منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (18)

عبد الغني منتصر

0

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (18)

بقلم: عبد الغني منتصر

 

المبحث السادس: قضية المرأة والأسرة.. حوار القيم في مواجهة التفكك العالمي

​1 -تنوير المؤمنات: تحرير المرأة بين المطرقة الجاهلية وسندان السلعية

      يقدم الإمام ياسين في كتابه العمدة “تنوير المؤمنات” رؤية تحررية شاملة تنطلق من المساواة في “الكرامة والجزاء” أمام الله، بعيداً عن صراعات “الجنسية” المادية. يرى الإمام أن المرأة تعيش اليوم بين “جاهليتين”: جاهلية تقليدية جائرة حبستها في دهاليز الجهل والعجز، وجاهلية حديثة برّاقة حولتها إلى “سلعة إشهارية” وأداة لمتعة مادية جافة باسم الحرية. حيث يبرز كيف أن “التنوير” عند الإمام هو استرجاع للمكانة “الرسالية” للمرأة كشريكة للرجل في “القومة” والجهاد والبناء؛ فهي ليست مجرد “تكملة” للرجل، بل هي “مكلفة” بذاتها بمهمة الاستخلاف.

       يحلل الإمام بعمق سيكولوجي واجتماعي كيف أن الحداثة الغربية قد زادت من أعباء المرأة عبر استغلالها اقتصادياً، بينما المنهاج النبوي يعيد لها “حقها في الله” أولاً، وحقها في العلم والعمل ثانياً، شريطة ألا يكون ذلك على حساب وظيفتها الكونية في “صناعة الإنسان”. إن هذا الطرح لا يداهن النزعات النسوية المتطرفة التي تسعى لصدام الجنسين، بل يقدم نموذج “التكامل الفطري” الذي يجعل من المؤمن والمؤمنة “أولياء بعض” في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مؤسساً بذلك لنهضة نسائية

تنبع من الوحي وتجيب على تطلعات العصر بكرامة وشموخ، محولة المرأة من موضوع للمتعة أو التهميش إلى فاعل تاريخي في التغيير.

2 – الأسرة كقلعة أخيرة: حماية المؤسسة الأسرية وصيانة النوع الإنساني

     يعتبر الإمام ياسين أن “الأسرة” هي الخلية الأساسية التي تُبنى فيها “جماعة المسلمين”، وهي المستهدف الأول من طوفان العولمة المادية التي تسعى لتفكيك كل الروابط “المقدسة”. يرى الإمام بنظرة استشرافية أن العالم اليوم يعيش “أزمة معنى” كبرى تتجسد في انهيار مؤسسة الزواج وشيوع النماذج البديلة التي تصادم الفطرة وتؤدي في النهاية إلى فناء النوع الإنساني أخلاقياً وبيولوجياً.

      ان “السكن” و”المودة والرحمة” في الفكر المنهاجي ليست كلمات عاطفية، بل هي “قواعد أمن قومي” للأمة؛ فالأسرة المستقرة هي المحضن الوحيد القادر على إنتاج “رجال ونساء” يحملون أمانة العدل والإحسان. ينقد الإمام بشدة القوانين والاتفاقيات الدولية التي تحاول فرض “نمط أسري” هجين يقطع الصلة بالخالق، معتبراً أن حماية الأسرة هي “جهاد حضاري” بامتياز.

        إن المنهاج يقدم “الميثاق الغليظ” كبديل عن “العقود المدنية” الهشة، حيث يكون الزواج عهداً مع الله قبل أن يكون اتفاقاً بين بشر. وبذلك، تتحول الأسرة في فكر الإمام من مجرد وحدة بيولوجية إلى “مدرسة تربوية” تعكس قيم الملكوت في عالم المادة، مما يجعل من الدفاع عنها دفاعاً عن “آخر قلاع الإنسانية” في وجه التحلل الذي بشرت به الفلسفات المادية التي ألهت الفرد وسحقت الجماعة الفطرية التي أرادها الله لبناء العمران.

​ 3 – حوار النسويات: نحو “نسوية إسلامية” كرامية ترفض التبعية

      لا يكتفي الإمام ياسين بنقد النموذج الغربي للمرأة، بل يفتح باب الحوار مع “النسويات” في العالم ليطرح عليهن الإسلام كـ “أفق تحرري” حقيقي؛ فهو يرى أن الكثير من مطالب الحركات النسوية في العدل والإنصاف هي مطالب شرعية في جوهرها، لكنها ضلت الطريق حين اتخذت من “الرجل” خصماً ومن “المادة” رباً. إن الاسترسال في هذا المحور يبرز كيف أسس الإمام لما يمكن تسميته بـ “النسوية الكرامية”؛ وهي حركة نسائية مؤمنة، ترفض الظلم الذكوري التاريخي، وترفض في الوقت نفسه التبعية العمياء للنموذج الغربي الذي سلب المرأة روحها ليمنحها استهلاكاً زائراً.

        إن الحوار مع النسويات عند الإمام هو حوار “دعوة وإنقاذ”؛ حيث يبين لهن أن “العدل” الذي ينشدنه لا يتحقق إلا بـ “إحسان” قلبي يربط الحقوق بالواجبات الإلهية. إن هذا الموقف المنهاجي الشجاع يجعل من قضية المرأة “جسر عبور” لمخاطبة الضمير العالمي؛ فالعالم الذي يعاني من تفكك الروابط الأسرية يحتاج اليوم إلى “النموذج المؤمن” الذي يعيد للمرأة كرامتها وللأسرة قدسيتها.

       وبذلك، يختم الإمام مشروعه الكوني بالتأكيد على أن “خلافة الإنسان” في الأرض تبدأ من “طهارة البيت” وتكريم “شريكة العمران”، محولاً قضية المرأة من عبء سجالي إلى طاقة دفع حضارية تقود الأمة نحو موعودها النبوي في العدل والرحمة والجمال الذي ينقذ البشرية من تيهها.

​المبحث السابع: نحو “ميثاق عالمي للفضلاء” لمواجهة خطر الفناء

1- حلف الفضول المعاصر: بناء جبهة عالمية ضد “الاستكبار المادي”

       يستحضر الإمام ياسين بعبقرية المقارنة التاريخية “حلف الفضول” الذي شهده النبي ﷺ في الجاهلية وأثنى عليه، ليجعل منه “قاعدة شرعية” للعمل مع غير المسلمين في دفع الظلم. يرى الإمام أن العالم اليوم يعيش “جاهلية معولمة” أشد فتكاً، حيث يتسيد “الاستكبار المادي” الذي ينهب ثروات الشعوب ويستعبد إرادتها.

       إن الاسترسال في هذا المحور يبرز دعوة الإمام لتشكيل “جبهة عالمية من الفضلاء”؛ وهم كل من في قلبه ذرة من رحمة ومروءة، سواء كانوا متدينين يبحثون عن مرضاة الله أو دنيويين يحركهم الضمير الإنساني الحي. إن الهدف من هذا الحلف ليس دمج المعتقدات، بل هو “التعاون العملي” لمواجهة المنكر العالمي المتمثل في الفقر الممنهج، والحروب النووية العبثية، والظلم الاقتصادي. إن الإمام يراهن على أن “خطر الفناء” المشترك سيجبر عقلاء البشرية على البحث عن “كلمة سواء”، مؤكداً أن المسلمين المنهاجيين هم الأجدر بقيادة هذا الحلف لأنهم يمتلكون “البوصلة الأخلاقية” واليقين الإيماني الذي لا ينحني أمام إغراءات المادة.

        وبذلك، يتحول المنهاج من “حركة قطرية” إلى “قوة اقتراحية عالمية” تسعى لإنقاذ الإنسان من أخيه الإنسان، ومن غول الأنا المستكبرة التي تريد إحراق الكوكب بمن فيه بحثاً عن المزيد من السلطة والمال والسيطرة المطلقة.

​2 – المسؤولية المشتركة: إنقاذ البيئة والنوع الإنساني من مصير الانتحار

       ينفذ الإمام ياسين إلى عمق الأزمة البيئية التي تهدد الكوكب، معتبراً إياها ثمرة طبيعية لـ “وثنية الحداثة” التي نزعت القداسة عن الكون وتعاملت مع الطبيعة كـ “مخزن للموارد” فقط. يرى الإمام أن دمار البيئة هو انعكاس لـ “خراب القلوب”، وأن الإنسان الذي قطع صلته بخالقه لن يتردد في قطع شجر الغابات وتلويث مياه البحار من أجل الربح السريع. وبالتالي يوضح كيف ربط المنهاج بين “عمارة الأرض” وبين “عبادة الله”؛ فالمؤمن لا يفسد في الأرض بعد إصلاحها.

       يطرح الإمام “المسؤولية المشتركة” كفريضة شرعية وضرورة بشرية، داعياً الفضلاء في الغرب والشرق للوقوف ضد “جنون الاستهلاك” الذي يستنزف موارد الأجيال القادمة. إن التحذير من “خطر الفناء” في فكر الإمام ليس من قبيل التشاؤم، بل هو “صرخة يقظة” لمنع الانتحار الجماعي الذي تقوده الرأسمالية المتوحشة. إن “ميثاق الفضلاء” يتضمن في بنوده حماية الفطرة البشرية وحماية البيئة الكونية، معتبراً أن “الخلافة في الأرض” تعني الحفاظ على توازنها وجمالها كأمانة إلهية. وبذلك، يضع الإمام “القضية البيئية” في قلب العمل الإسلامي العالمي، مبرهناً على أن الإسلام هو “دين الحياة” الذي يرفض العبث بمقدرات الوجود، ويسعى لبناء “عمران أخوي” يحترم قوانين الطبيعة كما يحترم وصايا الشريعة، ليبقى الكوكب صالحاً لمهمة الاستخلاف الكبرى.

​  3- الإسلام كمنقذ: من “وهم الصراع” إلى “حتمية الرحمة” للبشرية

      يصل الإمام في ختام رؤيته الكونية إلى تقديم الإسلام لا كدولة “غزو” بل كـ “رسالة إنقاذ” نهائية للبشرية التائهة. يحلل الإمام كيف أن البشرية جربت كل “الأرضيات” من شيوعية، ورأسمالية، وعلمانية متطرفة، ولم تحصد إلا القلق الوجودي والتفاوت الطبقي الفاحش؛ والآن جاء الدور على “النموذج المنهاجي” ليقدم البديل. إن الاسترسال في هذا المحور يبرز فرادة الخطاب الدعوي للإمام؛ فهو لا يدعو الناس للإسلام لمجرد تكثير السواد، بل يدعوهم ليجدوا “السكينة” التي فقدوها و”العدل” الذي حُرموا منه. إن “ميثاق الفضلاء” هو القنطرة التي يعبر من خلالها الإسلام إلى قلوب العالم عبر “بوابة الرحمة”؛

        فالإمام يرى أن المستقبل هو لـ “دين الفطرة” إذا ما نجح المسلمون في تقديم نموذج “العدل والإحسان” على أرض الواقع. إن الإسلام المنقذ هو الذي يجمع بين طهرانية الملائكة وفاعلية الإنسان المستخلف، والذي يقدم حلاً لأزمة الأسرة، وأزمة الاقتصاد، وأزمة الروح. وبذلك، ينتهي الكتاب بالتأكيد على أن “الخلافة على منهاج النبوة” ليست مجرد حلم رومانسي للمسلمين، بل هي “حاجة إنسانية ملحة” ومطلب كوني لانتشال العالم من ظلمات المادة إلى نور الإيمان، ومن جور النظم إلى سعة رب العالمين، في وحدة شعورية وعملية تضمن للفرد فوزه بالأخرة وللمجتمع كرامته في الدنيا، محققة الغاية القصوى من بعثة الأنبياء: أن يقوم الناس بالقسط في كل زمان ومكان.

خاتمة الفصل السادس: الكونية المنهاجية.. من جراح الواقع إلى أفق الشهادة الحضارية

     في ختام هذا الفصل الممتد، الذي طوفنا فيه بين ثنايا الرؤية العالمية للإمام عبد السلام ياسين، يتجلى لنا أن “المنهاج النبوي” ليس مجرد استراتيجية لترتيب البيت الداخلي للأمة، بل هو “مشروع إنقاذ كوني” ينطلق من قلب المعاناة الإنسانية ليقدم البديل الأخلاقي والوجودي. لقد نجح الإمام في تفكيك “صنم المركزية الغربية” لا بمنطق الرفض الغوغائي، بل بمنطق “التشريح المعرفي” الذي كشف عوار الحداثة المادية حين فصلت العلم عن الوحي، فكانت النتيجة إنساناً “مستلباً” يملك التقنية ويفقد المعنى. إن هذا الفصل برهن على أن “عالمية المنهاج” هي عالمية قائمة على “الرحمة الرسالية”؛ تلك الرحمة التي لا ترى في الآخر (الغربي، أو الديمقراطي، أو الأمازيغي) خصماً تجب إبادته، بل ترى فيه “نفساً آدمية” مكرمة تستحق أن تُمد لها يد العون لتتحرر من قيود الجاهلية المعاصرة واستبداد النظم الجبرية.

      إن المحاور السبعة التي استعرضناها ترسم في مجموعها ملامح “العمران الأخوي” الذي يتجاوز حدود الجغرافيا؛ فمن نقد “وثنية الحداثة” إلى الدعوة لـ “أسلمة المنجز الإنساني”، ومن التأصيل القرآني للكرامة الآدمية إلى بناء “حلف الفضول” المعاصر، نجد خيطاً ناظماً واحداً هو: “استعادة بوصلة الفطرة”. لقد أثبت الإمام أن الحوار المنهاجي هو حوار “مروءات” بالدرجة الأولى؛ حيث تلتقي القوى الحية في العالم على كلمة سواء لرفع الظلم عن المستضعفين وحماية البيئة من دمار الرأسمالية المتوحشة. كما شكلت قضية المرأة والأسرة في هذا الفصل حجر الزاوية في مواجهة “التفكك الكوني”، حيث قدم الإمام “تنوير المؤمنات” كبديل تحرري كرامي يرفض السلعية الغربية والانحباس التقليدي، ليجعل من الأسرة “القلعة الأخيرة” لحماية النوع الإنساني من التحلل والضياع.

     إن الرسالة الجوهرية التي يتركنا معها هذا الفصل هي أن “الخلافة على منهاج النبوة” هي ضرورة بشرية قبل أن تكون مطلباً إسلامياً؛ فالعالم الذي يترنح تحت وطأة القلق الوجودي والحروب العبثية يحتاج اليوم إلى “الوازع الإيماني” الذي يعيد الانضباط للعقل والسلم للقلب.

      إن ميثاق الفضلاء الذي دعا إليه الإمام هو “القنطرة” التي يعبر من خلالها الإسلام ليصبح “ضمير العالم الحي”، محولاً وهم “صدام الحضارات” إلى حقيقة “تعارف الحضارات” وتكاملها الإنقاذي. وبذلك، يرتقي الإمام ياسين بالخطاب الإسلامي من حيز “الدفاع عن الهوية” إلى حيز “قيادة التحول التاريخي”، مؤكداً أن المستقبل ليس لمن يملك أكبر ترسانة نووية، بل لمن يمتلك أكبر قدرة على منح الإنسان السكينة والعدل والارتباط بخالقه.

      إننا أمام أفق حضاري “راشد” يجمع بين طهارة المحراب في التبتل لله، وبين عدالة الميدان في مدافعة الظالمين، وبين حكمة المختبر في تسخير العلم لعمارة الأرض؛ وهي الثلاثية التي تجعل من “المنهاج النبوي” الترياق الحقيقي لأمراض القرن الحادي والعشرين. وبهذا، يكتمل عقد هذا الفصل الختامي ليفتح الباب على مصراعيه أمام “الخاتمة العامة” للكتاب، والتي ستلخص ثمرات هذا الفكر المنهاجي في بناء “دولة القرآن” وعمران الاستخلاف الموعود، بقلوب موقنة أن الفجر لا محالة آتٍ، وأن ليل الجبر مهما طال، فإن نور النبوة كفيل بتبديد ظلامه، وإقامة القسط بين الناس جميعاً، في مشهد إنساني يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.​

الخاتمة العامة: المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي

      بإتمامنا لهذا البحث، نجد أننا لم نكن بصدد دراسة “نظرية سياسية” عابرة أو “مذهب فكري” محصور في زمانه، بل كنا نقتفي أثر “رؤية كونية شاملة” تهدف لإعادة ربط الأرض بالسماء، والسياسة بالأخلاق، والفرد بخالقه. لقد تبيّن لنا عبر فصول الكتاب أن مشروع الإمام عبد السلام ياسين يمثل “الانعطافة الكبرى” في فكر الصحوة المعاصرة؛ حيث انتقل بالعمل الإسلامي من مرحلة “ردود الفعل” والاحتجاج، إلى مرحلة “الفعل التاريخي” المنضبط بضوابط الوحي وقوانين السنن الكونية. إن “المنهاج النبوي” كما استعرضناه، هو الترياق الحقيقي لحالة “الغثائية” والانسداد التي تعيشها الأمة، وهو الجسر الذي يعبر به المسلم من “تيه الانكسار التاريخي” إلى “فضاء الشهادة الحضارية”.

      لقد توقفنا في هذا البحث عند الركائز الصلبة لهذا المشروع؛ بدءاً من “التربية الإحسانية” التي اعتبرها الإمام جوهر التغيير وأساس القومة، فلا بناء لدولة العدل دون بناء “إنسان الإحسان” الذي يراقب الله في سره وعلنه.

      ثم انتقلنا إلى “القومة السياسية” التي تفكك “الجبر التاريخي” وترفض الخنوع للاستبداد، ليس رغبة في السلطة، بل طلباً للعدل الذي هو ميزان الله في الأرض. وقد أثبتنا كيف أن الإمام لم يكتفِ بالنقد، بل قدم هندسة متكاملة لـ “العمران الأخوي”، حيث الشورى ليست مجرد آلية انتخابية، بل هي رحمة تواصلية، وحيث الاقتصاد ليس تراكماً للمال، بل هو قِوام للعدل وحق للمستضعفين.

     وعلى الصعيد الكوني، تجلى لنا الإمام كـ “منقذ حضاري” يخاطب العالم بلسان الرحمة والحكمة؛ فهو لم يرَ في الغرب مجرد خصم استعماري، بل رآه ضحية “للمادية الجافة” التي أهلكت الروح والنسل. لقد طرح الإمام “ميثاق الفضلاء” و”أسلمة الحداثة” كبدائل إنسانية لإنقاذ البشرية من انتحارها المحتوم، معيداً للمرأة كرامتها المسلوبة بين “التقليد الجائر” و”التغريب السلعي”، ومؤسساً لعلاقة مع “الآخر” تنبني على “المعروف” والتعارف القرآني. إن هذا البحث يؤكد أن “المنهاج النبوي” هو مشروع “تحرري كلي”؛ يحرر العقل من الخرافة، والقلب من الهوى، والشعب من الظلم، والكون من التمركز حول المادة.

     إن الزبدة المستخلصة من هذا العمل هي أن المستقبل ليس لليأس ولا للصراع الصِفري، بل هو لـ “موعود الله” الذي يستنهض همم “جند الله” لإقامة الخلافة على منهاج النبوة؛ تلك الخلافة التي لا تعني إمبراطورية هيمنة، بل تعني “عصر السيادة للقيم الربانية” حيث يملأ العدل الأرض والرحمة القلوب. إن فكر الإمام ياسين سيظل “منارة استرشادية” لكل الطامحين لبناء عالم يسوده السلم المبني على الحق، والكرامة المصونة بالوحي، والإبداع الموصول بالخالق. وختاماً، فإن هذا الكتاب ما هو إلا لبنة في صرح “الفهم عن الله ورسوله”، عسى أن يكون نبراساً ينير درب السالكين نحو “فجر الأمة” وبزوغ شمس ربيعها الحقيقي، الذي لا يخلف موعده، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.