المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (12)
عبد الغني منتصر
المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (12)
بقلم: عبد الغني منتصر
الفصل الرابع: فلسفة التغيير المنهاجي.. من ليل “الفتنة” إلى فجر “القومة”
تصدير: في استرداد الخيط الناظم للزمان والمكان
لا يمكن فهم “المشروع المنهاجي” للإمام عبد السلام ياسين بمعزل عن رؤيته الكلية للتاريخ؛ تلك الرؤية التي لا ترى في الزمن مجرد توالٍ للأيام والسنين، بل تراه “مسرحاً للابتلاء” وميداناً لتدافع الحق والباطل. يأتي هذا الفصل ليردم الفجوة بين “التربية الفردية” التي فصلناها في الخصال، وبين “المصير الجماعي” للأمة. إننا هنا بصدد تشريح “العقبة التاريخية” التي تحول بين الأمة وبين موعود نبيها ﷺ. سنغوص في أعماق “الانكسار التاريخي” لنفهم كيف ضاعت الشورى، ونفكك سوسيولوجيا “الفتنة” التي استقرت في الوجدان، لنصل في النهاية إلى صياغة مفهوم “القومة” كبديل شرعي وحركي عن الثورات المادية الجافة. إنه فصل الانتقال من “توصيف الداء” إلى “هندسة الدواء”، ومن “بكائية التاريخ” إلى “صناعة التاريخ” على منهاج النبوة.
المبحث الأول: الانكسار التاريخي.. نقطة التحول الكبرى في الوعي والواقع الإسلامي
1- مفهوم الانكسار: من “نورانية الشورى” إلى “ظلمة الملك العاض” والقطيعة مع المنهاج
يرى الإمام عبد السلام ياسين، بعين البصير المحقق، أن تاريخ الأمة الإسلامية لم يشهد مجرد تبادلات روتينية للسلطة أو تغيرات في السلالات الحاكمة، بل شهد انعطافاً حاداً ومؤلماً مثّل “الخطيئة التاريخية” الكبرى، وهو ما يسميه بـ “الانكسار”. هذا الانكسار لم يكن مجرد حدث سياسي عابر، بل كان زلزالاً ضرب “العروة الوثقى” التي تربط عرى القرآن بعرى الحكم، والوحي بالواقع. لقد تحولت الخلافة الراشدة، التي كانت تجسيداً لـ “نورانية الشورى” والعدل المطلق والارتباط العضوي بين الحاكم والمحكوم في ذات الله، إلى “ملك عاضّ” وراثي يعتمد “عصبية السيف” والحمية القبلية والبطش وسيلة للبقاء.
إن هذا التحول مثّل لحظة “الخروج من النور إلى الظلمة” في التدبير العام لشؤون المسلمين؛ حيث استُبدلت الإرادة الشعبية المؤمنة بـ “الإرادة السلطانية” القاهرة. يشرح الإمام هذا الانكسار بوصفه “انفصالاً للهدي النبوي عن تدبير الشأن العام”، وهو ما أحدث شرخاً غائراً في الوعي المسلم الجمعي؛ إذ صار المؤمن مطالباً، تحت ضغط الفقهاء أحياناً وبطش الجلادين أحياناً أخرى، بـ “الطاعة العمياء” للحاكم
الجائر مقابل أمنٍ مغشوش، بعد أن كان في العهد الراشدي “شريكاً” أصيلاً في القرار ومسؤولاً عن تقويم اعوجاج الإمام ولو بالسيف.
إن هذا الانفصال هو الذي أنتج ما يسميه الإمام “ذهنية الرعية” المستسلمة، حيث تعودت الأنفس على الانحناء للعواصف وفقدت الشخصية المسلمة تلك “العزة الإيمانية” الشامخة. الانكسار هو “الجرح الأم” الذي ولدت منه كل المحن اللاحقة، وهو الذي جعل الدين يُختزل في عبادات فردية (إحسان معزول) بينما تُركت السياسة (العدل الموؤد) لتدار بمكر القوة والشهوة، وهو ما يسعى المنهاج النبوي لإعادة وصله في وحدة عضوية تعيد للأمة سيادتها المسلوبة وللحكم طهارته المفقودة.
2 – موقف العلماء من الانكسار: بين “فقه المقاومة” الصادع و”فقه الضرورة” المبرر للقعود
لقد واكب هذا الانكسار التاريخي الحاد اضطرابٌ عظيم وتمايزٌ في مواقف النخب العلمية والفقهية التي وجدت نفسها بين مطرقة الاستبداد وسندان الفوضى. يحلل الإمام ياسين هذه المرحلة بكثير من الإنصاف والعمق المنهجي؛ فهو لا يسارع
لاتهام العلماء بالخيانة المطلقة، بل يرى أنهم حوصروا تاريخياً بين “جور الحاكم” الذي يملك السيف، وبين “فتنة الفوضى” التي قد تذهب بـ “بيضة الإسلام” وتفتح الثغور للأعداء. فكان منهم “أئمة المقاومة” الذين صدعوا بالحق ودفعوا دماءهم وأعمارهم ثمناً للحفاظ على روح الشورى، كالحسين بن علي وزيد بن علي وسعيد بن جبير، والأئمة الأربعة الذين نُكل بهم لأنهم رفضوا تطويع الشرع لهوى السلطان. وفي المقابل، غلب على قطاع واسع من الفقهاء منطق “الستر” و”درء المفسدة الكبرى”، فاختاروا “أهون الشرين” بالسكوت عن اغتصاب السلطة مقابل الحفاظ على وحدة المجتمع.
لكن الإمام ياسين يضع إصبعه على الجرح حين يبين أن هذا الاختيار “الاضطراري” تحول مع مرور القرون وتراكم الغفلة من “رخصة للضرورة” إلى “منظومة فقهية” تبريرية متكاملة، شرعنت للاستبداد أن يتجذر في الأرض، وجعلت من “الصبر على الإمام الجائر” أصلاً عقدياً، مما أدى إلى تجميد طاقة التغيير في الأمة وقمع إرادة القومة. إن هذا “الفقه الجنائزي” -كما يصفه الإمام بمرارة- هو الذي حوّل العلماء من “ورثة للأنبياء” في القيادة والمنازلة والشهادة على الناس، إلى “مفتين للضرورة” وموظفي بلاط يباركون الواقع المرير بمسوغات شرعية باهتة ومنتزعة من سياقها. وبذلك، تعمق الانكسار التاريخي ليصبح “انكساراً علمياً” جعل العقل الفقهي المسلم قاصراً عن إدراك مقاصد التحرر والعدالة، وهو ما يعتبره الإمام عائقاً ذهبياً يجب نقضه لاستعادة “فقه القومة” الذي يزاوج بين العلم والموقف.
المبحث الثاني: نظرة الإمام ياسين للانكسار.. “فقه الاستئناف” لا “بكائية التاريخ”
1 – قراءة الإمام للانكسار: رؤية تشريحية لتجديد البناء وتجاوز فصام “القبلة والقصور”
لا يتوقف الإمام عبد السلام ياسين عند محطة “الانكسار التاريخي” ليبكيه بدموع العاجزين أو ليلعن شخوصه بلسان الطائفيين، بل يقرأه قراءة “تشريحية منهاجية” تهدف بالأساس إلى استخراج “قوانين النهوض” وبناء المستقبل على بصيرة. يرى الإمام أن “فهم الانكسار” في أبعاده النفسية والسياسية هو الخطوة الاستراتيجية الأولى نحو “الاستئناف الإسلامي” المنشود؛ فإذا لم تدرك الأمة أين ومتى وكيف ضلت الطريق عن جادة النبوة، فلن تمتلك أبداً خارطة العودة إليها. يعتبر الإمام أن أعظم كوارث الانكسار هي “تجزؤ الدين” في روع المسلمين؛ حيث نشأ فصام نكد بين “دين المساجد” (العبادة المنعزلة) و“دين القصور” (السياسة الجبرية)، وهو الفصام الذي يسعى “المنهاج النبوي” لعلاجه جذرياً.
تتميز نظرة الإمام بالشمولية الفائقة؛ فهو يربط برباط محكم بين “انحراف الحكم” وبين “انحراف التربية”، مؤكداً بصرامة أن إصلاح ما أفسدته قرون من الملك العاض والجبري لا يمكن أن يتم عبر “انقلاب تقني” أو تغيير سطحي للوجوه في كراسي السلطة، بل لابد من “عملية تربوية-تاريخية” عميقة تعيد بناء “الإنسان” الذي انكسر باطنه وتلوثت فطرته بالخوف والوهن قبل أن ينكسر واقعه الظاهر.
إن “المنهاج” عند الشيخ هو “الجسر الحضاري” الذي يعبر بالأمة فوق فجوة الانكسار السحيقة، ليربط حاضرنا المأزوم بـ “النبع الصافي” للفترة النبوية والراشدة، مستلهماً قيمها الكلية دون أن يسجن نفسه في صراعات الماضي المذهبية الضيقة، وبذلك يتحول التاريخ في فكر الإمام من “عبء” ثقيل يكبل الحركة، إلى “درس” بليغ يحفز على “القومة” والنهوض لاستعادة السيادة المغتصبة.
2 – من الانكسار إلى “الوعي الاستئنافي”: بناء “جيل الموعد” واقتحام عقبات القعود والانتظار
يركز الإمام ياسين في نظرته العميقة للانكسار على ضرورة بناء ما يسميه “الوعي الاستئنافي” لدى جند الله؛ وهو الوعي الذي يرفض رفضاً قاطعاً الاستكانة لنتائج الانكسار التاريخي ومفرزات الجبر المعاصر باعتبارها “قدراً محتوماً” لا يمكن رده. إن الإمام يعلمنا، بلسان اليقين بموعود الله، أن حالة “الجبر” الهوان الذي نعيشه اليوم هي الثمرة المرة والمتراكمة لذلك الانكسار القديم، وأن تغيير هذا الواقع القدرى يتطلب جيلاً يمتلك “عقلية المبادرة” الربانية لا “عقلية الانتظار” السلبية التي تترقب المعجزات دون عمل.
إن هذا المبحث في فكر الإمام يطول ليفصل في كيفية استرداد “روح المروءة والمبادرة” عبر تفعيل الخصال العشر في سلوك الجماعة؛ فإذا كان الانكسار التاريخي قد أورث الأمة داء “القعود” واللامبالاة، فإن المنهاج يورثها “الجهاد” و”البذل” في سبيل الله. وإذا كان قد أورثنا “التشرذم” والشتات، فإن المنهاج يورثنا “الصحبة والجماعة” كبنيان مرصوص. إن الإمام ياسين يخاطب في هذا السياق “الفطرة السليمة” في الإنسان المسلم التي لم يلوثها الاستبداد بعد، ويدعوه بلهجة حارة لاقتحام “عقبة” التاريخ والجغرافيا والأنفس، ليعيد وصل الأمة بموعود نبيها ﷺ في “الخلافة الثانية على منهاج النبوة”. وبذلك، تصبح نظرة الإمام للانكسار نظرة “تفاؤلية كفاحية” بامتياز، تحول الألم التاريخي الكامن في الصدور إلى طاقة زاحفة نحو العدل والإحسان، وتجعل من “الاستئناف” مشروعاً حياتياً يومياً وجهاداً مستمراً، لا مجرد حلم رومانسي بعيد المنال، لتكون الأمة بحق شاهدة على العالمين كما كانت في فجرها الأول.