منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المولد النبوي .. ذكرى بنفحات الجهاد

عبد الرحمان لبان

0

المولد النبوي .. ذكرى بنفحات الجهاد

بقلم: عبد الرحمان لبان

     ما أن تشرق شمس ربيع الأول حتى تتحفنا أيامه الفيحاء بعبق من سيرته العطرة التي كان الجهاد ذروة سنامها، دين جاء رحمة للمستضعفين يأخذ الحق لهم، ينتزعه انتزاعا ممن اغتصبه منهم بدون موجب حق. دين فتح أبواب الجهاد مترعة لأتباعه، و فضل المجاهد منهم على القاعد و رفعه الدرجات، كي لا يبخل المنتمي إليه بشيء عنده، أو يذخر جهدا لنشر تعاليمه السمحة سواء بالبيان أو السنان؛ إن اقتضت الظروف إثر منع أهل الاستكبار و الفجار وصول صوته للعالمين، ومواجهة الحق الذي جاء به بالسلاح الفتاك، فيصبح السكوت حينها هوان وذلة، في عالم تشهد أحداثه أن للقوة كلمة الحسم.

إن المتأمل في السيرة النبوية يتضح له بجلاء أن كل غزوات التي خاضها المسلمون بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم اتسمت بالدفاع عن النفس بداية من تشريع الجهاد قال تعالى ” أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِير1

و هو ما أكدته وقائع التاريخ فخروج المسلمين كان دفاع عن أنفسهم، أو دفاعا عن المستضعفين في الأرض، جهاد أساسه حق الانسان في معرفة ربه، وهو الحق الذي تناوب أهل الاستكبار على مر التاريخ في حجبه عن الناس، بل تفنن الكثير منهم في تكريس أبشع صور الصدود، تجلى ذلك في صناعة العقول وتعليبها بقوة القهر الفكري و السلاح المادي، ألم يستخف فرعون قومه، فكان إعطاء الطوع منهم له طمعا وكرها، ألم ينسب الخيرات التي يجريها الله في الأرض لعباده إليه فتحدث القرآن مبينا غرور الفرعونية قال تعالى ” ونادى فرعون في قومه قال يا قومي أليس لي ملك مصر وهذه الانهار تجري من تحتي أفلا تبصرون “2  ألم يصل به الحد إلى التأله و اتخاد أبناء شعبه عبيدا يدينون بدينه قال تعالى “فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى”3 فأرسل الله له رسولا من قومه نشأ داخل قصره ليصدع بالحق، ويبين الحجة لينكشف زيف الباطل الفرعوني.

 حق احتفى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فصام يوم عاشوراء تعظيما له، بعدما وجد يهود المدينة يصومونه فرحا بنجاة سيدنا موسى ومؤمني قومه فقال صلى الله عليه وسلم” نحن أحق بموسى منكم”4.

المواجهة مع الاستكبار الفرعوني المتأله، هو ما استكمل مسيرته سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم  مع أمته المباركة، فكان أن دخل الناس أفواجا إلى دين الله، بجهاد قوامه الكلمة المسؤولة و المعاملة الحسنة، فالتحقت شعوب وأمم بهذه الأمة رغبة في سماحة قيمها التي اقتبستها من سيد الخلق،  وهو الذي وصفه أقرب الناس له زوجه أمنا عائشة رضي الله عنها فقالت” كان قرآنا يمشي فوق الأرض'”حيث شكلت شخصية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم النورانية ملتقى أحمر أجناس المسلمين و أبيضهم، فكان من أعظم الجهاد التأسي بشخصه الكريم و التعلق به محبة و تعظيما، أنبتت رحمة مهداة تشربتها القلوب المحمدية، ففاضت بالخير و النفع للناس، فانتشر هذا الدين في المعمورة انتشارا استثنائيا في زمن قياسي، إكراما من رب العالمين لرسول سيد مجاهد أمين صلى الله وعليه وسلم.

بل حتى في أحلك الظروف عندما استبد السيف في هذه الأمة وصارت له الكلمة الفصل، بعد خلافة راشد مهدية عملت بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، أراد من رأى في وجوه الناس الدرهم والدينار عوض سماحة جباه تعبد ربها بالذل والافتقار، فطفح الكيل عند بعض الولاة المغللة أيديهم بأخذ الجزية ظلما و عدوانا بغير حق، كما فعل أهل الإثم منهم، في أقوام ءامنوا من عجم هذه الأمة، دخلوا الاسلام طوعا بعدما خالط الايمان بشاشة قلوبهم، ففرضت الجزية عليهم استبدادا و كرها في صورة شوهاء فضحة حقيقة حكم عاض مغشوش، وعلة ذلك خشية نقص الأموال  في بيت مال المسلمين، فأخرجوا أفواجا ، ورجعوا بهم لديارهم “حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون” تنزيلا باطلا وتزويرا لنصوص الشرع الحكيم، فخرجوا حاسري الرؤوس مكسوري القلوب  من أرض أكبر مدن الاسلام وهم يرددون ” وامحمداه وامحمداه “5.

وبعد ذلك بسنين جاء الله بمن يصحح الوضع ليرجعه كما كان على منهاج النبي صلى الله عليه وسلم فقال” إن الله بعث محمدا هاديا ولم يبعثه جابيا” ردا على من قال إن أهل الجزية قد دخلوا زرافات وجماعات للإسلام، مما ينقص إيرادات بيت المال، وكان منهاج جهاد النبي صلى الله عليه وسلم بغيته هداية الخلق والدلالة على الله تعالى.  فتحول ردحا من الزمن عند من عض على حكم المسلمين جباية و مكوسا. مكوسا.

إن غاية الجهاد النبوي أن يضحى الضال مهتديا، و الجاهل عالما، و الفقير غنيا، و المعدم مكفيا، والسائل مجابا، والغني كريما، و المجتمع متآزرا، والعالم متآخيا، البرنامج العملي لكل ذلك قول الله تعالى ” يا أيها الناس أن خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”6                           

 أعظم جهاد يجب أن تخوضه أمة، المختار هذا الزمان، هو جهاد. التعارف، الذي قوامه محبة الإنسان لأخيه الإنسان، بعدما حول قوم أنكر عليهم الله في كتابه وحذر منهم، سماهم القرآن بني إسرائيل قوم تدينهم كره و حقد بلا حدود، فهم جرثومة العالم و مادة تسممه، فما تجد من فرقة و تشتت، فاعلم أن كيدهم العابر للقارات و الحدود يفتل هناك، ويلف بحبله الأعناق ليبقى سكان هذه البسيطة يحمل كل منهم للآخر الإثم و العدوان، في تخريب ممنهج لإنسانية الأدميين، و إقامة حضارة البنيان الزائف الذي ما يلبث أن ينهار على من فيه كما فعل الله بالقرى الظالمة من قبل،  والسائرة على خطاها اليوم قال تعالى” وتلك القرى منها قائم وحصيد” إن سيادة جو التنافر بين الانسان و أخيه الانسان، يمتح من كتب مقدسة مزيفة، اختلط فيها الحق الإلهي بالتزييف البشري لقارئي بني إسرائيل، فقسمت العالم بين المختار و الأمي، أما الشعب المختار فقد خلق العالم له، وأما الأمي(الأميين هكذا يصف التوراة الأقوام الغير اليهودية) فقد خلق لخدمة الشعب المختار يفعل به ما يشاء بستحييه أو يقتله و القتل أنواع و أشبعه ما يفعل به الآن تغيير فطرته في قتل معنوي أشد ألما وفتكا.

  في مقابل هذا العدوان والإثم، جاء الاسلام بمشروع انساني قوامه التعاون على البر و التقوى قال تعالى” ياأيها الذين آمنوا تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا عبى الإثم و العدوان”7 و الدعوة للسلام بين كل الأديان ” قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ”8. وذلك بالاجتماع على كلمة التوحيد مع حرمة المعابد وحرية  العبادة فيها في السلم والحرب.

إن ما يقع اليوم بأرض غزة برهان عظيم على حقيقة ما نقول، يتجلى ذلك في عداء الصهاينة نسل بني إسرائيل للإنسان و البنيان، و حقدهم غير المحدود الذي أحرق الشجر والبشر أمام مرأى و مسمع العالم، حيث مرة سنة كاملة لم يخل يوم فيها من سقوط الشهداء وأغلبهم نساء وأطفال دون تمييز.

 والهدي النبوي يقوم على منع هذا الظلم البين، والقيام لنصرة المظلوم ورد ما يقع عليه، واستنكار فعلهم وفضحه بكل أشكال التعبير والاحتجاج بفضح النفاق الدولي والسكوت المريب لدول ادعت رعايتها لحقوق الإنسان، ومسؤولية الأمة أن تقف جمعاء خلف أسراها و مسراها.  وحماية من هم في أكناف القدس تنزل عليهم الحمم ظلما.

 يذكرنا هذا المولد السعيد، بضرورة الولادة الثانية لهذه الأمة، لتنزع عنها ربقة الاستعمار الصهيوني الجاثم على الأقصى المبارك وتحرير شعبه المسلم هناك، والدخول في حلف دولي يجمعها مع أحرار العالم، كي لا تتكرر مستقبلا صور هذه المحرقة العظيمة التي أتت على الأخضر واليابس، حيث يستفرد بسواد الأمة شعبا تلو الأخر، ليدخل القائمة  أهل لبنان الإسناد لتنال  منهم أسلحة العدو، تنزل من السماء عليه جزاء وفاقا على تضامنهم مع إخوانهم بغزة العزة، فاقترب عدد الضحايا الآن لمن  42 ألف شهيد دون احتساب الالاف المفقودين تحت الانقاض و عدد لا يحصى  للجرحى.


1- الحج :الآية 39

2- سورة الزخرف : الآية 51

3- سورة النازعات: الآية 23-24

4- أخرجه البخاري

5-ناريخ الطبري 5/286

6- الحجرات الآية 13

7-المائدة الآية 2

8- ال عمران الآية 64

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.