المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (13)
عبد الغني منتصر
المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (13)
بقلم: عبد الغني منتصر
الفصل الرابع: فلسفة التغيير المنهاجي.. من ليل “الفتنة” إلى فجر “القومة”
المبحث الثالث: سوسيولوجيا “الفتنة” وتفكيك واقع “الجبر” المعاصر
1- تشريح مفهوم الفتنة في فكر المنهاج: حالة “التيه” والضلال الجماعي وضياع البوصلة
لايحصر الإمام عبد السلام ياسين مفهوم “الفتنة” في دلالته الضيقة المرتبطة بالحروب الأهلية أو القلاقل العابرة، بل يرتقي به ليكون مفهوماً سوسيولوجياً وتاريخياً شاملاً يصف حالة “الزيغ” العام عن الصراط النبوي القويم. إن الفتنة، في الرؤية المنهاجية، هي “ليلٌ طويل” غلف الأمة حين تنفصم عرى الحكم عن عرى القرآن، وحين يصبح التدين طقوساً جوفاء منفصلة عن مقتضيات العدل والمنازلة؛ فهي حالة من “الغبش” الذي يحول دون رؤية الحق، حيث يختلط فيها المعروف بالمنكر، ويصبح “القعود” ديناً يُعبد و”المداهنة” حكمة تُنشد. يحلل الإمام الفتنة بوصفها “انقطاعاً للمد الإيماني الجماعي”، حيث تفتقد الأمة “القيادة الربانية” التي تجمع بين نورانية الإحسان وقوة التدبير، فتسقط في فخ التقليد الأعمى للنماذج الغربية المادية المستكبرة أو في فخ التراث المأزوم الذي يشرعن للاستبداد.
إن هذه الفتنة وهي تعصف بالقلوب والعقول معاً؛ فهي تفسد الوجدان بداء “الوهن” وحب الدنيا، وتفسد العقل بالارتهان للفلسفات الإلحادية أو العقلانية القاصرة، مما يجعل الأمة تعيش حالة من “التيه” تشبه تيه بني إسرائيل في الصحراء، حيث تمتلك كل مقومات النهوض لكنها تفتقد “الإرادة القومة”.
إن الاسترسال في وصف هذه الفتنة يهدف إلى إيقاظ وعي جند الله بحجم التحدي؛ فالتغيير لا يبدأ من فوق ركام الواقع، بل من تحت ركام الأنفس التي لوثتها الفتنة وأفقدتها بوصلة الوجهة إلى الله، مما يجعل من الخروج من “ليل الفتنة” أولى أولويات الاستئناف الحضاري.
2- عصر الجبر المعاصر: تحليل الاستبداد الحديث والارتهان للمنظومات المادية العالمية
ينتقل الإمام ياسين من تشخيص “الفتنة العامة” إلى تحليل “اللحظة الراهنة” التي يسميها بـ “عصر الجبر”، مستنداً إلى الإخبار النبوي الصادق الذي قسم تاريخ الأمة إلى مراحل سننية، واصفاً المرحلة الحالية بأنها “ملك جبري” يتميز بالقهر المطلق، والتبعية المذلة، وغياب الشورى الحقيقية. إن الجبر المعاصر في نظر الإمام ليس مجرد حاكم محلي مستبد يحكم بالحديد والنار، بل هو “منظومة عالمية متكاملة” من الهيمنة المادية التي تحاصر الأمة الإسلامية وتجعل من قراراتها السياسية والاقتصادية رهينة في يد القوى الاستكبارية الكبرى.
يحلل الإمام “الجبر” بوصفه حالة من “الانسداد التاريخي”؛ حيث تُسلب إرادة الشعوب عبر أنظمة حكم لا تستمد شرعيتها من الأمة بل من “القوة العارية” أو من “الاعتراف الخارجي” المشروط بالولاء، مما يحول الدولة الوطنية إلى “جهاز قمعي” وظيفته حماية مصالح النخب المتنفذة والارتباط بمركز “العولمة” الغربي. إن هذا الجبر يتجاوز السلوك السياسي ليصل إلى “التبعية الفكرية والنمطية الاستهلاكية المسعورة”، حيث تُراد صياغة المسلم ليكون “كائناً سلبياً” يستهلك ما ينتجه غيره، ويفكر بعقول غيره، ويقبل بالدونية الحضارية كقدر محتوم.
يفصل الإمام في هذا السياق كيف أن “الجبر” المعاصر هو العدو الوجودي لـ “الاستخلاف”؛ فالمستخلف في الأرض يجب أن يكون حراً، سيداً، مسؤولاً، بينما الجبر يهدف إلى “تأميم” هذه الحرية وتحويل الناس إلى “رعايا” مسلوبي الإرادة، يلهثون وراء لقمة العيش المغموسة في ذل التبعية، مما يجعل معركة التحرر من الجبر معركة “هوية ووجود” تهدف لاستعادة “الإنسان” قبل استعادة “الأرض”، وهي معركة تتطلب بناء “قوة موازية” تستمد طاقتها من الارتباط بمصدر القوة المطلق وهو الله سبحانه وتعالى.
3 – آثار الجبر على النفسية المسلمة: داء الوهن، الاستقالة السياسية، والنفاق الاجتماعي كعوائق للتغيير
إن أخطر ما في منظومة “الجبر” التدميرية ليس هو نهب الثروات الطبيعية أو تزوير الإرادات الانتخابية فحسب، بل هو ذلك “التدمير المنهجي” والمدروس للشخصية المسلمة الذي يحلله الإمام ياسين بعمق سيكولوجي واجتماعي نادر في الفكر الإسلامي المعاصر. إن الجبر يورث في النفوس داء “الوهن” الوبيل الذي حذر منه المصطفى ﷺ (حب الدنيا وكراهية الموت)، وهو الداء النفسي الذي يجعل الإنسان يرضى بالدنية في دينه ودنياه طلباً لسلامة موهومة هي في حقيقتها موت بطيء. يؤدي هذا الضغط الرهيب والمستمر إلى نشوء ظاهرة “الاستقالة السياسية” و”اليأس الجماعي”؛ حيث يعتقد الفرد بمرارة أن التغيير مستحيل، وأن الصدق والمبادئ لا تطعم خبزاً،
مما يدفع الناس للهروب نحو “الخلاص الفردي” الأناني أو الانكفاء على “تدين انسحابي” درويشي لا يزعج الظلمة ولا يهدد عروشهم. كما يحلل الإمام ببراعة ظاهرة “النفاق الاجتماعي” كإحدى ثمرات الجبر المرة؛ فلكي يعيش الإنسان ويستمر في ظل نظام قمعي، يضطر لارتداء “أقنعة” تختلف تماماً عن باطنه المقهور، مما يؤدي إلى “تفتت الشخصية” وضياع خلق “الصدق” الذي هو أصل كل فضيلة منهاجية.
إن الجبر يحول المجتمع إلى غابة من المصالح الضيقة، حيث يغيب التراحم وتسود الأنانية المفرطة، ويصبح “الخوف” هو المحرك الأساس للسلوك الإنساني بدلاً من “الحب واليقين”. إن الإمام ياسين يضع إصبعه بقوة على هذا “الفساد النفسي” ليؤكد يقيناً أن أية محاولة للتغيير لا تبدأ بمعالجة هذه الأورام الأخلاقية والروحية هي محاولة محكوم عليها بالفشل الذريع؛ فـ “القومة” لا يمكن أن يقوم بها “إنسان مهزوم” من الداخل ومسكون بالرعب، بل تحتاج إلى “رجال ونساء” تحرروا من قيد الخوف، وتطهروا من نجس النفاق، واستعادوا ثقتهم المطلقة في ربهم وفي قدرة أمتهم على النهوض من تحت الرماد. لذلك،
يعتبر الإمام أن “التربية المنهاجية” هي “عملية غسيل وإعادة صياغة” شاملة لهذه الآثار التدميرية للجبر، ليعود المسلم كريماً، صادقاً، شجاعاً، ومقبلاً على ربه بقلب سليم وإرادة لا تنكسر أمام عواصف الجبر والفتنة مهما اشتدت.
المبحث الرابع: “القومة” لا “الثورة”.. نحو تأصيل شرعي وحركي للتغيير
1 – الفروق الجوهرية والمصطلحية: بين الهدم الغوغائي والبناء المنهاجي الرباني
نستهل هذا المبحث بالوقوف عند تمييز اصطلاحي دقيق وضعه الإمام عبد السلام ياسين، وهو تمييز ينم عن وعيٍ عميق بمآلات الحركات الاجتماعية والسياسية عبر التاريخ؛ حيث آثر استبدال مصطلح “الثورة” الشائع بمصطلح “القومة” المستمد من عمق البيان القرآني والنبوي. إننا نجد في فلسفته أن “الثورة” في التصورات المادية (سواء كانت فرنسية، بلشفية، أو حتى قومية عربية) هي في الغالب حالة من “الغليان الغريزي” ورد الفعل العنيف الذي يهدف إلى تحطيم الهياكل القائمة واستبدال نخبة بنخبة أخرى، وغالباً ما تنتهي بسقوط الأمة في دوامة من الدماء والاضطراب الذي قد يؤدي لتبديل مستبدٍ بآخر تحت مسميات “الثورية” و”الشرعية الشعبية”.
أما “القومة” -كما استنبطها الإمام وجسدها في مشروعه- فهي فعلٌ إرادي، واعٍ، ومسؤول، ينطلق من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ﴾ [سبأ: 46]. فالقومة بهذا المعنى هي “قيام لله” وبالله، يهدف إلى إقامة القسط وتحقيق العبودية لله في الأرض، وهي عملية بناء قبل أن تكون عملية هدم. إن الفرق الجوهري يكمن في “المرجعية والمقصد”؛ فبينما تكتفي الثورة بتغيير “الظاهر” (القوانين والمؤسسات)، تهدف القومة إلى تغيير “الباطن والظاهر” معاً، معتبرةً أن استبدال القوانين دون تغيير “الإنسان” الذي يديرها هو مجرد عبث تاريخي. إن القومة عملٌ منظم، هادئ النفس، ثابت الخطى، لا يُجر إلى فوضى العنف العشوائي، بل يتحرك ضمن “خطة منهاجية” تزاوج بين “الحال” (الارتباط بالله) و”القال” (الصدع بالحق) و”الفعل” (البناء الاجتماعي البديل)، وبذلك تخرج القومة من ضيق “الانفجار الشعبي” المؤقت إلى سعة “البناء الحضاري” المستدام.
2- البعد التربوي والوجودي للقومة: لماذا يبدأ التغيير من المحراب قبل الميدان؟
يرفض الإمام ياسين بشدة تلك الرؤية “الميكانيكية” للتغيير التي تظن أن إصلاح الأنظمة السياسية كفيلٌ بصلاح المجتمعات، بل يقلب المعادلة ليؤكد أن “القومة” الكبرى في الميدان هي ثمرة “القومات” الصغرى في جوف الليل وفي ميادين مجاهدة النفس. إن هذا الاستطراد في البعد التربوي هو الذي يميز المنهاج عن الحركات السياسية الجافة؛ فالإمام يرى أن “رجل القومة” يجب أن يكون قد انتصر أولاً على “طاغوت نفسه” وأهوائه قبل أن يتصدى لطاغوت السلطان، لكي لا يستبدل ظلماً بظلمٍ آخر يلبس لبوس الدين.
إن التغيير يبدأ من “المحراب”، حيث يُصاغ الإنسان “المحسن” الذي لا تغلبه الأطماع ولا تكسره التهديدات، فالارتباط بالله هو الذي يمنح المؤمن “الاستعلاء الإيماني” الضروري لمواجهة أجهزة القمع الجبرية بصدرٍ عارٍ وإرادةٍ صلبة. يفصل الإمام في هذا السياق كيف أن “الافتقار إلى الله” هو وقود “الغنى عن الناس”، وأن الانكسار بين يدي الخالق هو سر القوة أمام المخلوق.
إن هذا المسار التربوي الطويل، الذي قد يراه البعض بطيئاً، هو في الحقيقة “أقصر الطرق” وأكثرها أماناً؛ لأنه يضمن صعود قيادات ربانية تتسم بالرحمة والرفق، وتعتبر السلطة “تكليفاً وأمانة” لا “تشريفاً ومغنماً”. إن القومة بهذا النفس هي رحلة “هجرة إلى الله” في المقام الأول، تنعكس آثارها على الواقع الاجتماعي بركةً وإصلاحاً، وبدون هذا الجذر التربوي العميق، تظل أي محاولة للتغيير مجرد “تغيير في الديكور” السياسي يفتقر للروح والمصداقية.
3 – نقد العنف المادي وفلسفة “الرفق” في المدافعة عند الإمام ياسين
في هذا القسم، يطيل الإمام الوقوف عند واحدة من أخطر القضايا التي واجهت الصحوة الإسلامية، وهي قضية “العنف السياسي”؛ حيث يقدم الإمام نضوجاً فكرياً وميدانياً يتجاوز طيش الحركات “الراديكالية” التي سقطت في فخ الصدام المسلح مع الدولة. يرى الإمام أن “الرفق” ليس ضعفاً، بل هو “قوة الإيمان” التي تأنف من سفك الدماء وتشويه صورة الإسلام، معتبراً أن “العنف” هو بضاعة المفلسين الذين فشلوا في إقناع الناس بدعوتهم عبر الجمال والعدل.
إن فلسفة الرفق المنهاجية تقوم على مبدأ “بناء المجتمع الموازي” الذي يسحب البساط من تحت الاستبداد ببطء وثبات، عبر العمل التربوي والاجتماعي والنقابي، لا عبر “العمليات الانتحارية” أو “الاغتيالات السياسية” التي تزيد النظام تسلطاً وتزيد الشعب نفوراً. يؤكد الإمام أن “قوة الجماعة” في تنظيمها، وتماسكها، وصدق مواقفها، هي أمضى من السيف والرصاص، وأن “الجهاد” في العصر الحالي يتطلب “اقتحاماً للعقبة” النفسية والاجتماعية بوسائل سلمية، مدنية، وديمقراطية في ظاهرها، ربانية في باطنها.
إن الرفق عند الشيخ ياسين هو “تاج المنهاج”، وهو الذي يحمي جند الله من الانزلاق إلى مستنقع الحقد المتبادل، محققاً بذلك مقتضى “الشهادة على الناس” بالرحمة. إن هذا الموقف المبدئي من العنف هو الذي جعل من جماعة العدل والإحسان مدرسة فريدة في “المقاومة السلمية الشرسة”، التي ترفض المساومة على الحق ولكنها ترفض أيضاً الانجرار إلى فوضى الدماء، مقتدية في ذلك بالمنهاج النبوي في مكة الذي ركز على “بناء الرجال” بصبرٍ جميل حتى أذن الله بالفتح.
خلاصة الفصل الرابع:
في جدلية التاريخ والمصير.. من رماد الانكسار إلى انبعاث القومة
تأسيساً على ما سبق بيانه وتفصيله في مباحث هذا الفصل، نخلص إلى أن “فلسفة التغيير” عند الإمام عبد السلام ياسين ليست مجرد هندسة سياسية باردة، بل هي “رؤية كونية” تنبع من فهمٍ عميق لجروح التاريخ وآلام الواقع واستشرافات المستقبل. إن الخروج من ليل الفتنة والتبعية لا يمكن أن يتم عبر “وصفات” مستوردة تغفل البعد الروحي والتربوي للإنسان المسلم. إن “القومة” تبرز هنا كبديلٍ حضاري شامل يتجاوز قصور “الثورات المادية”؛ فهي قومةٌ “ربانية المصدر، إنسانية الوجهة، أخلاقية الوسيلة”، تزاوج بين الصرامة في مواجهة الاستبداد والرفق اللامتناهي في التعامل مع نسيج الأمة. إن هذا الفصل قد كشف لنا بوضوح أن “اقتحام العقبة” هو المعيار الحقيقي لصدق الجماعة المؤمنة؛ حيث لا يكفي التغني بالشعارات، بل لابد من “زحف” منظم يتدرج في ميادين التربية، والتعليم، والمدافعة السياسية، وصولاً إلى بناء “الميثاق الوطني” الذي يجمع الشتات ويؤسس للشورى والعدل.