المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (17)
بقلم: عبد الغني منتصر
المبحث الثالث: “الكرامة الآدمية” كأرضية للحوار الكوني
1- التأصيل القرآني: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ كمنطلق للعلاقة مع “الآخر”
ينطلق الإمام عبد السلام ياسين في بنائه الملحمي لعلاقة المسلم بغير المسلم من أصل عقدي وقرآني باذخ لا يتزعزع، وهو مبدأ “الكرامة الآدمية” الشاملة التي تسبق كل انتماء طائفي أو سياسي. ففي رؤيته المنهاجية المتجاوزة لضيق الأفق، لا يمثل “الآخر” عدواً حتمياً أو رقماً في صراع صفري، بل هو أولاً وأخيراً إنسان نفخ الخالق فيه من روحه، ومنحه الأمانة والعقل قبل أن يختار دينه أو تنحرف به أهواؤه.
يستفيض الإمام في تحليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، ليبين أن هذا التكريم ليس مجرد تشريف تاريخي، بل هو “ميثاق فطري غليظ” يضع على عاتق المؤمن واجب الاحترام والإنصاف تجاه كل إنسان. إن الاسترسال في هذا التأصيل يهدف لنقد القراءات المنغلقة التي تختزل الآخر في ثنائية (ناجٍ/هالك) لتبرير الجفاء الاجتماعي أو الاستعلاء العنصري؛ فبينما يظل الفارق العقدي قائماً في “الدعوة”، يظل “الاحترام الآدمي” واجباً في “الدولة” و”المجتمع”.
يرى الإمام أن الاعتراف بكرامة الآخر هو المفتاح الذهبي لـ “التعارف” الذي أمر به القرآن، وهو تعارف يقتضي الرحمة بالخلق، والبحث المضني عن المشترك الإنساني الذي يجمعنا تحت سماء العبودية لله. إن هذا المنظور يجعل من المؤمن المنهاجي “إنساناً كونياً” يحمل همّ إنقاذ الناس لا إدانتهم، ويسعى لخدمة البشرية من منطلق أن “الخلق كلهم عيال الله”، وبذلك تتحول العلاقة من صراع على “السيادة الترابية” إلى سباق في “الإحسان الأخلاقي” وخدمة الكرامة التي داسها حذاء المادية المعاصرة، مما يجعل الإسلام في فكر الإمام “قارب نجاة” للإنسان بوصفه إنساناً مكُرماً ومُستخلفاً.
2-الإنسان قبل المعتقد: تحرير “الحق في الكرامة” من التنميط الأيديولوجي
يؤصل الإمام ياسين لقاعدة ذهبية في فكره الكوني وهي أن “الحق في الكرامة” يسبق كل تصنيف أيديولوجي أو مذهبي؛ فالمظلوم مظلومٌ يجب نصرته والوقوف بجانبه سواء كان مسلماً أو غير مسلم، والجائع جائعٌ يجب إطعامُه وبذل الغالي من أجله بغض النظر عن عقيدته أو لونه.
يحلل الإمام بعمق كيف أن الحداثة الغربية والأنظمة الشمولية قد “سلعت” الإنسان وصنفته إلى طبقات ودرجات حسب قدرته الشرائية أو ولاءاته السياسية، بينما جاء المنهاج ليعيد الاعتبار للوحدة الإنسانية الفطرية. إن شعار “الإنسان قبل المعتقد” لا يعني أبداً ذوبان الهوية العقدية للمؤمن، بل يعني أن كرامة الجسد وحرمة الدم وحرية الإرادة هي حقوق “فطرية” لا يملك كائن من كان انتزاعها أو المقايضة عليها. يفصل الإمام في أن الحوار مع الآخر يجب ألا يغرق في السجالات الكلامية الجافة التي تباعد بين القلوب، بل يجب أن يركز بالأساس على “تخليص الإنسان من العبودية لغير الله” ومن أسر الحاجة والفقر والقهر المادي.
إن الاسترسال في تحليل هذا المحور يوضح كيف قدم الإمام “الإسلام” كبديل قيمي يمنح الإنسان قيمته الحقيقية التي فقدها في معامل الحداثة الضخمة أو في طواحين الاستبداد السياسي؛ فالحوار المنهاجي هو “حوار تحريري” يهدف لفك أغلال النفس من عبودية الهوى والمال والحاكم المتأله. إن هذا الموقف يمنح المنهاج مرونة هائلة ومصداقية في التواصل مع “أحرار العالم” الذين قد لا يتقاسمون معنا محراب الصلاة، ولكنهم يتقاسمون معنا “مروءة” الموقف وصرخة الحق ضد الظلم الكوني، وبذلك يكسر الإمام العزلة الشعورية ويفتح آفاقاً لعمل عالمي مشترك يرفع من شأن الكائن البشري ويصون حقه في الوجود الكريم.
3-التعاون مع “أحرار العالم”: تحالف ضد الظلم والفقر والعبودية لغير الله
بناءً على مبدأ الكرامة الشاملة، يدعو الإمام ياسين بوضوح إلى ما يمكن تسميته بـ “تحالف الفضلاء العابر للقارات”؛ فالمنهاج لا يجد أدنى غضاضة في مد الجسور والتعاون الوثيق مع كل من يسعى بصدق لتحرير الإنسان من ثالوث “الظلم والفقر والجهل”. يرى الإمام بنظرة سوسيولوجية ثاقبة أن المعركة الحقيقية في عصر “الجاهلية المتطورة” ليست بين الأديان في حد ذاتها، بقدر ما هي صراع بين “الاستكبار المادي” العالمي وبين “المستضعفين” في كل بقعة من بقاع الأرض. إن المؤمن المنهاجي مدعو شرعاً لمد يده لكل “فضلاء البشرية” الذين يقاومون تغول الشركات العابرة للقارات، وتدمير البيئة الممنهج، وإشعال فتيل الحروب المدمرة، ونهب ثروات الشعوب تحت غطاء العولمة.
إننا في هذا المحور نبرز “النضج الحضاري” عند الإمام الذي أدرك أن العالم اليوم أصبح “غرفة واحدة” تتأثر أركانها ببعضها، وأن مواجهة “الجبر التاريخي” تتطلب تظافراً للجهود الإنسانية النبيلة. إن هذا التعاون ليس تكتيكاً سياسياً أو تنازلاً عن الثوابت، بل هو ممارسة حية لـ “وظيفة الشهادة” التي أناطها الله بهذه الأمة؛ فالإسلام جاء ليخرج الناس من ضيق الدنيا وجور النظم إلى سعة العدل والرحمة،
وهذا العدل يبدأ بمناصرة كل مستضعف في الأرض.
إن الإمام يراهن على “يقظة الفطرة” لدى الآخر، معتبراً أن الجمال الأخلاقي الذي يجسده جند الله هو أمضى وسيلة دعوية لإقناع العالم بجدوى النموذج الإسلامي. وبذلك، ينتقل المبحث من “النظرية المجردة” إلى “الاستراتيجية الكونية” التي تجعل من حركة العدل والإحسان جزءاً أصيلاً من “ضمير العالم” الحي، الطامح لبناء عالم يسوده السلم المبني على القسط، لا السلم المفروض بقوة النووي.
المبحث الرابع:رسائل “عقلاء الغرب” ونقد “صدام الحضارات”
1-مواجهة هانتينغتون وفوكوياما: تفكيك سرديات “الصدام” و”النهاية”
وقف الإمام عبد السلام ياسين بصلابة معرفية أمام الأطروحات الفكرية التي سادت في مطلع التسعينيات مع نهاية الحرب الباردة، وفي مقدمتها أطروحة “نهاية التاريخ” لفرانسيس فوكوياما و”صدام الحضارات” لصموئيل هانتينغتون. يرى الإمام أن هذه النظريات ليست تنبؤات علمية بقدر ما هي “مانيفستو” للاستكبار العالمي، يهدف لشرعنة الهيمنة الغربية وتصوير الإسلام كعدو بديل للشيوعية.
انتقد الإمام في كتبه، ولا سيما في “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين”، تلك الرؤية التي تحصر مستقبل البشرية في النموذج الليبرالي المادي، معتبراً أن التاريخ لا ينتهي ما دام الوحي الإلهي باقياً يوجه الإنسان نحو كماله الأخروي. إن الاسترسال في هذا المحور يبرز كيف أن الإمام قدم بدلاً من “الصدام” مفهوم “التعارف الحضاري”؛ فالإسلام لا يرى في الحضارات الأخرى أعداء يجب سحقهم، بل يراها تجارب إنسانية تحمل “بقايا فطرة” و”مروءات” يمكن البناء عليها.إن نقد الإمام لهانتينغتون كان نقداً أخلاقياً في مقامه الأول، حيث كشف أن الصراع الحقيقي ليس بين الأديان في حد ذاتها، بل بين “الجبرية المادية” التي تمثلها الحداثة الغربية وبين “الرحمة الإلهية” التي يمثلها الإسلام.
وبذلك، فكك الإمام تلك “الفزاعة” التي أراد الغرب من خلالها تخويف العالم من “الخطر الأخضر”، مبيناً أن الإسلام لا يهدد الشعوب، بل يهدد “الأنظمة الجائرة” التي تستعبد الشعوب وتنهب ثرواتها وتفرغ حياتها من المعنى، محولاً الصراع من صراع هويات إلى صراع قيم.
2-مفهوم “المعروف”: جسر التواصل مع فضلاء البشرية
أبدع الإمام ياسين في توظيف المصطلح القرآني “المعروف” ليكون جسراً للتواصل الكوني؛ فالمعروف هو ما تعارفت عليه العقول السليمة والفطر النقية من قيم الصدق، والعدل، والوفاء، وحماية المستضعفين. يرى الإمام أن في كل حضارة وفي كل أمة “بقايا من مروءة” و”عقلاء” يرفضون الظلم المادي ويمقتون تحلل القيم؛ وهؤلاء هم الذين سماهم بـ “الفضلاء”. إن مخاطبة الغرب عبر بوابة “المعروف” تعني البحث عن “نقاط التماس الأخلاقية”؛ فالمؤمن المنهاجي يمد يده لكل غربي يقف ضد تدمير الأسرة، وضد العبث بالبيئة، وضد الرأسمالية المتوحشة التي تطحن الفقراء.
إننا في هذه الفقرة نوضح كيف أن الإمام لم يحصر “المعروف” في الطقوس التعبدية، بل وسعه ليشمل “المروءة الإنسانية” الشاملة؛ فالحوار مع الآخر عند الإمام هو “حلف فضول” معاصر، يهدف لبناء جبهة عالمية ضد “المنكر العالمي” المتمثل في الاستكبار والظلم. إن هذا المفهوم يمنح الخطاب المنهاجي مرونة حركية هائلة، حيث يتحول الإسلام من “خطر مجهول” إلى “شريك مأمون” في بناء عالم أكثر إنسانية. إن الإمام يراهن على أن “العقلاء” في الغرب، وهم يرون حضارتهم تتفكك من الداخل بفعل المادية، سيبحثون عن “ملاذ قيمي”، وهنا يبرز “المعروف الإسلامي” كطوق نجاة، محولاً الصدام المفترض إلى تعاون حتمي لإنقاذ الإنسان من براثن العدمية التي لا تفرق بين دين وعرق، بل تسحق كينونة الإنسان في سبيل الربح
3-الخطاب الرسالي العابر للحدود: من الرسائل الخاصة إلى البلاغ العالمي (تعديلك المدمج)
تتميز لغة الإمام في مخاطبة الآخر بقدرة فريدة على تحويل “الخاص” إلى “عام”؛ فبينما ألف كتاب “الإسلام والحداثة” ليكون حواراً فكرياً مباشراً مع النخبة الغربية بلغتهم،
نجد أن مذكرة “إلى من يهمه الأمر” التي وجهها لملك البلاد، قد اكتست بُعداً عالمياً فور صدورها عبر ترجمتها لعدة لغات. إن قصد الإمام من “تصدير” هذه الرسائل للغرب كان إطلاع “عقلاء العالم” على جوهر القضية، وتبيان أن مطلب “العدل” في بلادنا ليس شأناً محلياً معزولاً، بل هو جزء من معركة إنسانية كبرى ضد الاستبداد والمادية.
وبدالك ,يبرز كيف جمع الإمام بين “حرارة الوعظ” الموجه للحاكم و”دقة التشخيص” الموجه للمراقب الغربي؛ فهو في كتابه بـالفرنسية يُفكك “عقدة الاستعلاء” لدى الغربي، وفي مذكرته المترجمة يُفكك “أسطورة الاستثناء” التي يحاول الاستبداد ترويجها. إن هذه الرسائل والكتب تشكل في مجموعها “متناً دعوياً كلياً” يخاطب الإنسان المعاصر في قلقه الوجودي وأزماته السياسية، مؤكداً أن “الرسالية المنهاجية” تمتلك الشجاعة لقول الحق في الداخل، والمروءة لمد يد الإنقاذ للخارج.
وبذلك، تحول الإمام من “داعية محلي” إلى “منقذ عالمي” يحمل في يد مشعل العلم وفي اليد الأخرى نور الوحي، مؤكداً أن “الرسالية المنهاجية” هي تلك التي لا تكتفي بوصف الداء، بل تمتلك الشجاعة والمروءة لتقديم الدواء، ولو كره المستكبرون الذين يقتاتون على إشعال فتن الصدام والخراب.
المبحث الخامس: نماذج من الحوار المنهاجي (الديمقراطيون والأمازيغ)
1-حوار مع الفضلاء الديمقراطيين: البحث عن “المروءة السياسية” والشورى الحقة
يُعد كتاب “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” بمثابة “مانيفستو” منهاجي لإعادة تعريف العلاقة بين الإسلاميين والقوى العلمانية والليبرالية، حيث تجاوز فيه الإمام ياسين لغة “التكفير” أو “التبديع” السطحية، لينفذ إلى جوهر “الأزمة الأخلاقية” للعمل السياسي.
يرى الإمام أن “الديمقراطية” في جوهرها الإجرائي (محاسبة الحاكم، التداول، فصل السلط) هي مكسب إنساني لا يصادمه الإسلام في وسائله، بل إن “الشورى المنهاجية” هي الأفق الأسمى الذي يملأ تلك الهياكل بروح الإيمان. إن هذا المحور يكشف كيف استنبط الإمام مفهوم “الفضلاء”؛ وهم أولئك الذين يمتلكون “مروءة” فطرية تجعلهم يأنفون من الظلم ويمقتون الاستبداد، ولو لم تكن سجداتهم في المحاريب معنا. إن الحوار هنا هو حوار “القيم”؛ فالمؤمن المنهاجي يمد يده لكل ديمقراطي شريف يرفض أن يكون “خادماً للاستبداد”.
لقد فكك الإمام في هذا المتن الطويل أوهام الصراع الصِفري، مؤكداً أن معركة “تحرير الإنسان” تتطلب “تعبئة عامة” لا تستثني أحداً ممن في قلبه ذرة من غيرة على كرامة هذا الشعب. إن هذا الطرح لا يعني ذوبان الهوية الإسلامية، بل هو
“دعوة علنية” للديمقراطيين ليراجعوا “مرجعيتهم المادية” التي قد تؤدي بهم لليأس، مقابل “المرجعية الإيمانية” التي تمنح النضال السياسي صبغة الخلود، مؤسساً لـ “أدب حواري” يجعل من الاختلاف في “المنطلقات” دافعاً للتكامل في “الغايات” المتمثلة في رفع الحيف عن المظلومين وتشييد دولة الحق والقانون.
2 -حوار مع صديقي الأمازيغي: تدبير التنوع بميزان العدل والوحدة العقدية
في كتابه “حوار مع صديقي الأمازيغي”، يقتحم الإمام منطقة “الألغام الهوياتية” بجرأة نبوية ورؤية إيمانية تجمع بين “الإنصاف التاريخي” والوحدة الروحية للأمة. يرفض الإمام بقوة أي استغلال للمكون الأمازيغي كـ “مطرقة” لضرب لغة القرآن أو كـ “إسفين” لفصل المغرب عن عمقه الإسلامي، وفي المقابل يرفض بصرامة أكبر أي “تعريب إيديولوجي” قسري حاول طمس هوية عريقة هي في الأصل “آية من آيات الله” في خلقه. إن هذا المحور يوضح كيف أن الإمام اعتبر الأمازيغية “رحماً إيمانية” استقبلت نور الإسلام بصدق وحمته بجهادها لقرون طوال، وأن أي نيل من هذه الهوية هو نيل من جمالية التنوع الذي أراده الخالق للبشرية.
إن الحوار مع “الصديق الأمازيغي” هو في الحقيقة حوار مع “الذات المغربية” المتعددة الأبعاد، حيث أكد الإمام أن رابطة “العقيدة” هي السقف الأعلى الذي يستوعب كل الألسن والثقافات دون صهرها. لقد فكك الإمام أطروحات “العلمانية العرقية” التي تحاول استبقاء الأمازيغ في دائرة “الفلكلور” أو عزلهم عن منابع وحيهم، مبيناً أن العدل الذي ننشده يضمن لكل ذي لسان حقه في التعبير والإبداع داخل إطار “العمران الأخوي”.
إن هذا الكتاب ليس مجرد رد على شبهات، بل هو “ميثاق تعايش” يؤصل لكون الاختلاف اللساني هو مصدر ثراء حضاري لا سبب شقاق سياسي، مقدماً درساً بليغاً في “فقه التنوع” الذي يحمي النسيج الاجتماعي من رياح الشعوبية الجديدة ومن ترهات القومية الضيقة.
3- المروءة” كعقد اجتماعي منهاجي: تحويل “الاختلاف” إلى “تكامل إنقاذي”
لقد استطاع الإمام ياسين عبر هذه الحوارات التطبيقية أن يؤسس لمفهوم “المروءة” كبديل قيمي وأخلاقي عن “العقد الاجتماعي” المادي الجاف الذي ينبني فقط على المصالح والمقايضات. فالمروءة في فكر المنهاج هي “الرصيد القلبي” الذي يسمح للمسلم، والديمقراطي، والأمازيغي، واليساري المنصف، أن يجتمعوا في “حلف فضول” معاصر ضد غول الاستبداد وتغول الفساد. في هذا المحور يبرز كيف أن الإمام جعل من “أدب الحوار” و”خصلة الإنصاف” جزءاً لا يتجزأ من السلوك الإحساني؛ فالاعتراف بالآخر والبحث عن فضله هو ثمرة لتربية النفوس على التواضع والرحمة.
إن الإمام لم يكن يطمح لإنتاج “نسخة واحدة” من البشر، بل كان يسعى لـ “تأليف القلوب” حول حد أدنى من القيم الإنسانية التي تحفظ كرامة المجتمع من الانهيار. إن هذه الحوارات برهنت على أن “المنهاج النبوي” يمتلك طاقة استيعابية هائلة، قادرة على محاورة أشد الخصوم وتحويلهم إلى شركاء في “همّ الوطن” و”أمانة الاستخلاف”.
إن الهدف النهائي لم يكن “المساجلة الفكرية” لإثبات الغلبة، بل كان “بناء جسور الثقة” المفقودة، تمهيداً لقيام “قومة” وطنية شاملة تشترك فيها كل الأيدي النظيفة، وبذلك يثبت للعالم أن الإسلام بآفاقه المنهاجية هو صمام الأمان الوحيد الذي يجمع بين صيانة “الهوية الربانية” وحماية “الحريات الإنسانية” في توازن مبهر.