مقررات “وثيقة الرباط” بين الإعمال والإهمال
الأستاذ عثمان غفاري
مقدمة:
بمبادرة من “الرابطة المحمدية لعلماء المغرب” و“رابطة العالم الإسلامي”، نظم بفندق “ريتز كارلتن دار السلام” بمدينة الرباط، مؤتمر دولي في موضوع “الإيمان في عالم متغير”، وذلك يومي 15 و16 من أكتوبر الجاري.
مؤتمر شهد حضوراً لافتاً لممثلين عن مختلف الأديان، ويندرج -وفق تصريحات المنظمين- في إطار الاهتمام بالمتغيرات المستجدة في القضايا المعاصرة، التي تتطلب استجلاء أفضل السبل الممكنة لتهيئة المناخ الملائم لبث الإيمان وتجديده في النفوس؛ ويسعى المؤتمر بحسب تصريحات منظميه لتحقيق رخاء المجتمعات وسلام العالم وتآلف مكوناته، وكذا مدارسة الإجراءات الفعالة للتّحصين من الأفكار السلبيّة، والتعامل البناء مع المتغيرات والتحديات التي يواجهها العالم اليوم وتهدد السلم والأمن والتعايش والتسامح بين الشعوب وأتباع الأديان كافة.
ولبلوغ كل تلك الأهداف، تضمن البرنامج العام للمؤتمر عقد خمس جلسات علمية، وثلاث ورشات حوارية، تم خلالها عرض ومناقشة عدة مداخلات في المحاور التالية: الإلحاد في السياق المعاصر؛ الإيمان في ضوء التكنولوجيا المعاصرة؛ الطفرة الرقمية وظهور المؤثرين الجدد في التدين؛ مكانة النظريات الفلسفية والمعرفية في تشكيل المفاهيم والتاريخ؛ البناء الإيماني: الواقع والاستشراف؛ الاعتقاد والقضايا الحارقة في عالم متغير؛ الإيمان في عالم اليوم ووظيفية الأبعاد التمثلية والمعرفية والفكرية؛ الإيمان في عالم متغير، الأبعاد العلائقية والأنساق الاجتماعية؛ وختتم المؤتمر بتلاوة “وثيقة الرباط: الإيمان في عالم متغير”، والتي خلصت إلى 14 توصية عملية، ودعت إلى تأسيس هيئة إنسانية إيمانية رائدة تحت مسمى “المرصد الدولي لدلائل الإيمان ومواجهة الشبهات”، تهتم بترسيخ مبادئ الإيمان وتعزيز قيمها الأخلاقية، مع رصد الشبهات المثارة والأجندات المشبوهة للفوضى التحررية، والعدمية الإلحادية، والعبثية المجتمعية، من خلال كتابات مستوعبة وندوات متخصصة، يُستكتب لها ذوو التميز والإجادة، وتوظّف لإنجاح أهدافها وإيصال رسالتها: الوسائل الرقمية والإعلامية الحديثة، وينشر عن أعمالها ومنجزاتها تقرير سنوي باللغتين العربية والإنجليزية، لتكون مرجع اهتداء فكري ومعلم إرشاد إيماني، تساعد الإنسان على التعامل الأقوم مع المستجدات المتسارعة والمتغيرات الكبرى في وطنه وعالمه.
وإذ نعلن اتفاقنا المبدئي مع كثير مما ورد في وثيقة الرباط من توجيهات وتوجهات هي محط إجماع، لا يختلف حولها اثنان ولا ينتطع حولها عنزان، إلا أننا سنتساءل معكم في هاته السطور القليلة حول مدى مصداقية المنظمين(ات) لهذا المؤتمر، وقدرتهم على إعمال هذه التوصيات وعدم إهمالها، كل ذلك من خلال سياقات ومؤشرات سابقة، ودلائل وقرائن لاحقة، والله نسأل أن يرزقنا وإياهم تصحيح القصد، وتجديد العهد وإعداد العدد، لتصير هذه التوصيات واقعا مفعلا، وأعمالا مجسدة، لا مجرد شعارات رنانة، وخطابات براقة، ونداءات ووثائق مدبجة تبقى حبرا على ورق، لن يكتب لها أن ترى النور لغياب الإرادة لدى أصحابها والرعاة الساميين الواقفين وراء تنظيم وتمويل مثل هذه المؤتمرات.
القرينة الأولى: الجهات المنظمة
كما سبقت الإشارة في التقديم، نظم المؤتمر من قبل الرابطة المحمدية لعلماء المغرب، وبالتنسيق مع رابطة العالم الإسلامي، وشارك في المؤتمر نخبة من العلماء والباحثين والقيادات الدينية والخبراء من المملكة المغربية -الراعية للمؤتمر- ومن باقي دول العالم، من أبرزهم الشيخ محمد بن عبد الكريم العيسى الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، والدكتور أحمد عبادي الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، والشيخ عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيّه رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، ومنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، ومحمد يسف الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، وسيرج بيرديغو الأمين العام لمجلس الطوائف اليهودية، والكاردينال كريستوبال لوبيز روميرو رئيس أسقفية الرباط، والدكتور عبد الحميد عشاق مدير دار الحديث الحسنية، والدكتور قطب مصطفى سانو الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدولي في جدة، وغيرهم كثير، لكن الملاحظ أن مواقف الجهتين المنظمتين، وكثير من الجهات الحاضرة المحاضرة، وكذا المؤسسة المحتضنة الراعية، مواقف مخزية، تتسم بالتناقض وعدم الاستقلالية في التعامل مع القيم الإنسانية التي أقرتها وثيقة الرباط، وكذا مختلف الشرائع الأخلاقية والدينية والمواثيق والعهود الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان من قبيل نصرة المظلوم، وتحقيق التعايش السلمي، وترسيخ الحرية المسؤولة، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، فبيانات ومواقف هذه الجهات، سعت للتقعيد للتطبيع مع الصهاينة، وما صلاة بعضهم لذكرى ضحايا الهولوكوست اليهود في معسكر أوشفيتز، وترويج بعضهم لبدعة الدين الابراهيمي عنا ببعيد؛ كما سعت لإقصاء وإلغاء الآراء المناصرة لقضايا الأمة تحت مسمى خطة التسديد، ودأبت على الإعلاء من شأن الأنظمة الفاسدة المستبدة بدعوى التجديد والترشيد، إما طمعا في الوعد أو خوفا من الوعيد، فكيف نضع أيدينا في أياد ارتكبت كل هذه الخطايا والرزايا ويزيد ؟!
القرينة الثانية: سياق الانعقاد
يستعصي علينا التسليم بأن إرادة المنظمين لهذا المؤتمر هي إعمال توصيات وتوجيهات “وثيقة الرباط”، إذا استحضرنا بأن هذا المؤتمر، لم يشر لا في ندواته الخمس، ولا في ورشاته الثلاث، ولا في ديباجة وتوصيات وثيقته، للتضامن مع الشعب الفلسطيني المضطهد، ولا لإدانة جرائم الكيان الصهيوني الغاصب، رغم أن المؤتمر انعقد بعد مرور سنة كاملة على حرب الإبادة الجماعية التي شنها ولا يزال يشنها الصهاينة على أهلنا في فلسطين، مدعومين بقوى مختلفة البصمات، متباينة النزعات، منتكسة الإرادات، تتلاعب بالشراع، وتسعى لإطفاء كل نور أو شعاع، وترتجي إطالة أمد الصراع بين الظالم الغاصب للأرض، السافك للدم والمغتصب للعرض من جهة ، وبين المظلوم الساعي بوسائله البسيطة لمقاومة المغتصب المستعمر، إنه صمت مريب، وسكوت معيب، يجعلنا نشكك في النوايا ونتوقف عن امتطاء نفس المطايا؟!
القرينة الثالثة: طبيعة المدعوين
فإذا استقرأنا سير الحاضرين والمحاضرين والحضور، نجد بأن الانتقاء كان على المقاس، فتم استبعاد كل الأحرار الأبرار، فتم استدعاء كل من ضيع الأصول، ولم يعد من الفحول، ولم يحظى من الأمة بالقبول، فمن لا مثالية له لا باعث له، وما كان لله دام واتصل وما كان لغيره انقطع وانفصل، فتم أبعاد كل عالم رساليّ يبتغي بعمله وجه الله تعالى، ويستشعر مراقبته في الخلوة والجلوة، ويحاسب نفسه قبل العمـل لأجل الترشيد، وأثناء العمل لضمان التجــويد، وبعد العمل لأجل التجديد، فكيف نستبشر بمخرجات مجمع، أهله غير متمتعين باستقلال الإرادة المادية والمعنوية، لأن المدين مهين، والتابع ذليل، والمنعم عليه رهين ولي نعمته، أسير فضله، حلس بيت كرمه وإحسانه، لا يستطيع اقتحاما للعقبات، ولا مواجهة للتحديات، لأنه مكبل بقيود، ومحاصر بحدود، تحول دون أداء رسالته سدود؟!
القرينة الرابعة: إجراءات التنزيل
بلغت عدد توصيات “وثيقة الرباط” 14 توصية إيجابية علمية وعملية، وكلها توصيات تحتاج إلى احتكاك بنباتات أخرى، احتكاك استئناس واقتباس للجوانب النيرة الخيرة، لا احتكاك انتكاس وارتكاس في المنكر الظاهر أو المضمر، وتحتاج إلى انفتاح استفادة واستزادة مع الاستعاذة، لئلا ينفذ إلى عقر الدار صداع أو غبار، فالحوار من أجل التقريب والعمل المشترك مع المخالف، يحتاج لإرادة سامقة، وإدارة راشدة، وقرار حر مستقل، فالعالم الرساليّ، ذو مروءة وعفة وهمة، ملتمس للحكمة من مضانها بلا استلاب ولا اغتراب، لكن المتابع والمراقب لعمل المؤسسات العلمائية الرسمية، يعلم بأن اجتهاداتها مسقوفة بسقف الأنظمة الممولة لها، وهكذا فوثيقة الرباط؛ قيدت تحركاتها وتنسيقاتها بقولها: “ويتعّهـد المشاركون في هذا المؤتمر بالاحتفاء بمضامين هذه الوثيقة، والاهتمام بتعزيزها في صروحهم العلمية ومنابرهـم الإعلامية ومجتمعاتهم الوطنية، بما يتماشى مع الأنظمة السـارية والقوانين الدولية، كما يدعـون جميع الجهات العلمية والشـخصيات المجتمعية والمؤسسات
الوطنيـة إلى دعـم هذه الوثيقـة وتأييدها”، فهل سترى هذه المضامين النور قريبا في دعم وإسناد الشعب الفلسطيني، وهل سيتم التفاعل الإيجابي مع مبادرة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين مثلا، والذي دعا لعقد قمة إنسانية طارئة لمواجهة العدوان الإسرائيلي على غزة ولبنان، دعت إليها دولاً عربية وإسلامية من شأنها التأثير لوقف حرب الإبادة بوسائل عدة بينها التهديد بقطع البترول؟!
القرينة الخامسة: التعاطي مع ملاحظات المنتقدين
يبقى أكبر مؤشر وقرينة على إرادة إعمال مضامين “وثيقة الرباط” وعدم إهمالها، هو أخذ المنظمين للمؤتمر والمصدرين لها، بملاحظات وتوجيهات الغيورين على مصلحة الأمة من الأفراد والجماعات، وقديما قيل: “قبولُ النصيحة دليلُ الرَّشَد، والرجوعُ إلى الحق فضيلةٌ، وراجِحُ العقل كاملُ النُّهَى إذا وقعَ فيما يشينُه فوُعِظَ وزُجِرَ؛ أقصرَ وانتهَى وارتدعَ وانثنَى، وأسرعَ إلى الإجابة وأظهرَ التوبةَ والإنابةَ.
و المُستولِغُ لا يُبالي ذمًّا ولا عارًا، ولا يخافُ لومًا ولا عَذلاً، لا يردعُه توبيخ، ولا يقبَعُه تأنيب، ولا ينفعُه تعنيف. لا يُصغِي لناصحٍ، ولا يلتفِتُ إلى موعظةٍ، تراه على غيِّه مُصِرًّا، وفي ضَلالته مُستمرًّا، “وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ”
خاتمة:
لا ننتظر أن يبرز في حقل العلم والدعوة إلى الله شخصية تنضح بالإيمان وتشرق منها الطمأنينة إن كان قائد القافلة السياسي الحاكم شخصية تنضح بالنفاق، وتنبعث منها روح التسيب الخلقي.
فالعالم الذي يصنع المجتمع الجديد ولا ينساق صِنْوٌ لرجل السلطة العفِّ النزيه الأمين القوي.
فاللهم أصلح ولاة أمرنا من العلماء والأمراء.