منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

السحر الحلال في القول الحسن والكلمة الطيبة | سلسلة خطبة الجمعة

الأستاذ بن سالم باهشام

0

السحر الحلال في القول الحسن والكلمة الطيبة | سلسلة خطبة الجمعة

الأستاذ بن سالم باهشام

خطيب الجمعة بمسجد أم الربيع بخنيفرة سابقا

عباد الله، القصد هنا بالسحر الحلال: هو الكلمة الطيبة والقول الحسن، ومنه ما رواه الطيالسي، وأحمد، وأبو داود، والطبراني، وأبو يعلى، وابن حبان،  عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن الرسول صلى الله عليه وسلم  قال: (إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا)، [أخرجه الطيالسي (ص 348 ، رقم 2670) ، وأحمد (1/303 ، رقم 2761) ، وأبو داود (4/303 ، رقم 5011) ، والطبراني (11/287 ، رقم 11758) . وأبو يعلى (4/220 ، رقم 2332)، وابن حبان (13/96، رقم 5780)] . من هنا يتبين وجوب الحرص على التلفظ بالقول الحسن والكلمة الطيبة في كل المجالس، لما لها من أثر فعال في استمالة القلوب، وإرضاء الساخط، واستنزال الصعب.

عباد الله، لقد أولى الإسلام للكلمة التي ينطق بها الشخص أهمية كبرى، ولم يجعلها مجرد كلام عابر، لهذا ذكّر الله تعالى في كتابه المبين، كل مؤمن وكل مؤمنة بأن ما سيتلفظون به يسجل عليهم، إما إيجابا أو سلبا، إما لهم أو عليهم، فقال سبحانه في سورة ق: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق: 18].

عباد الله، إنَّ للكلمة أهميتَها في دين الإسلام، فقد ترفع صاحبها أعلى الدرجات، وقد تهوي به في النار أدنى الدركات، جاء في صحيح البخاري، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا؛ يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا؛ يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ). [أخرجه أحمد (2/334، رقم 8392)، والبخاري (5/2377 ، رقم 6113)].

عباد الله، ما دامت الكلمة التي ينطق بها الشخص تُعد له أو عليه، فعليه أن يكون حريصا حتى لا يتلفظ إلا بالكلمة الطيبة، والكلمة الطيبة تنقسم إلى قسمين:

*كلمة طيبة بذاتها: كذكر الله تعالى؛ مثل: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأفضل الذكر قراءة القرآن، وأعلى شعب الإيمان: قول: لا إله إلا الله.

* وكلمة طيبة في غاياتها: وهي الكلمة المباحة؛ كالتحدث مع الناس إذا قصدت بهذا إيناسهم وإدخال السرور عليهم، فإن هذا الكلام وإن لم يكن طيبا بذاته، لكنه طيب في غاياته؛ في إدخال السرور على إخوانك، مما يقربك إلى الله عز وجل، والإسلام يدعو مطلقا إلى الكلمة الطيبة، ففي القرآن الكريم، نجد الأمر بالقول المعروف، والقول السديد، والقول الميسور، والقول الحسن، والقول الكريم، والقول اللين، *ففي شأن القول المعروف: قال تعالى في سورة النساء: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ، وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) [النساء/8].

*وفي شأن القول الميسور: قال سبحانه في سورة الإسراء: (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا) [الإسراء/28].

* وفي شأن القول الحسن: قال تعالى في سورة البقرة: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) [البقرة/83].

*وفي شأن القول الكريم: قال تعالى في سورة الإسراء: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) [الإسراء/23].

* وفي شأن القول اللين: قال تعالى في سورة طه: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [طه/43، 44].

وأما القول البليغ الزاجر الرادع المانع المرهب، فهو للمنافقين وعتاة المجرمين، قال تعالى في سورة النساء: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا) [النساء/63].
عباد الله، إذا تعرفنا على أنواع القول في القرآن، فإننا في السنة النبوية، نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا إلى عفة اللسان، وطيِّب الكلام. ففي سنن الترمذي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانِ، وَلَا الْفَاحِشِ، وَلَا الْبَذِيءِ). والطعان: هو الوقَّاع في أعراض الناس، والعيَّاب: هو الذي يعيب ما لإخوانه. واللعان: هو كثير اللعن. والفاحش: هو الذي يتكلم بما يثير الشهوة، أما البذيء: فهو الكلام الفحش الذي يحمل عليه عدم الحياء. وفي هذا الحديث فائدة: أن الطعن والجَرح كما يحدث بالسيف والسنان، يحدث باللسان، فالذي يكون بالسيف وما شابهه، جُرح حسي، والذي يحدث باللسان جرح معنوي، ولربما كان الجرح المعنوي أشد مرارة وأكثر ألماً من الحسي. روى الطيالسي، وأحمد، قال الهيثمي: رجاله ثقات، وابن حبان، والبيهقي، والحاكم، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتُ أَقْصَرْتُ الْخُطْبَةَ، لَقَدْ أَعْرَضْتُ الْمَسْأَلَةَ: أَعْتِقْ النَّسَمَةَ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ لَيْسَتَا بِوَاحِدَةٍ؟ قَالَ: لَا؛ إِنَّ عِتْقَ النَّسَمَةِ أَنْ تَفَرَّدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكَّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي عِتْقِهَا، وَالْمِنْحَةُ الْوَكُوفُ، وَالْفَيْءُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الظَّالِمِ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ، فَأَطْعِم الْجَائِعَ، وَاسْقِ الظَّمْآنَ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَانْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ؛ فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلَّا مِنْ الْخَيْرِ). وقوله: (لَئِنْ كُنْتُ أَقْصَرْتُ الْخُطْبَةَ)، أي: الكلام الذي سألت به، والمسألة، أي: المطلوب، والوَكوف: ضُبط بفتح الواو، وضم الكاف، أي: الغزيرة اللبن.

والفيء، أي: الرجوع إليه بالإحسان. [أخرجه الطيالسى (ص100 ، رقم 739) ، وأحمد (4/299 ، رقم 18670) ، قال الهيثمى (4/240) : رجاله ثقات . وابن حبان (2/98 ، رقم 374) ، والبيهقي (10/272 ، رقم 21102) ، والحاكم (2/236 ، رقم 2861)، قال الشيخ شعيب الأرناؤوط : إسناده صحيح رجاله ثقات]، وروى أحمد في المسند، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لرجل من الأعراب: (لَا تَسُبَّنَّ شَيْئًا، قَالَ: فَمَا سَبَبْتُ بَعِيرًا وَلَا شَاةً مُنْذُ أَوْصَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ). [حديث صحيح، المسند الموضوعي الجامع للكتب العشرة، لصهيب عبد الجبار(4/476)]

عباد الله، إن الإسلام رغب في الكلمة الطيبة في نصوص عديدة، وجعلها شعبة من شعب الإيمان،
روى البخاري ومسلم، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) وفي رِوَايَة زَكَرِيَّا: (أَوْ لِيَسْكُتْ). [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، الرقاق، باب حفظ اللسان وقول النبي: من كان يُؤْمِنُ بِاللهِ :(6476)، ومُسْلِمٌ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْب وابْن نُمَيْر عَن سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ، الْإِيْمَان، باب الحث على إِكْرَام الجار والضَّيْف ولزوم الصمت:48، وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيْثِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ. اللقطة، باب الضيافة ونحوها:48].
عباد الله، تشجيعا من الإسلام على الكلمة الطيبة والقول الحسن، ارتقى بها وجعلها صدقة، روى البخاري ومسلم، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ) [أخرجه أحمد (2/316، رقم 8168)، والبخاري (3/1090، رقم 2827)، ومسلم (2/699، رقم 1009)، وابن حبان (8/174، رقم 3381)]، من هنا يتبين لنا أن الصدقة لا تختص بالمال، بل تشمل كل ما يقرب إلى الله بالمعنى العام؛ لأن فعله يدل على صدق صاحبه في طلب رضوان الله عز وجل.
عباد الله، إن من ثمار الكلمة الطيبة، وأثرها الإيجابي في المجتمع، أن بها يكون اجتماع الكلمة، وتآلف القلوب، قال تعالى في سورة فصلت: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [فصلت/34-35]. ومما يتحقق به الرد الحسن الذي دعت إليه هذه السورة: الكلمة الطيبة.
عباد الله، إن الكلمة الطيبة هي انتصار على النفس والشيطان وأعوانهما، قال تعالى في سورة الإسراء: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ، إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) [الإسراء/53]. أي: وقل لعبادي المؤمنين يقولوا في تخاطبهم وتحاورهم الكلام الحسن الطيب؛ فإنهم إن لم يفعلوا ذلك؛ ألقى الشيطان بينهم العداوة والفساد والخصام، إن الشيطان كان للإنسان عدوًا ظاهر العداوة، والشيطان حريص على إفساد ذات البين، روى أحمد في المسند، ومسلم في صحيحه، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، عن جابر رضي الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ؛ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ)، [أخرجه أحمد (3/313، رقم 14406)، ومسلم (4/2166، رقم 2812)، والترمذي (4/330، رقم 1937)، وقال : حسن، وابن خزيمة في التوحيد (ص 362)، وابن حبان (13/269، رقم 5941)] ، والمقصود بالتحريش: الإفساد بينهم. فمن رد على غيره بالكملة الطيبة، أخزى الشيطان، وبالكلمة الطيبة تتحقق المغفرة، روى الطبراني، عن هانئ بن يزيد أبى شريح، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ مِنْ مُوجِبَاتِ الْمَغْفِرَةِ؛ بَذْلُ السَّلامِ، وَحُسْنُ الْكَلامِ» [أخرجه الطبراني (22/180، رقم 469)، قال الهيثمي (8/29): فيه أبو عبيدة بن عبد الله الأشجعي، روى عنه أحمد بن حنبل وغيره، ولم يضعفه أحد، وبقية رجاله رجال الصحيح]، وبالكلمة الطيبة تكون النجاة من النار، روى أحمد ، والبخاري، ومسلم ، وابن حبان، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإنْ لَمْ تجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ.) [أخرجه أحمد (4/256، رقم 18280)، والبخاري (5/2241، رقم 5677)، ومسلم (2/704، رقم 1016)، وابن حبان (2/220، رقم 473)].
والكلمة الطيبة سبب دخول الجنة، روى الترمذي في سننه، عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا، وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ»)، [قَالَ أَبُو عِيسَى الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَقَ وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَقَ هَذَا مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ وَهُوَ كُوفِيٌّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَقَ الْقُرَشِيُّ مَدَنِيُّ وَهُوَ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا وَكِلَاهُمَا كَانَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ(ح1984)].

 وروى الطبراني، عن هانئ بن يزيد أبي شريح، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن من موجبات المغفرة بذل السلام وحسن الكلام) [أخرجه الطبراني (22/180، رقم 469)، قال الهيثمي (8/29): فيه أبو عبيدة بن عبد الله الأشجعي، روى عنه أحمد بن حنبل وغيره، ولم يضعفه أحد، وبقية رجاله رجال الصحيح، وللحديث أطراف أخرى منها : “عليك بحسن الكلام”]، والجزاء من جنس العمل، فلما كانت الكلمة الطيبة سجية لهم، دخلوا الجنة فلم يسمعوا فيها إلا الطيب الذي لا يؤذيهم. قال تعالى في سورة الواقعة: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا) [الواقعة/25، 26]، أي: لا يسمعون في الجنة كلامًا لاغيا، أي: غثا خاليا عن المعنى، أو مشتملا على معنى حقير أو ضعيف.

عباد الله، هذان زوجان ذهبا إلى القاضي لطلب الطلاق، والزوجة هي المشتكية؛ وهي طالبة الطلاق، فسأل القاضي الزوجة وقال: “هل يخونك زوجك؟”، أجابت كلا يا سيدي، زوجي لا يخونني أبدا، ولا يعرف سوى الله، وعندما سألها القاضي: “هل يضربك زوجك؟” قالت: “لا يوجد أحن من يداه”، فتعجب القاضي ثم سألها: هل يسبك زوجك؟ قالت: “حاش لله أبدا”.، ما سمعت منه سبا ولا شتما طيلة زواجنا. فقال القاضي للزوجة المشتكية في دهشة واستغراب: ”إذن؛ فلم الطلاق؟ فأجابت الزوجة المشتكية: يا سيدي القاضي،“ إذا أطعمت العصفورة أولادها؛ فهل تنال شكرا ”؟ قال القاضي: “ كلا، فهي أم”، قالت: “وإذا اهتمت الزوجة ببيتها،  فهل تنال شكراً”؟ قال: “كلا،” ثم قالت: “هذا ما أعانيه معه، فأنا لا أنال غير الصمت”، فتعجب القاضي ولم يفهم شيئا، فسأل القاضي الزوج: ”هل تعرف لم تريد الزوجة الطلاق؟”، فأجاب الزوج: “ لا أعرف، ولكنى فهمت للتو، فاسمعني حضرة القاضي: أنا رجل لا أعرف الكلام، فكيف أخبرها أنها هي لقلبي الوئام، وكيف أقول: إن حضنها هو السلام، وكيف أعبر: أن دفئها هو الحنان؟، أخبرني حضرة القاضي، كيف أبرهن أني في حبها عاشق، وأني في عينيها غارق؟، أخبرني حضرة القاضي، كيف أعبر عن حبي؟… فقاطعت الزوجة المشتكية زوجها وقالت للقاضي:  “ سيادة القاضي، لا أريد الطلاق، ولكن يُهمني سماع الكلمات، فإني لا أريد رجلا سواه، ولمن أكون لو لم أكن معه”. هذا هو أثر الكلمة الطيبة والقول الحسن في النفوس، وخصوصا مدح الزوج لزوجته على طعامها ولباسها وثناؤه عليها، وشكره على تعبها.

عباد الله، وهذه قصة أخرى تحكي عن زوج يشكو من نكد زوجته التي لا تفتر عن الكلام اللاذع، والنقد الهدام، والملاحظات المثبطة، إلى درجة لا تطاق، ولما ذهب يستشير أحد الخبراء في العلاقات الزوجية في شأن زوجته، قال له: وكيف تعاملها أنت؟، قال الزوج للخبير: أقابل ثرثرتها بالصمت، فقال له الخبير: إن من واجب زوجتك عليك؛ أن تمدحها يوميا في شيئين: تمدح طعامها، عندما تضع لك كل وجبة، وأن تمدح لباسها كلما قابلتها، ودون سابق إخبار لزوجته بما قام به، قرر الزوج بأن يبدأ بمدح وجبة الغداء الذي ستقدمه له زوجته، فلما قدمت له الطعام، أثنى عليه ثناء منقطع النظير، فبدأت تنظر إليه؛ وهو ينتظر رد فعل إيجابي منها، فإذا به يفاجأ بها تصرخ في وجهه كالصاعقة، قائلة له: منذ عشرين سنة ما سمعتك تمدح طعامي رغم جهدي وتعبي، واليوم الذي قدمت لك وجبة من إعداد الجيران، مدحت طعامهم، وهكذا ازداد الأمر تعقيدا مع زوجته، لأنه تلقى العلاج من خبير العلاقات الزوجية، ولم ينجح في كيفية إنزاله على أرض الواقع. فقولوا  – عباد الله – للناس حسنا، تعيشوا سعادة الدارين. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.