مصدر كل الخير والرخاء والسعادة في العاجل والآجل، في المعاش والمعاد، قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾[الأنفال: 24][3]
التعريف الاصطلاحي لمقاصد الشريعة:
لم يوجد عند العلماء المتقدمين تعريف واضح أو محدد أو دقيق لمقاصد الشريعة، وإنما وجدت كلمات وجمل لها تعلق ببعض أنواعها وأقسامها، وببعض تعبيراتها ومرادفاتها، وبأمثلتها وتطبيقاتها، وبحجيتها وحقيقتها.[4] أما المعاصرون فقد ذكروا تعريفات تتقارب في جملتها من حيث الدلالة على معنى المقاصد ومسماها.
ويمكن أن نجمل مختلف التعبيرات لكلمة مقاصد الشريعة التي استعملها العلماء قديما وحديثا ليعبروا بها على مراد الشارع ومقصود الوحي ومصالح الخلق فيما يلي[5]:
- فقد عُبر عن المقاصد عندهم بالحكمة المقصودة بالشريعة من الشارع.
- وعُبر عنها بمطلق المصلحة، سواء أكانت هذه المصلحة جلبا لمنفعة أو درءا لمفسدة، أم كانت مصلحة جامعة لمنافع شتى، أم كانت تخص منفعة معينة.
- وعُبر عن المقاصد كذلك بنفي الضرر ورفعه وقطعه.
- وعُبر عنها أيضا بدفع المشقة ورفعها.
- وبرفع الحرج والضيق، وتقرير التيسير والتخفيف.
- ويُعبر عنها بالكليات الشرعية الخمس الشهيرة: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. إلى غير ذلك من التعبيرات.
أما عند المعاصرين:
- فقد عرفها الشيخ الطاهر بن عاشور بقوله: ” مقاصد التشريع العامة هي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة، فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغاياتها العامة، والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها…ويدخل في هذا أيضا معان من الحِكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها”[6].
- وعرفها الأستاذ علال الفاسي بقوله: “المراد بمقاصد الشريعة: الغاية منها، والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها”[7].
- وعرفها الدكتور أحمد الريسوني بقوله: “إن مقاصد الشريعة هي الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد”.
- وعرفها الدكتور نور الدين الخادمي بقوله: “هي المعاني الملحوظة في الأحكام الشرعية، والمترتبة عليها، سواء أكانت تلك المعاني حِكما جزئية أم مصالح كلية أم سمات إجمالية، وهي تتجمع ضمن هدف واحد هو تقرير عبودية الله ومصلحة الإنسان في الدارين”[8].
العلل وعلاقتها بمقاصد الشريعة:
العلة لغة هي المرض. واصطلاحا هي الوصف الظاهر المنضبط الذي يحصل من ترتيب الحكم عليه مصلحة.
فكونه ظاهرا أي ليس خفيا، وكونه منضبطا أي لا يتغير بتغير الأشخاص ولا الأحوال ولا الظروف.
ومثاله: “الاسكار”: فهو وصف ظاهر منضبط ترتب عليه تحريم المسكِر لمصلحة حفظ العقل والمال. وهذا معنى قولنا: يحصل من ترتب الحكم عليه مصلحة حفظ المال والعقل.
ومثاله كذلك: “السفر”: فهو وصف ظاهر منضبط ترتب عليه حكم قصر الصلاة والافطار في الصوم، المصلحة من كل ذلك هي رفع الحرج عن المكلف والتخفيف عنه.
ومثاله أيضا: “السرقة”: فهي وصف ظاهر منضبط ترتب عليه حكم قطع يد السارق لمصلحة حفظ المال.
إذاً العلة هي الوصف المعرف للحكم والمؤدي إليه.
العلاقة بين العلة ومقاصد الشريعة:
يتبين مما سبق أن العلة هي سبب الحكم وسبيله الذي يؤدي إليه، وتكون المقاصد هي المصالح المترتبة على الحكم المبني على العلة.
أما أبرز الفروق بين المقاصد الشرعية والعلل فهي:
- أن المقاصد هي الغاية المقصودة من تشريع الحكم، وهي ما يفضي إليه الحكم من جلب المصالح ودفع المفاسد، بينما العلة ليست باعثة على تشريع الحكم، ولا هي غاية مقصودة منه، إنما هي لربط الحكم بها وجودا وعدما.
- أن المقاصد يترتب حصولها على ترتيب الحكم على علته وسببه، فهي ناشئة عن الحكم ومتأخرة عليه، بينما العلة يترتب عليها الحكم، وهي متقدمة عليه في الحصول.
- كما أن المقاصد قد تكون خفية وغير منضبطة، بينما يشترط في العلة أن تكون ظاهرة ومنضبطة، لأن الحكم لا يمكن ربطه بها إلا بذلك.
الحِكم وعلاقتها بمقاصد الشريعة:
الحكمة هي ما يترتب على التشريع من جلب مصلحة وتكميلها، أو دفع مفسدة وتقليلها. وتطلق الحكمة أحيانا على المقصد الجزئي، كحكمة النهي عن بيع المعدوم نفيا للجهالة وإبعاد الغرر والضرر عن المشتري، وحكمة النظر إلى المخطوبة وهي حصول الألفة وإدامة العشرة وتحقيق الارتياح. وقد تطلق الحكمة أيضا للدلالة على المقصد الكلي أو المصلحة الإجمالية؛ كمصلحة حفظ النفس، وتحقيق التيسير ورفع الحرج، وتقرير عبادة الله والامتثال إليه، فنقول بأن الحكمة من بعثة الرسل والأنبياء وتشريع الشرائع هي عبادة الله واجتناب الطاغوت، ونعني بتلك الحكمة مجموع المصالح العامة والمقاصد الكلية.
من هنا يتبين أن المقاصد والحكم يترادفان ويتماثلان في أغلب الأحيان.
المصلحة وعلاقتها بمقاصد الشريعة:
المصلحة هي المنفعة وهي ضد المفسدة والمضرة. وهي كل ما فيه صلاح ونفع للخلق في الدنيا والدين، سواء كانت مصلحة فردية أو جماعية، مادية أو معنوية، آنية أو مستقبلية.
وكثيرا ما يختلط مفهوم المقاصد بالمصلحة في الاستعمال، فيذكر أحدهما بمعنى الآخر، لذلك خص الطاهر بن عاشور فصلا في كتابه “مقاصد الشريعة” للتعريف بالمصلحة، فقال أن المصلحة هي: “وصف للفعل يحصل به الصلاح، أي النفع به دائما أو غالبا للجمهور أو للآحاد”[9]. وعرفها الغزالي بقوله: “أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة”، وقد وضح الغزالي مراده من هذا التعريف بقوله: “ولسنا نعني به ذلك فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة”[10].
وتنقسم المصلحة إلى أقسام متعددة بحسب الاعتبارات التي ينظر بها إليها، وسنقتصر هنا على أقسام المصالح باعتبار موافقتها للشرع ومخالفتها له حيث تنقسم إلى مصالح شرعية وأخرى غير شرعية.
فالمصالح الشرعية هي التي تستند إلى أدلة الشريعة، ولا تعارض نصا ولا دليلا ولا إجماعا؛ كمصلحة حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. ومن خاصيات هذه المصلحة أنها غير محصورة بالدنيا ومتاعها، بل تشمل الدنيا والآخرة، وتشمل الجسد والروح، والفرد والمجتمع.
وأما المصالح غير الشرعية فهي التي لا تستند إلى الشرع، وإنما تنبثق من نزوات النفس وأهوائها وشهواتها مثل تحقيق مصلحة إمتاع النفس بالشهوة بالطرق المحرمة.
يتضح مما سبق أن لا فرق بين المصالح الشرعية ومقاصد الشارع، وأن المقاصد علاقتها بالمصلحة الشرعية علاقة وثيقة، بل هي تمثل أساسا نظريا لها تنبني عليه، وقد أقر فقهاء الإسلام على مر العصور بأن الشريعة مصلحة والمصلحة شريعة، فهي حاضرة في الأصول والقواعد التشريعية.
كان هذا عرضا مجملا عن علاقة مقاصد الشريعة ببعض المصطلحات الأصولية، والذي تبين من خلاله أن العلل تختلف في كثير من الأمور عن المقاصد، ولا يمكن استعمال أحد اللفظين مكان الآخر. بينما المقاصد والحِكم تترادفان وتتماثلان، وأن للمقاصد علاقة وثيقة بالمصالح الشرعية.
[1] – ابن منظور، لسان العرب، دار المعارف، ص:3642 وما بعدها.
[2] – أخرجه البخاري في كتاب الرقائق، باب القصد والمداومة على العمل.
[3] – المكتبة الشاملة، علم المقاصد الشرعية، د. نور الدين الخادمي، مكتبة العبيكان، ط 1، 2001، ص: 14.
[4] – نفس المرجع، ص: 15.
[5] – الاجتهاد المقاصدي حجيته ضوابطه مجالاته، د. نور الدين الخادمي، سلسلة كتاب الأمة، ط: 1، سبتمبر 1998، ص: 48-53.
[6] – المكتبة الشاملة، مقاصد الشريعة الإسلامية، محمد الطاهر بن عاشور، تحقيق: محمد الحبيب بن الخوجة، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية قطر، 2004، ج 3، ص: 165.
[7] – مقاصد الشريعة الإسلامية وكارمها، غلال الفاسي، دار الغرب الإسلامي، ط 5، 1993، ص: 7.
[8] – الاجتهاد المقاصدي حجيته ضوابطه مجالاته، مرجع سابق، ص: 52-53.
[9] – مقاصد الشريعة الإسلامية، محمد الطاهر بن عاشور، مرجع سابق، ج 3، ص: 200.
[10] – المكتبة الشاملة، المستصفى، أبو حامد الغزالي (ت 505هـ)، تحقيق محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، ط1، 1993، ص:174.