المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (15)
بقلم: عبد الغني منتصر
الفصل الخامس: أفق الاستخلاف والموعود النبوي “فقه البشارات وعمران الأخوة”
المبحث الثالث: الاستخلاف الكوني ومسؤولية الأمة الوسط
1- مفهوم الاستخلاف من “السيادة الترابية” إلى “الأمانة الوجودية“
يرتقي الإمام بمفهوم الاستخلاف إلى رحابة “الأمانة الوجودية”؛ فالاستخلاف إعماري يقوم على العبودية لله، حيث لا ينفصل السجود عن السعي في الأرض. يحلل الإمام في كتابه “العدل” كيف تعاني البشرية من “استخلاف مادي أعرج” غزا الفضاء وعجز عن تحقيق السكينة، مما دمر البيئة واستعبد الشعوب. هنا تبرز مسؤولية الأمة المسلمة في تقديم “النموذج البديل” الجامع بين القوة المادية والطهارة الروحية.
إن الخلافة ليست إمبراطورية توسعية، بل “رحمة مهداة” تهدف لإعادة التوازن بين الوحي والعقل. هذا الفهم يخرج الأمة من الانكفاء إلى الانفتاح على هموم البشرية، معتبرة معركة تحرير الإنسان معركة واحدة تبدأ من النفس وتنتهي بالمنظومات العالمية، مما يجعل الاستخلاف “رسالة كونية” تخاطب الفطرة وتؤسس لعالم يسوده السلام القائم على العدل الإلهي.
2- الأمة الوسط والشهود الحضاري: دور المنهاج في إنقاذ البشرية من “الجاهلية”
يقف الإمام عند “الوسطية” التي تعني “المركزية القطبية” الشاهدة على انحرافات المادية. الشهود الحضاري هو شهود بالعدل وسط “جاهلية القرن العشرين” التي ألهت الإنسان وعزلت الوحي. يحلل الإمام في “محنة العقل المسلم” ضرورة “الفطام الحضاري” لاستعادة الثقة بالمنهاج. مسؤولية الأمة الوسط هي أن تكون “القاضي العدل” برحمة وقوة. يبدأ هذا الشهود من الداخل؛ بصياغة مجتمع يكرم المرأة ويوزع الثروة بالحق، ليكون “الحجة البالغة” الداعية للإسلام بلسان الحال. إن الأمة الوسط تمتلك “الترياق” لداء القلق الوجودي وتقدم “المعنى” في زمن العبث، مما يجعل المنهاج مشروعاً عالمياً وصرخة حق في وجه كل استكبار يغتصب حقوق المستضعفين.
3- رسالة الإسلام للعالم: نحو “عمران أخوي” يتجاوز صراع الحضارات
يطرح الإمام رؤية لمستقبل العلاقة مع الغرب، رافضاً “الصدام” و”نهاية التاريخ”، ليطرح “تعارف الحضارات” القائم على الكرامة الآدمية. يفرق الإمام بين “النظام الإمبراطوري” الجائر و”الإنسان الغربي” الضحية. العمران الأخوي هو “مظلة إنقاذ” للبشرية ضد خطر الفناء المادي. الغاية العظمى هي “معرفة الله”، وكل الجهود هي وسائل لتمهيد هذا الطريق.
الخلافة المقبلة ستكون “القطب الجاذب” للنفوس الحائرة بحلولها لمشاكل الفقر والضياع الروحي. هذا يتطلب من جند الله أن يكونوا “على مستوى العصر” علماً وتنظيماً دون فقدان “حرارة الذكر”. النصر ليس غلبة عسكرية فحسب، بل هو “فتح للقلوب” وإعادة للإنسان لفطرته، في عالم يترنح تحت وطأة الظلم.
المبحث الرابع: “فقه الزمان” والاستبصار الاستراتيجي في فكر المنهاج
1- فلسفة الزمن المنهاجي: الخروج من “تيه الانتظار” إلى “صناعة الأسباب”
يُعالج الإمام إشكالية “الزمن” بوصفها حجر الزاوية؛ فالأمة سقطت في “زمن الاستقالة” (انتظار الغيب دون عمل) أو “الزمن المادي” (القفز على السنن). يؤسس الإمام لـ “الزمن الجهادي”؛ حيث يُستثمر كل نَفَس في بناء القوة المؤمنة. البركة في الزمان تكتسب بالوصل بالله، و”فقه الموعد” يعني العمل في غبش الليل استعداداً للانبثاق. يرفض الإمام “القدرية السياسية”، مؤكداً أن قدر الله يُدفع بقدر الله، وأن قانون ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ صارم. “جيل الموعد” هو من طوع الزمن بالتنظيم والتربية، محولاً الثانية إلى قيمة أخروية وميدانية، ليعيد الأمة صانعة للأحداث وموقعة على سجلات الزمن بمداد العبودية والكدح، مزاوجاً بين اليقين الغيبي والفاعلية التاريخية.
2- الاستبصار الاستراتيجي وقراءة “سنن الله” في أفول الجبر وبزوغ الفجر
يرتبط فقه الزمان بـ “الاستبصار”؛ القدرة على رؤية ما وراء الحجب المادية. المستبصر يقرأ في السنن أن الباطل زهوق وأن الاستبداد يحمل بذور فنائه. الاستبصار يتغذى من “نورانية الذكر”؛ فالقلب الموصول بالخالق تنكشف له حقائق لا تدركها الأرقام الجافة. “المؤمن ينظر بنور الله” لتمييز الفرص وسط الأزمات. لا يلغي الإمام العقل، بل يرفعه لمقام الاستخلاف؛ فالتخطيط “تعبد بالسبب مع تعلق بالمسبب”. هذا الاستبصار هو الذي سمح للإمام بتوقع التحولات الكبرى (كانهيار السوفيات) بناءً على فهم السنن. جند الله يحتاجون لهذا الاستبصار للثبات على “الوجهة” مهما تغيرت الموازين، فالقوة الحقيقية في “القرب من الله” و”الصف المرصوص”. المنهاج فكر “واقعي-غيبي” يمنح القدرة على الاستئناف في أحلك الظروف، محولاً اليأس إلى أمل زاحف نحو العدل والرحمة.
المبحث الخامس: “المرأة” في مجتمع الاستخلاف.. من الانحباس إلى الانبعاث
1-نقد “فقه الانحباس” وتفكيك المواريث المأزومة: المرأة كضحية للانكسار التاريخي
قضية المرأة هي ترمومتر عافية الأمة؛ فمنذ الانكسار التاريخي تسرب الاستبداد للأسرة، فاستُبدلت القوامة بـ “سلطوية ذكورية”. يحلل الإمام “فقه الانحباس” الذي حصر المرأة في الخدمة والتبعية، مشلاً نصف طاقة الأمة. ينتقد الإمام أيضاً “الحداثة السائبة” التي حولت المرأة لسلعة؛ فكلا النموذجين يسرق كرامتها. “تنوير المؤمنات” عملية تحرير مزدوجة: من أغلال العادات ومن إغراءات المادية. يجب أن تسترد المرأة حقها في العلم والمشاركة والصدع بالحق كما في العهد النبوي. هذا الانبعاث شرط للعمران الأخوي؛ فلا نهضة بنصف مكبل، مما يجعل القضية “وجودية” تتطلب شجاعة لكسر أطواق الجور التاريخي وإعادة العزة الإيمانية للمرأة.
2 –الولاية المشتركة وصناعة “جيل الموعد”: الدور القيادي للمرأة في القومة والبناء
يؤسس الإمام لمبدأ “الولاية المشتركة” في الشأن العام؛ فالمرأة قسيمة الرجل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. تحتاج القومة إلى “المرأة المجاهدة” في ثباتها ومبادرتها. دورها في صناعة الأجيال لا يعني تقزيمها، بل يعني أنها المدرسة الأولى؛ فالأم المنورة تخرج جيلاً فاتحاً. المشاركة النسائية في الجماعة هي ركن ركين في التنظيم والتربية والمدافعة. تمنح الرؤية المنهاجية المرأة أدواراً قيادية في مؤسسات العمران مع الحفاظ على قدسية الأسرة ضد الذوبان المادي. المرأة المنهاجية تجمع بين سجدة الصلاة وذكاء التدبير، محققة التوازن المفقود. الرهان على “يقظة المؤمنات” كبساط للقومة، فالخلافة تقوم بسواعد الرجال والنساء معاً في مشهد تعبوي يعيد للأمة هيبتها ووسطيتها.
خلاصة الفصل الخامس: استراتيجية الموعود وصناعة المستقبل المنهاجي
نخلص من مجمل ما تم تشريحه واستقصاؤه في مباحث هذا الفصل إلى أن “أفق الاستخلاف” في فكر الإمام عبد السلام ياسين ليس مجرد “يوتوبيا” غيبية أو ملاذاً شعورياً للهروب من مرارة الواقع، بل هو “منظومة استراتيجية” متكاملة تهدف لإعادة ربط الأمة بمصدر قوتها الأصيل. لقد تجلى لنا بوضوح أن “فقه البشارات” يمثل المحرك النفسي والوقود الإيماني الذي يحطم جدار اليأس الصخري الذي خلفه “عصر الجبر”، محولاً الأمل من مجرد تمنيات سلبية إلى “خطة عمل” زاحفة نحو موعد الله.
إن هذا الفصل قد كشف لنا أن “العمران الأخوي” هو الرد الحضاري الإسلامي على مآزق الحداثة المادية؛ فهو ليس مجرد “بناء مؤسسات”، بل هو “بناء إنسان” قادر على حمل أمانة الشهادة على الناس، في مجتمع تسوده “الأخوة” كمبدأ سوسيولوجي حاكم يجمع بين عدل القانون ورحمة الإيمان.
كما أن تحليلنا لـ “فقه الزمان” و”الاستبصار الاستراتيجي” قد أثبت أن الإمام ياسين لا ينتظر التاريخ، بل يقتحمه؛ فهو يقدم رؤية للزمن بوصفه “مادة خام” للجهاد، حيث تصبح كل لحظة هي فرصة للتقرب من الله وعمارة الأرض بالحق، بعيداً عن “القدرية السلبية” التي شلت إرادة الأجيال السابقة. وما كان لهذا البنيان الاستخلافي أن يفي نظر الإمام دون استعادة “المرأة” لمكانتها كشقيقة للرجل، فانبعاثها من “انحباس التقاليد” و”سوقية المادية” هو الانبعاث الحقيقي للأمة في مجموعها، وهي التي تمنح “العمران الأخوي” روحه الحانية وقوته التربوية الضامنة للاستمرار.
إن الاستخلاف الكوني ومسؤولية الأمة الوسط، كما رسمها الإمام، تضعنا أمام ميثاق أخلاقي عالمي، يخرج فيه الإسلام من حيز “الدفاع عن النفس” إلى حيز “المبادرة لإنقاذ البشرية”، مقدماً “النموذج” الذي يجمع بين طهارة المحراب وكفاءة التدبير وقوة المؤسسات. إننا أمام رؤية لا تقبل بالتجزئة؛ فالبشارة تقتضي التربية، والتربية تثمر الأخوة، والأخوة تنتج العدل، والعدل يمهد للاستخلاف.
وبذلك يمثل الفصل الخامس “ذروة السنام” في مشروع الإمام، حيث تلتقي أشواق الروح بضرورات السياسة، وتتحد بشائر النبوة بجهود الرجال والنساء، لتمضي قافلة المنهاج نحو “الفجر الصادق” الذي لا زيف فيه، مؤكدة أن “الاستئناف” ليس حكماً عسكرياً أو إمبراطورية قهرية، بل هو “خلافة نبوية” تعيد للإنسان كرامته، وللأرض بركتها، وللكون اتزانه المفقود تحت ظل العبودية
الخالصة للخالق سبحانه وتعالى، وهو ما يجعل من هذا الفصل حجر الزاوية في بناء وعي “جيل الموعد” الذي ينتظر إذن الله بالتمكين، مستعداً بالعلم والعمل واليقين، ليوقع بمداد “العدل والإحسان” على سجل التاريخ فصلاً جديداً من فصول النور والرحمة العالمين