المولد النبوي وتحولات الكون
المولد النبوي وتحولات الكون/ محمد المستقيم
المولد النبوي وتحولات الكون
بقلم: محمد المستقيم
اعتاد المسلمون كل عام إحياء ذكرى المولد النبوي تعظيما لولادة خاتم النبئيئين، وفرحا مسترسلا بالنور المبين، الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وتمجيدا لهذا الحدث العظيم الذي جعله الله فرقانا بين أهل الحق والظالمين المستكبرين.
فبولادته صلى الله عليه وسلم أشرقت شمس مكة على الكون بيوم ليس كباقي الأيام، ففيه أهلك الله أبرهة الحبشي الذي تجرأ على بيت الله ليهدمه معتدا بقوته، وفيه انطفأت نار المجوس بعد أن ظن المشركون أنها خالدة، وبه تهاوت شرفات قصر كسرى عظيم الفرس وامبراطورها وانهدم إيوانه.
هو حدث يستحق التعظيم فعلا بمعرفة الناس لخالقهم، واستعادة معنى وجودهم وخلقهم، وتبصرهم بحقوقهم وواجباتهم، ليحسنوا خلافة الله في أرضه كما أراد الله لهم. هو حدث لا يستشعر أهميته إلا من استوحشت نفسه ظلمة الشرك والضلال، لتفرح روحه بنور توحيد الإله الحق المستحق للعبادة والتعظيم، بعدما طال أنينها تحت وطأة الظلم والطغيان، لتستبشرببشائر العدل والإحسان، وبعد جور الإنسان لأخيه الإنسان، واستعباده دون خالقه وموجده، لتتحرر القلوب والعقول والرقاب من عبادة العباد وتفر الى عبادة رب العباد.
حدث المولد النبوي واستيعاب تقلبات الكون بوقوعه ليس من قبيل الصدفة أو الإبحار في الخيالات والأساطير القديمة، بل هو حقيقة صامدة وثابتة كانت لها رمزية توافق سنن الله في كونه وحكمته في تسيير ملكه، فانطفاء النار كان إيذاناً بانطفاء نار الشرك والضلال، وانهدام الإيوان كان رمزاً لانكسار سلطان القوة الجائرة اللحظية أمام قوة الله السرمدية، هي رموز وإشارات يعقلها أولو الألباب، ويلتبطها أولو التبصرة والحكمة،زكما التقطها مؤمن أهل فرعون في عز قوة فرعون وسلطانه وجبروته وتألهه على الناس، يفهمها القلب ويعقلها لتكون نورا وهدى يهدي به الأولياءُ والحكماء الخلقَ ويربطوهم بخالقهم الذي خلقهم ورزقهم واستعمرهم في الأرض لينظر كيف يعملون في ملكه، ولينذروهم بأنهم إليه راجعون ليجزيهم بما كانوا يعملون.
مولد النور الهادي يحب أن يذكرنا أن الأحداث حوالينا هي من صنع الله وتدبيره، ولا مكان للصدفة فيها، فها هي الذكرى تطل علينا وأرض فلسطين مستباحة من الطغاة المستكبرين المعتدين بقوتهم، وغزة العزة ما تزال محاصرة من اليهود الصهاينة المجرمين، تباد بدم بارد أمام شهود المنافقين والمتخاذلين والمرجفين الماكرين في الأمة، ولا من ينصر المظلومين إلا ممن بقي في قلوبهم جذوة الإيمان وأخوة الدين، أو من اشمأزت إنسانيته من هول بطش الوحوش المجرمين في دماء المستضعقين من الأطفال والشيوخ والنساء الأبرياء.
غير أن الله يريد – متى وكيف يشاء سبحانه – أن سنته ماضية في خلقه، ليحق الحق بكلماته ولو كره الكافرون والمنافقون، وليُمضي أمره في كونه رغم أنف الجبابرة العتاة المستكبرين، ولينصر عباده المستضعفين بجنده الغالبين، وليزداد المؤمنون إيمانا مع إيمانهم، وليمحص ما في صدورهم، فيميز الخبيث عن الطيب، فيخزي الخبيث في الدنيا قبل الآخرة، ويورث أرضه لمن يشاء من عباده الصالحين.
وهاهي غزة العزة مع الموعد والموعود الإلهي، رغم التقتيل والتنكيل والإخراج من الأرض والحصار المضروب على أهلها برا وبحرا وجوا، وتجويع أهلها واستباحة أعراضها، وهي مع كل هذا الابتلاء ثابتة صابرة محتسبة، وشبابها يجاهدون بما أوتوا وما أعدوا من قوة امتثالا لأمره تعالى في إعداد القوة لمجابهة الباطل وأهله،وضحد افتراءاته وأكاذيبه، وإبطال سحره الذي أغشى عيونا وقلوبا غلفا لسنين عديدة، ليفتضح العدو المجرم أمام العالم، وتظهر عدالة شعب حر مؤمن بقضيته ومتشبث بأرضه ومقدساته نيابة عن كل الأمة التي تخلفت عن المدد والنصرة، فبذل شعبها النفس والمال والأهل في سبيل تخليصها من براثين أخس الخلق وحثالة الأمم، وكأنها تقف في هذه الذكرى لتجدد عهدها مع الله وبيعتها لرسوله المجاهد الأمين، ملتمسة رضا ربها وقبوله عسى تكون من ومع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، ولتبعث برسائل التذكير والتحريض لشعوب الأمة على الجهاد لتتحرر من ربقات الفساد والاستبداد والاستعباد، وتستعيد عزتها بعد ذلة، عسى أن تنبعث من مواتها وتخرج من غثائيتها وتسترجع وظيفتها التي اختارها الله لها بخيريتها في تربية الناس وتعليمهم ودعوتهم، فيصدق عليها قول ربها:” كنتم خير امه اخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله”.