منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القرآن ودور الإنسان في حركة التاريخ (الجزء2)

د. فؤاد هراجة

0

القرآن ودور الإنسان في حركة التاريخ (الجزء2)

بقلم: د. فؤاد هراجة

 القرآن ودور الإنسان في حركة التاريخ (الجزء1) 

القرآن الكريم لم يطرح نفسه بديلا عن قدرة الإنسان الخلاقة ومواهبه وقابلياته في مقام الكدح في كل ميادين الحياة، بما في ذلك ميدان المعرفة والتجربة، وإنما أنزله الله تعالى طاقة نورانية روحية موجهة للإنسان، مفجرة لطاقاته، محركة له في المسار المستقيم. من هنا لا نترقب من القرآن الكريم أن يكشف لنا الحقائق والمبادئ العامة للعلوم البحثة، ولا نترقب منه أن يتحدث لنا عن مبادئ الفيزياء والكيمياء أو النبات أو الحيوان. صحيح أن في القرآن الكريم إشارات إلى كل ذلك، ولكنها إضاءات بالحدود التي تؤكد على البعد الإلهي للقرآن الكريم، والقدر الذي يمكن أن يثبت العمق الرباني لهذا الكتاب الذي أحاط بالماضي والحاضر والمستقبل، والذي استطاع أن يسبق التجربة البشرية مئات السنين في مقام الكشف عن حقائق متفرقة في ميادين علمية متفرقة، لكن هذه الإشارات القرآنية، إنما هي لأجل غرض إرشادي توجيهي للعقل والقلب، لا من أجل تعليم الفيزياء والكيمياء والرياضيات والفلك… .

من هذا المنظور، لماذا ننتظر من القرآن الكريم أن يعطينا توجيهات دقيقة، أن يعطينا مواقف، أن يبلور لنا مفهوما عمليا أو معادلات دقيقة في سنن التاريخ على هذه الساحة من ساحات الكون، بينما نقر ونؤكد أن ليس للقرآن الكريم مثل ذلك على الساحات العلمية الأخرى. والجواب، أنه لا حرج على القرآن في أن لا يكون له ذلك على ساحات العلوم الكونية الأخرى. لأن القرآن الكريم لو صار في مقام استعراض قوانين العلوم الكونية والكشف عن حقائقها، لتحول إلى كتاب نوعي، أي من كتاب للبشرية جمعاء، إلى كتاب للمتخصصين لا يُدرَّسُ إلا في حلقات ودوائر خاصة.
بالتالي، قد يُورِد علينا منتقد نفس الاعتراض ونحن بصدد عملية اكتشاف نظرية قرآنية عامة حول السنن التاريخية في كتاب الله تعالى. إلا أن هذه الملاحظة الوجيهة، رغم أن الروح العامة فيها صحيحة، بمعنى أن القرآن الكريم ليس كتاب اكتشاف لنظريات العلوم الكونية، ولم يطرح نفسه ليُجَمِّد في الإنسان طاقات النمو والإبداع والبحث، وإنما هو كتاب هداية. ولكن مع هذا، يوجد فرق جوهري بين الساحة التاريخية وبقية ساحات الكون، وهذا الفرق الجوهري يجعل من هذه الساحة ومن سننها أمرا مرتبطا أشد الارتباط بوظيفة القرآن ككتاب هداية، خلافا لبقية الساحات الكونية الأخرى للمعرفة البشرية، وذلك أن القرآن الكريم كتاب هداية، ولكن هذه الهداية تمثل عملية تغيير فاعلة ومؤثرة في حركة التاريخ من خلال ما عُبِّرَ عنها في القران الكريم بأنها عملية إخراج للناس من الظلمات إلى النور. وعملية التغيير هذه فيها جانبان:

الجانب الأول: جانب المحتوى والمضمون، ما تدعو إليه هذه العملية التغييرية من أحكام، وما تتبناه من تشريعات، فهذا الجانب من عملية التغيير جانب رباني سماوي، يمثل شريعة الله سبحانه، التي نزلت على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وتحدت بنزولها عليه كل سنن التاريخ المادية، لأن هذه الشريعة كانت أكبر من المناخ السياسي والاجتماعي الذي نزلت عليه، وأكبر من البيئة التي حلت فيها، ومن الفرد الذي كلف بحملها والقيام بأعباء تبليغها.

الجانب الثاني: وهو الجانب الآخر لعملية التغيير التي مارسها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأطهار رضوان الله عليهم، هذه العملية حينما ننظر إليها بوصفها عملية اجتماعية متجسدة في جماعة من الناس وهم الرسول وصفوة الصحابة، وبوصفها عملية قد واجهت تيارات اجتماعية مختلفة من حولها، واشتبكت معها في ألوان من الصراع والنزاع العقائدي والاجتماعي والسياسي والعسكري، حينما تؤخذ هذه العملية التغييرية بوصفها تجسيدا بشريا واقعا على الساحة التاريخية، مترابطا مع الجماعات والتيارات الأخرى التي اكتنفها هذا التجسيد، والتي تؤيد أو تقاوم هذا التجسيد، من هذه الزاوية تكون عملية بشرية، ويكون هؤلاء أناس كسائر الناس تتحكم فيهم إلى درجة كبيرة سنن التاريخ التي تتحكم في بقية الجماعات وبقية الفئات على مر الزمن. ولا نقصد بسنن التاريخ غير ما وضعه الله من نظام في كونه وكتبه على نفسه وقال فيه بعبارتين واضحتين لا تقبلان أي تأويل: “ولن تجد لسنة الله تحويلا”، “ولن تجد لسنة الله تبديلا”.

إذن عملية التغيير التي مارسها القرآن الكريم ومارسها النبي صلى الله عليه وسلم لها جانبان من حيث صلتها بالوحي والشريعة، هي ربانية فوق التاريخ، ولكن من حيث كونها عملا قائما على الساحة التاريخية، ومن حيث كونها جهدا بشريا يقاوم جهودا بشرية أخرى، تعتبر عملا تاريخيا تحكمه سنن التاريخ، وتتحكم فيه الضوابط التي وضعها الله سبحانه لتنظيم ظواهر الكون في الساحة المسماة بالساحة التاريخية، ولهذا نرى القرآن الكريم حينما يتحدث عن الجانب الثاني من عملية التغيير يتحدث عن أناس بوصفهم بشر من البشر، تتحكم فيهم القوانين التي تتحكم في الآخرين. فحينما أراد القرآن أن يتحدث عن انكسار المسلمين في غزوة أُحد بعد أن أحرزوا ذلك الانتصار الحاسم في غزوة بدر، هل قال بأن رسالة السماء خسرت معركة أحد بعدما ربحت غزوة بدر؟ أبدا لم يقل القرآن الكريم ذلك، لأن رسالة السماء فوق مقاييس النصر والهزيمة بالمعنى المادي، ولكن الذي يُهزَم هو الإنسان، الإنسان حتى ولو كان مجسدا لرسالة السماء، لأن هذا الإنسان أَخَلَّ بسنن التاريخ التي تتحكم في المقدمات والنتائج تحت مبدأ مُفاده ” وتلك الأيام نداولها بين الناس”. هنا يتكلم الحق سبحانه عن أهل الرسالة بوصفهم أناس من الناس؛ فالمسلمون انتصروا في بدر حينما توفرت الشروط الموضوعية للنصر بحسب منطق سنن التاريخ القرآنية التي تفرض أن ينتصروا، فجاءهم المدد الملائكي وتدخلت الإرادة الإلهية لا لتخرق السنن التاريخية وإنما لتؤكدها بااستكمال الشروط الموضوعية المحققة لها “إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ”، “إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ۚ سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلْأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍۢ”. لم يكن هذا المدد محاباة لهم بل تأكيدا لاستحقاق سُنَّةِ النصر بعد استنفاذ الأسباب لتنزيلها في الواقع. لكنهم في المقابل خسروا المعركة في أحد حينما كانت الشروط الموضوعية للخسارة بحسب نفس المنطق في معركة أحد تفرض عليهم يخسروا المعركة “إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِين * وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِين.

القرآن يقول لنا بلسان الحال لا تتخيلوا أن النصر حق إلهي محض لكم، وإنما النصر حق طبيعي لكم، بقدر ما يمكن أن توفروا الشروط الموضوعية لهذا النصر بحسب منطق سنن التاريخ التي وضعها الله سبحانه وتعالى كَوْنِيا لا تشريعيا، وحيث إنكم في غزوة أُحد لم تتوفر لديكم هذه الشروط، خسرتم المعركة. والكلام هنا مع البشر، مع عملية بشرية لا مع رسالة ربانية. بل إن القرآن الكريم يذهب إلى أكثر من ذلك، يهدد هذه الجماعة البشرية التي كانت أنقى وأطهر جماعة على مسرح التاريخ بأنها إذا لم تقم بدورها التاريخي، وإذا لم تكن في مستوى رسالة السماء، فإن هذا لا يعني أن تتعطل رسالة السماء، ولا يعني أن تسكت عنهم سنن التاريخ، بل إنها سوف تُفَعِّلُ في حقهم سنة ثابتة من سنن التاريخ وهي سُنَّةُ “الاستبدال” أي أن سنن الله في التاريخ سوف تعزلهم وتأتي بقوم آخر جدير بإعداد الظروف الموضوعية لتنزيل قدر الله وتمكينه ونصره مصداقا لقوله تعالى “إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْـًٔا ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ”، وقوله سبحانه “يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ”.
وعليه، فالقرآن الكريم إنما يتحدث من خلال الجانب الثاني في عملية التغيير، مع البشر في ضعفه وقوته، في استقامته وانحرافه، في توفر الشروط الموضوعية له وعدم توفرها. من هنا يظهر بأن البحث في سنن التاريخ، مرتبط ارتباطا عضويا شديدا بكتاب الله بوصفه كتاب هدى، بوصفه إخراجا للناس من الظلمات إلى النور ، لأن الجانب العملي البشري والتطبيقي من هذه العملية، يخضع لسنن التاريخ، فلابد إذن أن نستلهم، ولابد أن يكون للقرآن تصورات وعطاءات في هذا المجال، لتكوين إطار عام للنظرة القرآنية والإنسانية عن سنن التاريخ.

يتبع…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.