القضية الفلسطينية في فكر عبد السلام ياسين”كتاب “الإسلام والحداثة””؛ من الجرح إلى الاستحقاق
د. الصادق الرمبوق
القضية الفلسطينية في فكر عبد السلام ياسين”كتاب “الإسلام والحداثة“”
من الجرح إلى الاستحقاق
د. الصادق الرمبوق
مقدمة:
تُعد القضية الفلسطينية، بشتى أبعادها التاريخية والسياسية والروحية، محوراً مركزياً في الفكر الإسلامي المعاصر، وقد حظيت بتحليل عميق ومغاير في أدبيات الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، خصوصاً في مؤلفه الرائد “الإسلام والحداثة” الصادر عام 1998.
لا يقدم عبد السلام ياسين القضية الفلسطينية باعتبارها مجرد نزاع إقليمي أو حدث تاريخي معزول، بل يرفعها إلى مستوى “الجرح الفلسطيني“ الذي يُجسد، في عمقه، “تحدياً حقيقياً للعالم الحديث بأكمله“، وكاشفاً جوهرياً لـ “أزمة عالمية ورؤية جذرية لبديل”.
يهدف هذا المقال إلى تقديم تحليل معمق لموقف ياسين من القضية الفلسطينية، متتبعاً أبعادها التاريخية، السياسية، اللاهوتية، والعملية، كما وردت في كتاب “الإسلام والحداثة”، مع التركيز على مفاهيمه المحورية مثل “الابتلاء“، و”أسلمة التاريخ“، و”تداول الأيام“، وذلك لبلورة رؤيته الشاملة لسبل النهوض بالأمة وتجاوز محنتها.
أولاً: المشروع الصهيوني وتجلي الحداثة اللائيكية
يُؤطر ياسين الحركة الصهيونية ضمن سياقها التاريخي ظاهرةً أوروبية حديثة، نشأت في القرن التاسع عشر وتأسست على “إيديولوجية لائيكية“. ويصف ياسين مؤسسيها، من أمثال آل روتشيلد وهرتزل، بأنهم “لائيكيون يرتدون البذلة والربطة، لكن قلبهم كان يهودياً”. هذا التأطير المنهجي يرمي إلى تجريد المشروع الصهيوني من أية شرعية دينية، وتقديمه “منتجا خالصا للحداثة الأوروبية، بقيمها القومية العرقية ومنطقها الاستعماري”.
يقابل ياسين هذا التأطير بتذكير قارئه بـ”التعايش التاريخي الطويل الذي تمتع به اليهود في كنف الحضارة الإسلامية بالأندلس”، والذي وصفه المؤرخون اليهود أنفسهم بأنه “العصر الذهبي للشعب اليهودي. وهذا التباين التاريخي يخدم غرضاً جوهرياً في تحليله، وهو إثبات أن الخصومة لا تُوجه إلى اليهودية من جهة كونها دينا سماويا، بل إلى “أيديولوجيا سياسية حديثة“ اتخذت الصهيونية “وجهاً يهودياً” لها، وبالتالي يدمج الصراع الفلسطيني ضمن أطروحته الكبرى القائمة على أن مدار الصراع بين الإسلام والحداثة.
ويُسلط ياسين الضوء على الدوافع الكامنة وراء الدعم الغربي للكيان الصهيوني، مبرزاً أسباباً متعددة تتجاوز المصالح السياسية الظاهرية:
أ –الدوافع العقدية: يرى ياسين أن نشوء “مملكة صهيون” يمثل “عقيدة يشارك اليهودَ فيها البروتستانتيون المنكبون على تلاوة التوراة”. هذا الارتباط العميق بين العقيدة البروتستانتية والأساطير التوراتية المتشددة يُفسر جانباً كبيراً من الدعم الأمريكي لإسرائيل.
ب –المصالح الاقتصادية الاستراتيجية: يؤكد ياسين أن “الأرض العربية تتوفر على أكبر حقول النفط في العالم”، وأن إسرائيل تُعتبر “حارساً أميناً” لهذا الكنز، مما يخدم المصالح الأمريكية الاستراتيجية.
ج –نفوذ جماعات الضغط اليهودية: يُبرز ياسين دور “مجموعة ضغط يهودية” قوية في واشنطن، يدعمها “حوالي ستة ملايين من اليهود يملكون الثراء والقوة ويتمتعون بالنشاط”. هذه الجماعات تُؤثر بشكل فعال على القرارات السياسية، وتُسهم في توفير “أنواع من المساعدات الأوروبية والأمريكية” للدولة اليهودية.
د –استغلال المحرقة (الهولوكوست) لتبرير الظلم: يرى ياسين أن “الحلف الإسرائيلي المعبأ العالمي” يستغل “أسطورة الهجرة” والناجين من المذبحة النازية لتقديم صورة “اليهودي الناجي، ضحية الظلم الهمجي الذي مارسته أوربا النازية أو المتواطئة مع النازية”. هذا الاستغلال يدفع الضمير الأوروبي المثقل بالندم إلى تقديم دعم لا مشروط لإسرائيل، حتى لو “سحق ذلك مبادئ الديمقراطية التي ينافح الغرب باسمها عن حقوق الإنسان.
ه –التشويش والتضليل الإعلامي: يُسلط ياسين الضوء على دور “الدعاية اليهودية” و”رؤوس الأموال في هوليود” في تضخيم “أعداد ضحايا هتلر” واستخدام مفاهيم معبأة من المخزون التوراتي، مثل “الخروج والمحرقة” لترويج شعار “أرض بدون شعب لشعب بدون أرض”. هذا التضليل الإعلامي يهدف إلى تصوير فلسطين “أرضاً خالية، إرثا ضائعا استرده الشعب المختار”، كما يُسهم في تقديم “صورة مشوهة عن الإسلام مخالفة لصورته الحقيقية، العادلة، الموضوعية.
ثانياً: “الجرح الفلسطيني” ابتلاءً إلهياً ومرآةً للانحطاط الإسلامي
يُقدم ياسين مفهوماً جوهرياً لفهم القضية الفلسطينية، هو “فلسطين الابتلاء“؛ ففلسطين ليست مجرد قضية جغرافية أو سياسية، بل هي “ابتلاء واختبار إلهي للمسلمين“. هذا المفهوم يُحول السرد من الهزيمة السياسية والعسكرية البحتة إلى حقل الامتحان الإلهي، مما يمنح المعاناة معنىً وغاية تتجاوز التحليل المادي.
تتمثل مضامين هذا الابتلاء ونتائجه العملية فيما يأتي:
أ –اختبار إلهي مؤقت: يؤكد ياسين أن إسرائيل هي “ابتلاء مؤقت“ للمسلمين، وأن مفهوم “الابتلاء” مركزي في الإسلام، ويميز الله به الذين آمنوا من الكافرين. هذا يُعطي معنى لوجود إسرائيل والصراع حول فلسطين باعتبارها “امتحاناً لإيمان المسلمين وقدرتهم على الصبر والمقاومة والعودة إلى جوهر دينهم”.
ب –ربط الابتلاء بسنن التاريخ: يستشهد عبد السلام ياسين بسقوط “مملكة القدس الصليبية” التي دامت قرنين من الزمان، متخذا ذلك دليلا على أن الابتلاءات مؤقتة، وأن الفرنجة طُردوا بعد أن “توحد المسلمون حول سلطان موحد هو صلاح الدين الكردي“. وجدير بالذكر أن هذه المقارنة التاريخية واردة في سياق التأكيد على أن الوضع الحالي في فلسطين، على قسوته، ليس أبدياً، ويمكن تجاوزه “بشروط“.
ج –أسلمة التاريخ والتحول في المنظور: يُعد مفهوم “أسلمة التاريخ“ سلاحاً نفسياً وروحياً؛ فالسردية التاريخية المهيمنة، التي تُصور انتصار الغرب وانحطاط المسلمين، تُولد اليأس وعقدة النقص. لذلك يقترح المؤلف تحولاً جذرياً في المنظور عبر قراءة الأحداث من خلال مفاهيم قرآنية، كالمشيئة الإلهية، والابتلاء، والعدل. هذه العملية هي شكل من أشكال “إنهاء استعمار العقل“، وشرط أساسي لأي مقاومة مادية، لأنها تُوفر “الصمود الروحي اللازم للصراع طويل الأمد“.
د –قانون “تداول الأيام” وحتمية التغيير المشروط: لتجسيد فكرة “أسلمة التاريخ”، يستند الكاتب إلى قانون قرآني مركزي هو “تداول الأيام“، مستشهداً بالآية الكريمة: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. هذا المفهوم يُحول التاريخ من سلسلة أحداث عشوائية إلى عملية محكومة بسنن إلهية، مؤكداً أن هيمنة الغرب وإسرائيل الحالية ليست وضعاً أبدياً، بل هي مرحلة خاضعة لهذا القانون. غير أن هذا التداول لن يحدث تلقائياً، بل هو“مرهون بتكرار شروط النصر“، والمتمثلة في: الإيمان، المؤهلات السياسية والاجتماعية، المقاومة والاستشهاد، الإعداد الطويل المتأني حتى يحل يوم “التداول”، ويختم ياسين هذا الشرط بعبارته الدالة: “فالنصر رهين بالاستحقاق“.
ه –نقد الهزائم العربية وكشف “أمراض الأمة“: يوجه عبد السلام ياسين نقداً حاداً للواقع العربي والإسلامي، معتبراً الهزائم المتتالية أمام الكيان الصهيوني كاشفة “مدى تفكك المجتمعات العربية ورعونة حكوماتها”. هذه الهزائم ليست مجرد إخفاقات عسكرية، بل هي “هزائم حضارية شاملة“ كشفت عن “عجز المشروع القومي العربي والمشروع اللائيكي الحداثي عن مواجهة التحديات الحضارية“. ويربط هذه الهزائم بـ”انهيار أخلاقي، وبؤس مادي، وتخلف، وظلم اجتماعي، وتفكك سياسي”. هذا النقد الذاتي الداخلي يمثل جزءً لا يتجزأ من الابتلاء الذي يجب على الأمة تجاوزه.
و –رفض القعود والتشاؤم: يُشدد ياسين على ضرورة “الفعل ورفض القعود“، مؤكداً أن “القعود المتأمل والانتظار المطمئن لا يمنحان النصر في العقيدة الإسلامية”. فـ”أسلمة التاريخ لا تعني التحليق في سماء الأماني أو الاستلقاء على فراش الجبرية الوثير.
ثالثاً: الحل الإسلامي الشامل ومستقبل القضية
يقترح ياسين حلاً شاملاً للأمة الإسلامية، يرتكز على قيم الإسلام الأصيلة، وليس على تسويات الحداثة التي يراها أصل المشكلة.
تتمثل ركائز هذا الحل فيما يأتي:
أ –العودة إلى القرآن والسنة مصدراً للمعرفة والهداية: يعتبر ياسين القرآن “كلام الله الحي الذي ينطبق على كل الأيام‘”، و”مصدر المعرفة” الوحيد بعد فشل العلوم والفلسفات البشرية. والدعوة إلى “قراءة متأنية متواصلة للنص القرآني“ هي البداية لإعادة بناء الذات والواقع.
ب –العدل والإحسان ركيزتين للمجتمع والاقتصاد: يؤكد ياسين أن “عدلا حرا، وحرية عادلة“ هما من أهم عوامل التنمية. ويربط بين “البذل“، و”التضامن”، و“الزكاة” باعتبارها ركائز للاقتصاد الإسلامي الذي يُحارب الربا والفساد، ويُحقق “الإنصاف“ و”التوازن الاجتماعي”.
ج –إصلاح المجتمع والدولة بـ”حركية متواصلة“ :يدعو ياسين إلى “تغيير وجهة المجتمع“، من خلال “حركية متواصلة“ لا تقتصر على السياسة الموسمية أو التناوب على السلطة، بل يجب أن تبدأ “عملية تسليم الحداثة من داخل الدول القطرية المسلمة”، من خلال “تكوين وإعادة صياغة“ للشباب، وإحياء دور المساجد والمدارس التي هي بالدرجة الأولى مراكز تربوية وروحية.
د –الشورى مقابل الديمقراطية: يُناقش ياسين الفرق الجذري بين مفهومي الشورى والديمقراطية؛ فالديمقراطية، في نظره، “تتأرجح” و”تتجاهل أساسها الذاتي”، وتُصبح “مجرد إجرائية تدبيرية” مُجردة من القيم والأخلاق. بينما الشورى “مرتبطة بواجبات فاضلة”، وهي جزء لا يتجزأ من الفضاء الديني، وتستمد قوتها من “الشريعة المنزلة التي لا يحق للبشر أن يعدلوها”. من هنا يدعو ياسين إلى “نظام حكم إسلامي“ يُبتكر ويُكيّف وفق احتياجات المجتمع الحديث، ويستند إلى “جهاز قضائي مستقل ونزيه“، وصحافة حرة مسؤولة.
ه –وحدة الأمة الإسلامية ورفض الشقاق: يُشدد منظرنا رحمه الله على ضرورة “وحدة الأمة“، و”نظم التكافل”، ويرفض “المنافسة الضارية“، التي تُعمّق التشرذم. كما يندد بـ”الخلاف العائلي بيننا نحن المسلمين”، ويدعو إلى “ميثاق عدم الاعتداء على الإنسان وعلى كرامة الإنسان، ميثاق رفق شامل بالإنسان وبأمن الإنسان”، ويؤكد بوضوح أن “العنف، سواء أُضفيت عليه الشرعية أم لا، ليس مبدأ من مبادئنا“، ويندد بالجرائم المرتكبة ضد المدنيين العزل، ويميز المقاومة الإسلامية الحقيقية بأنها تنبع من “الحافز الروحي السامي“ الذي يرتقي بالجهاد إلى مستوى التاريخ.
و –نقد الأسس الأيديولوجية الصهيونية (“أبناء إسرائيل العاقون”): يغوص ياسين في نقد قرآني عميق للأسس الأيديولوجية والعقدية للمشروع الصهيوني؛ هذا النقد لا يُعزى إلى أسباب عرقية، بل هو توجيه للمسلمين للتحذير من سلوك نفس مسلك “التمرد” على الرسالات الإلهية، والتحريف المتعمد للنصوص الدينية لخدمة مآرب دنيوية.
خاتمة:
إن تحليل عبد السلام ياسين للقضية الفلسطينية، في كتاب “الإسلام والحداثة”، يتجاوز السرد التاريخي أو السياسي ليشكل رؤية شاملة تتصل بأسس الوجود الإنساني والغايات الكونية؛ فهو يرى في “الجرح الفلسطيني” ليس مجرد نتيجة للظلم الاستعماري والصهيوني، بل “تجلياً للأزمة الدائمة لما بعد الحداثة“ التي تُغرق الإنسان في “الجهل بمعنى وجوده” وتُبعده عن خالقه.
يُقدم ياسين قراءة للواقع بمنظار القرآن، موضحاً أن “النصر رهين بالاستحقاق“، وأن الأمة مدعوة إلى “الجهاد في سبيل العدل“، والعودة إلى “الفطرة“ الصافية. لا يدعو ياسين إلى الانعزال، بل إلى “امتلاك الوسائل العلمية والتقنية“ التي تُمكن الأمة من “ابتكار مستقبل” يقوم على “السلام والكرامة“؛ فالقضية الفلسطينية في فكر ياسين ليست مجرد قضية أرض وشعب، بل هي معركة وجودية عميقة تتطلب من المسلمين أن يُعيدوا اكتشاف هويتهم الحقيقية، وأن يُجسدوا قيم الإسلام في واقعهم المعاصر، ليتحقق “وعد الله” في “يوم يبلغ المسلمون الرشد السياسي واليقظة الخلقية والروحية”، ويُصبح الإسلام “الحدث الأهم والرقم الذي لا يمكن تجاوزه” في مسيرة البشرية نحو العدل والإحسان.
بناء على ذلك، تُشكل رؤية ياسين للقضية الفلسطينية إضافة نوعية للفكر الإسلامي المعاصر، تتجاوز الخطابات الشعاراتية والمواقف العاطفية، لتؤسس لرؤية عميقة ومتكاملة، تستلهم من الوحي والتاريخ والواقع، وتقدم للأمة خارطة طريق واضحة للتعامل مع هذه القضية المركزية، وتحويلها من جرح نازف إلى منطلق للنهوض والتجديد.