المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (14)
بقلم: عبد الغني منتصر
الفصل الخامس: أفق الاستخلاف والموعود النبوي “فقه البشارات وعمران الأخوة”
تصدير الفصل: في استشراف الفجر وقيادة التحول التاريخي
بعد أن خضنا في الفصول السابقة غمار التربية والتنظيم، وفككنا عرى الانكسار التاريخي وظلمة الجبر، نصل في هذا الفصل إلى “الغاية القصوى” والهدف الأسمى للمشروع المنهاجي. إننا هنا لا نتحدث عن أمانٍ مرسلة أو أحلام طوباوية، بل نتحدث عن “أفق الاستخلاف” كما رسمه الوحي وبشرت به النبوة. إن هذا الفصل هو محاولة لاستبصار معالم “الخلافة الثانية” التي ليست مجرد سلطة سياسية، بل هي “عمران أخوي” يجمع بين طهارة القلوب وعدالة المؤسسات. سنبحر في فقه البشارات كطاقة محركة، ونشيد أركان المجتمع البديل، ونعيد للمرأة دورها الريادي في صناعة جيل الموعد، لنصل في النهاية إلى فهم “الاستخلاف الكوني” الذي يجعل من الأمة المسلمة رحمة مهداة للعالمين في زمن التيه المادي.
المبحث الأول: فقه البشارات وقراءة أحاديث “الخلافة على منهاج النبوة”
1- البشارة كقوة محركة وتحطيم “صنم اليأس” في عصر الجبر
يضع الإمام عبد السلام ياسين “فقه البشارات” في صلب العملية التغييرية الشاملة، معتبراً أن الأمة التي تفقد الأمل في موعود الله هي أمة مشلولة الإرادة، ومسفوكة الروح، وعاجزة تماماً عن اقتحام عقبات التاريخ. إن البشارة في المنهاج ليست “تخديراً” للوعي أو انتظاراً سلبياً لخلاص غيبي بارد، بل هي “طاقة استنهاضية” جبارة تهدف بالأساس لتحطيم “صنم اليأس” الذي غرسه الاستبداد الجبري في النفوس عبر قرون من القهر الممنهج.
يحلل الإمام بعمق سيكولوجي الحالة النفسية للإنسان “المجبري” الذي استسلم لفكرة أن الظلم قدرٌ محتوم لا يزول، مبيناً أن البشارات النبوية جاءت لتفتح آفاق “المستحيل” وتزرع اليقين القاطع بأن “الليل مهما طال فلا بد من بزوغ الفجر الصادق”. إن هذا البعد الغيبي اليقيني هو الذي يمنح جند الله الصمود الأسطوري في وجه آلة القمع؛ فالمؤمن الذي يقرأ التاريخ بعين “الموعود النبوي” يرى في انتفاش الباطل مجرد سحابة صيف عابرة ستنقشع يقيناً، ويرى في تضحياته الحالية لبنة أساسية في صرح الخلافة المقبلة.
إن الإمام لا يبيع الأوهام، بل يربي “رجال ونساء الموعد” الذين يجمعون بين “النظر إلى السماء” بيقين العارفين، و”الضرب في الأرض” بعمل المنظمين. إن البشارة هي التي تحول “المحنة” إلى “منحة”، وتجعل من الحصار والابتلاء خلوة إيمانية للاستعداد لليوم المشهود، وبذلك يخرج المنهاج بالأمة من دائرة “رد الفعل” المنكسر إلى رحاب “المبادرة” الواثقة، معتبراً أن معركة التغيير هي في جوهرها معركة “يقين” تنتصر فيها إرادة الله الغالبة على كل إرادات الطواغيت.
2 – تحليل حديث المراحل التاريخية: استقراء النبوة لمسار الأمة وتجاوز الانسداد التاريخي
يقف الإمام ياسين وقفة تدبرية مهيبة عند حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، الذي يصفه الإمام بأنه “البوصلة التاريخية” للأمة، حيث قسّم المصطفى ﷺ تاريخ الإسلام إلى خمس مراحل مفصلية: النبوة، ثم خلافة على منهاج النبوة، ثم ملكاً عاضاً، ثم ملكاً جبرياً، ثم تكون “خلافة على منهاج النبوة”. يحلل الإمام هذا الحديث لا بوصفه خبراً غيبياً للاستئناس فحسب، بل بوصفه “خارطة طريق” وقانوناً سننياً للعمل؛ فالتوصيف الدقيق لمرحلة “الملك الجبري” التي نعيشها اليوم بمرارتها وتبعية حكامها، هو الذي يمنح المشروع المنهاجي شرعيته العلمية.
يرى الإمام أننا نعيش في “المنعرج الأخير” قبل انبثاق الفجر، وأن الحديث الشريف لم يكتفِ بقوله “ثم تكون خلافة”، بل أضاف القيد الذهبي “على منهاج النبوة” ليقطع الطريق على كل من يريد إعادة إنتاج الملك العاض تحت شعارات براقة، أو من يريد إقامة “دولة دينية” استبدادية تفتقر لروح الرحمة والشورى. إن “المنهاج” هو العودة لتلك النورانية التي جعلت الحاكم أجير الأمة والعدل ميزاناً حاكماً على الجميع.
إن وعي المؤمن بهذا التسلسل يخرجه من “ضيق اللحظة” إلى “سعة التاريخ”، ويجعله يدرك أن زوال الجبر حتمية نبوية تستوجب إعداد “القابلية التاريخية” لها عبر التربية والتنظيم؛ فالبشارة تقتضي “الاستبشار” قلباً و”الاستعداد” ميداناً، وبذلك يربط الإمام بين الغيب والشهادة في وحدة موضوعية تجعل من قراءة الحديث النبوي محركاً جباراً للفعل السياسي والاجتماعي المعاصر.
3- معنى “على منهاج النبوة” وتحدي الصياغة العمرانية الجديدة
يرتقي الإمام عبد السلام ياسين بعبارة “على منهاج النبوة” من كونها مجرد توصيفٍ لزمنٍ غابر، ليجعل منها الركيزة الجوهرية والضابط المنهجي لـ “المشروع البديل”. إن هذا المفهوم في فكر الإمام ليس دعوة لاستعادة “فلكلورية” أو شكلية للماضي، بل هو “استلهامٌ واعي للقيم المطلقة” وإعادة تنزيلها في سياق واقع معاصر شديد التعقيد.
إن الخلافة المقبلة، كما يستشرفها المنهاج، لا تعني استنساخاً آلياً لوسائل العصور الخوالي، بل تعني استعادة “الروح والمقصد”؛ أي سيادة الشورى الحقيقية، وضمان الكرامة الآدمية، وتحقيق العدل الاجتماعي الشامل. يحلل الإمام هذا المفهوم في مواجهة نماذج “الحكم الثيوقراطي” الكهنوتي أو “الديكتاتوريات” التي تتلفع بالدين زوراً، مؤكداً أن منهاج النبوة بريءٌ تماماً من كل فكر إقصائي أو دماء تُسفك بغير حق.
إن التحدي الحقيقي الذي يطرحه الإمام هو “الصياغة العمرانية”؛ كيف نبني دولة قوية تكنولوجياً واقتصادياً، تظل في ذات الوقت دولة “رحيمة” يحكمها الوازع الإيماني الداخلي قبل الوازع السلطاني القهري؟ إن هذا التحليل يفتح الباب لمقارنة “الخلافة المنهاجية” بكل النماذج المعاصرة، مبرزاً تفوقها في كونها لا تنظر للإنسان كـ “رقم إحصائي” أو “صوت انتخابي”، بل كـ “مكرم إلهي”.
إن “منهاج النبوة” هو الترياق لكل أمراض الحداثة المادية التي ألهت الإنسان عن ربه، ولكل أمراض الجمود الفقهي التي سحبت من الدين روحه؛ وبذلك يرتقي الإمام بهذا المفهوم ليكون هو “الأفق الحضاري” الذي يجمع شتات الأمة، ويوحد جهودها نحو إقامة القسط بقلوب معلقة بالسماء، في مشهد إعجازي يجمع بين طهارة المحراب وعدالة الميدان.
1- من “مجتمع الرعايا” إلى “مجتمع الإخوة”: الانقلاب القيمي في فضاء الاستخلاف
يرى الإمام عبد السلام ياسين أن جوهر التغيير المنهاجي لا يقف عند حدود استبدال نخب سياسية، بل يهدف إلى إحداث “ثورة قيمية” تعيد بناء الرابطة الاجتماعية على أساس “الأخوة في الله” بدلاً من روابط المصلحة أو الخوف. إن
“العمران الأخوي” هو المصطلح البديل لمفهوم “المجتمع المدني” الغربي؛ ففي “مجتمع الإخوة”، يتحول الفرد من ذرة منفصلة تبحث عن لذتها إلى “لبنة” في بنيان مرصوص، يشده للآخرين رباط “الحب في الله”.
يحلل الإمام هذا التحول مبيناً أن “الأخوة” هي البنية التحتية للاستقرار والعدل؛ فالمؤمن الذي يرى في الآخر أخاً له لا يمكنه أن يظلمه أو يسكت عن جوعه. إن هذا العمران يتأسس على “الرحمة” التي تحول الدولة من جهاز قمعي إلى “محضن” يرعى الضعيف ويقوم المعوج. إن هذا النموذج هو الترياق الوحيد لأمراض “الفردانية المتغولة” الغربية ولأمراض “القبلية” المفتتة؛ فبلوغ هذا المستوى يتطلب مساراً تربوياً يبدأ من “الصحبة والجماعة” لتنتشر عدوى هذه الأخوة في المجتمع بأسره، محولةً الشارع والمصنع إلى فضاءات “إحسانية” يُقام فيها القسط بروح البذل لا بروح التملك، وهو ما يمثل ذروة الطموح المنهاجي في صياغة مجتمع الفلاح والكرامة.
2- الشورى المنهاجية والعدل الاجتماعي: هندسة الدولة بين نورانية الوحي وكفاءة التدبير
ينتقل الإمام إلى الجانب المؤسساتي، مقدماً رؤية للشورى تتجاوز “الديمقراطية الصورية” التي تكتفي بالصناديق مع بقاء التفاوت الطبقي. إن الشورى في المنهاج هي “شورى أهل التقوى والكفاءة”، تهدف لاستخراج “الإرادة العامة” في ضوء مقاصد الشريعة. يحلل الإمام “العدل الاجتماعي” بوصفه الركن الركين؛ فلا أخوة في ظل فقر مدقع وغنى فاحش، لذا يبشر بنظام يعيد توزيع الثروة (زكاة، أوقاف، منع احتكار) لضمان “الحد الكافي” لكل فرد. الدولة في العمران الأخوي هي “دولة خادمة” تيسر سبل الخير وتحمي الحقوق.
إن هذه الهندسة تزاوج بين “نورانية الوحي” (صدق، أمانة، مسؤولية أمام الله) وبين “كفاءة التدبير” العصرية. يرفض الإمام “الثيوقراطية” و”العلمانية”، مقدماً بدلاً منهما “دولة الشورى والعدل” التي يستمد فيها الحاكم شرعيته من “رضى الأمة” والتزامه بالميثاق.
إن هذا الاسترسال يثبت أن الإسلام يمتلك إجابة عملية تجمع بين حرية الإنسان وسيادة الحق، محولاً المجتمع إلى “محراب كبير” للإنتاج والعبادة، بعيداً عن صراعات الطبقات وأهواء المستبدين.
3- تكريم الإنسان بوصفه مركزاً للعمران وغايةً للاستخلاف: نحو إنسانية مؤمنة
تتوج الرؤية بمفهوم “تكريم الإنسان”؛ فالإنسان ليس وسيلة إنتاج، بل “مكرم إلهي” وغاية كل المنظومة المنهاجية هي خدمة “سير هذا العبد إلى ربه” في بيئة تحترم آدميته. يحلل الإمام كيف مسخ الاستبداد والمادية هذا الإنسان، بينما يريد المنهاج إعادة “العزة” له كحق شرعي. تكريم الإنسان يعني ضمان حرية التفكير والصدع بالحق، وتوفير البيئة لتنمية قدراته. “الدولة المنهاجية” تضع الإنسان فوق المؤسسات؛ فالمؤسسة خادمة للفرد. هذه “الإنسانية المؤمنة” تحقق التوازن بين الروح والجسد، وبين الدنيا والآخرة. يمتد التكريم ليشمل المرأة شقيقة الرجال، والطفل، والشيخ، ليتحول المجتمع إلى “أسرة كبيرة”.
إن مشروع الإمام هو مشروع “تحرري” عميق: تحرر من عبودية الخلق، ومن ضيق المادة، ومن جور الأنظمة، لاسترداد “المعنى” وإقامة صرح الحضارة على أساس التقوى.