منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (16)

عبد الغني منتصر

0

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (16)

بقلم: عبد الغني منتصر

 

الفصل السادس: المنهاج والآخر.. حوار الحضارات وأخوة الإنسان

​تصدير الفصل: البعد العالمي للمنهاج ومنطق الرسالية

​      ينتقل بنا هذا الفصل الختامي إلى رحاب “الكونية المنهاجية”، حيث نُبحر في فكر الإمام عبد السلام ياسين من حيز “بناء القوة الذاتية” للأمة إلى فضاء “الرسالية العالمية” الموجهة للإنسان كإنسان. إن “منطق الرسالية” عند الإمام ليس تنظيراً أكاديمياً، بل هو استمداد حي من المنهج النبوي؛ فالرسالة المحمدية جاءت لتكون “رحمة للعالمين”. من هذه المشكاة، استلهم الإمام رؤيته للآخر، معتبراً أن واجب الوقت يقتضي تبليغ هذا النور للعالم بلسان العصر ولغة الحق، بعيداً عن منطق “الصدام” الذي يغذي الكراهية. إنها “عالمية إنقاذ” لا “استحواذ”، تسعى لتحرير البشرية من أغلال المادية المتوحشة لتعيدها إلى فطرتها السليمة، انطلاقاً من ميثاق “أخوة الإنسان”.

المبحث الأول: نقد المركزية الغربية وتفكيك “وثنية الحداثة”

  • الحداثة تحت المجهر: فصام الوحي عن العلم وتأليه العقل المادي

       يقدم الإمام عبد السلام ياسين قراءة “تشريحية” للحداثة الغربية تتجاوز المظاهر التقنية لتبحث في الجذور الفلسفية التي أنتجت هذا النموذج المأزوم؛ فهو يرى أن الخطيئة الكبرى للحداثة تكمن في “الفصام النكد” بين الوحي والعلم، وهو الفصام الذي بدأ مع عصر النهضة والتنوير كرد فعل على تسلط الكنيسة، لكنه انتهى بتأليه العقل المادي وإقصاء الله عن شؤون التدبير البشري.

        يحلل الإمام في كتابه “محنة العقل المسلم” كيف تحول العقل من أداة “للفهم عن الله” إلى “وثن” يُعبد من دون الله، مما أدى إلى تجريد العلم من بوصلته الأخلاقية والقيمية. إن هذا النقد يهدف لتبيان أن الإمام لا يرفض التقنية أو المنجز العلمي الغربي بحد ذاته، بل يرفض “الفلسفة المادية” التي تغلفه وتجعل من الإنسان مجرد حيوان اقتصادي محكوم برغباته الحسية. إن الحداثة في نظر المنهاج هي “جاهلية متطورة” لأنها قطعت الحبل السري مع الغيب، فصارت تنتج سلاحاً يقتل، واقتصاداً يفقر، وثقافة تمسخ؛

       ومن هنا تأتي دعوة الإمام لـ “تبيئة” العلوم في محضن الإيمان، ليكون العلم خادماً للإنسان لا مستعبداً له. إن هذا النقد ليس من قبيل الترف الفكري، بل هو ضرورة وجودية لاسترداد “روح العلم” التي ضاعت في دهاليز المختبرات الجافة والمصالح الرأسمالية المتوحشة، وهو ما يستدعي “قومة فكرية” تعيد الاعتبار للحقائق الأخروية كمؤطر للنشاط الدنيوي، وبذلك يفكك المنهاج سحر الحداثة ويُسقط بريقها الزائف الذي استلب عقول الأجيال، مؤكداً أن التقدم الحقيقي هو الذي يجمع بين كفاءة التدبير وطهارة الضمير.

  2 – نقد العولمة: مواجهة “النمط الاستهلاكي” وحماية الخصوصية الثقافية

         ينتقل الإمام في تحليله من نقد الحداثة كفلسفة إلى نقد “العولمة” كآلية فرض وهيمنة؛ فهو يرى في العولمة المعاصرة وجهاً جديداً لـ “الاستعمار الثقافي” الذي يسعى لفرض نمط عيش واحد (أمريكي مركز) يمسخ الهويات ويحول الشعوب إلى كتل من المستهلكين المسلوبي الإرادة.

        يحلل الإمام في “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” كيف أن العولمة تعمل على “تسطيح” الوعي البشر عبر الإعلام العابر للقارات الذي يروج للابتذال ويحطم جدران الحياء والخصوصية باسم “الكونية”. إن المنهاج النبوي، في مواجهة هذا الطوفان، لا يدعو للانغلاق خلف أسوار الانعزال، بل يدعو لبناء “حصانة تربوية وثقافية” تمكن الأمة من التفاعل مع العالم دون الذوبان فيه. إن “الخصوصية الثقافية” عند الإمام ليست تعصباً عرقياً، بل هي تمسك بـ “الشهود الحضاري” الذي يمتلكه الإسلام كبديل أخلاقي لخراب القيم العولمي.

        لقدكان الإمام ياسين يراهن على “الأسرة” و”الجماعة” كمحاضن للمقاومة الثقافية ضد سلعنة الإنسان، معتبراً أن الأمة التي تفقد لغتها وقيمها ونمط عيشها المستقل تصبح مجرد “غثاء” في سيل العولمة. إن نقد العولمة في المنهاج هو نقد “إنساني” بالدرجة الأولى، يهدف لحماية التنوع الفطري للبشرية من التنميط القسري الذي تفرضه الشركات العابرة للحدود، وهو ما يجعل من مشروع العدل والإحسان مشروعاً “تحررياً” على المستوى العالمي، يسعى لإقامة عدالة اقتصادية وقيمية تعيد لكل ذي حق حقه في التعبير عن هويته الربانية.

3- الاستلاب الفكري: بناء “الاستقلال المعرفي” في مواجهة انبهار النخب

يُشخّص الإمام ياسين بمرارة حالة “الاستلاب الفكري” التي تعاني منها النخب العربية والمثقفون الذين انبهروا بالغرب لدرجة المحاكاة العمياء. يرى الإمام أن هذه النخب تحولت إلى “وسطاء” لتمرير الهزيمة النفسية، حيث يستوردون المفاهيم الغربية ويسقطونها على واقع الأمة دون تمحيص أو تأصيل. إن “الاستقلال المعرفي” في فكر المنهاج هو الشرط الأول لأي نهضة حقيقية؛ فلا يمكن لأمة أن تبني مستقبلها بـ “عقل مستعار”.

       يفصل الإمام في ضرورة “تطهير العقل المسلم” من رواسب التبعية، والعودة إلى منابع الوحي لاستنباط المفاهيم والمصطلحات التي تناسب كينونتنا التاريخية. إن هذا لا يعني القطيعة مع المنجز الإنساني، بل يعني التعامل معه من موقع السيادة لا من موقع التبعية؛ أي أن نأخذ ما ينفعنا ونطرح ما يصادم هويتنا. إن الاسترسال في هذا المحور يبرز كيف أن الإمام ياسين بنى “متناً منهاجياً” فريداً ليكون بديلاً عن المصطلحات الوافدة التي تحمل في طياتها شيفرات مادية.

       إن معركة التحرر عند الإمام هي “معركة مصطلحات” بامتياز؛ لأن من يمتلك المصطلح يمتلك الرؤية، ومن يمتلك الرؤية يمتلك القرار. وبناء هذا الاستقلال هو الذي يمنح الأمة القدرة على مخاطبة الآخر كـ “ند حضاري” لديه ما يقدمه للعالم، وليس كـ “تلميذ بليد” يكتفي بالترديد، وبذلك يكتمل عقد التحرر من وثنية الحداثة واستلاب العولمة نحو آفاق الشهادة الحضارية الراشدة.

المبحث الثاني: “أسلمة الحداثة” والمثقف الكوني.. الحوار بلسان “الآخر”

1-أسلمة الحداثة”: تفكيك المفهوم وإعادة بناء المضمون

      يمثل كتاب الإمام “أسلمة الحداثة” المكتوب باللغة الفرنسية صرخة فكرية في وجه الغرب المستعلي، حيث لم يكتفِ الإمام فيه بالدفاع عن الإسلام، بل بادر إلى “الهجوم المعرفي” عبر تفكيك مفهوم الحداثة نفسه. إن “أسلمة الحداثة” عند الإمام لا تعني “عصرنة الإسلام” وليّ أعناق النصوص لتوافق الأهواء الغربية، بل تعني “تلقيح الحداثة بروح الإسلام”؛ أي استبقاء المنجزات العلمية والتقنية وتخليصها من “حمولتها المادية” التي تقتل الروح.

       يرى الإمام أن الحداثة الغربية بلا إيمان هي “قطار بلا كوابح” يتجه نحو الانتحار الحضاري، وأن الإسلام هو الوحيد القادر على إعطاء “المعنى” للآلة و”الرحمة” للمختبر. إننا  في هذا المحور نبرز كيف أن الإمام خاطب العقل الغربي من منطلق “الاستخلاف”؛ فالحداثة ملك مشاع للبشرية في جانبها التقني، لكنها ملكية “يتيمة” ما لم تعد إلى حضن الوحي.

         وبذلك، قدم الإمام أطروحة فريدة تجمع بين “الفعالية الدنيوية” و”السكينة الأخروية”، محولاً الحداثة من أداة للسيطرة والنهب إلى وسيلة لعمارة الأرض وفق مراد الله، وهو ما يجسد جوهر المنهاج في “تبيئة” المنجز الإنساني داخل المحضن الرباني.

2-الإمام المثقف الكوني: سلاح اللغة وسلطان الحجة

       تتجلى عبقرية الإمام ياسين في كونه “رجل حوار” بامتياز، تسلح باللغات الأجنبية (الفرنسية والإنجليزية وغيرها) ليكون جسراً بين حضارتين. إن إتقان الإمام للغات القوم لم يكن ترفاً أكاديمياً، بل كان “أداة جهادية” واعية؛ فهو يدرك أن مخاطبة الآخر بلسانه هي أقصر الطرق لهدم أوهام المركزية الغربية. عندما كتب بالفرنسية، لم يكتب ليعتذر أو ليداهن، بل كتب ليُري الغرب مرآة نفسه، ويشخص له أمراضه النفسية والاجتماعية التي عجزت فلسفاته عن علاجها.

        إن هذا “الوعي المزدوج” (العمق الشرعي والاطلاع الغربي) منح الإمام هيبة معرفية جعلت الأكاديميين والفضلاء في الغرب يقفون أمام خطابه باحترام؛ فهو لا ينقد “الحداثة” من الخارج، بل ينقدها من “داخلها” مستخدماً أدواتها المعرفية لإثبات تفوق الرؤية الإسلامية. إننا في هذه الفقرة نبرز “المروءة الفكرية” للإمام الذي لم يرفض الآخر جملة وتفصيلاً، بل قرأ أدبه وفلسفته وسياسته، ثم غربلها بميزان الوحي، ليقدم نموذجاً للمسلم المعاصر الذي لا تهزه رياح التغريب لأنه يمتلك جذوراً ضاربة في اليقين، ولساناً طليقاً في لغة العصر.

3-من “الغزو الثقافي” إلى “الفعل الرسالي”: تحويل لغة القوم إلى وعاء للدعوة

      لقد استطاع الإمام ياسين أن يقلب موازين “التبعية اللغوية”؛ فبينما كانت اللغات الأجنبية أداة للاستلاب الفكري لدى الكثير من النخب، حولها الإمام إلى “وعاء رسالي” يحمل أنوار النبوة إلى العالم. إن كتاب “أسلمة الحداثة” ورسائله الموجهة لزعماء الغرب تُثبت أن المنهاج يمتلك “طاقة تواصلية” هائلة تتجاوز الحواجز القومية. يرى الإمام أن اتقان لغة الآخر هو جزء من “فقه الدعوة” المعاصر،

       حيث يخرج المؤمن من “غيتو” الانعزال ليدخل رحاب الكونية. إن الاسترسال في هذا المحور يوضح كيف أن الإمام أسس لـ “خطاب دعوي عالمي” لا يكتفي بالوعظ الديني التقليدي، بل يدمج فيه التحليل السوسيولوجي والنقد السياسي والقلق الوجودي الذي يعيشه إنسان الحداثة. إن الهدف النهائي لم يكن “الانتصار الكلامي”، بل “الإنقاذ الأخلاقي”؛ فالإمام يرى في كل غربي حائر “إنساناً مستحقاً للرحمة”، ولغة الآخر هي القنطرة التي نمر عبرها لنأخذ بيده نحو شاطئ الإيمان. وبذلك، تحولت “الحداثة” من عدو يُخشى إلى “ميدان للشهادة” يُقتحم بصدق الموقف وقوة الحجة، مما يثبت أن المنهاج هو مشروع “عالمي” بالجوهر لا بالشعار فقط.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.