الحركة القديمة التي تأكل نفسها… والفرصة السانحة!
د. أسامة الأشقر
1. تكون بعض الحركات قِبلةً للباحثين عن الكرامة، المتطلّعين للاستقلال، وتكون فضاءهم الجامع الكبير، وحبّهم الوطنيّ الغامر، وأحلام خلاصهم المنتظر.
2. تتأسس هذه الحركات في ظروف انطلاقتها على حاجات الشعوب الحقيقية وتطلعاتها، ولذلك تلتحم بها وتؤمن؛ فيكون الأساس في الارتباط بها فكرياً وعاطفياً.
3. ربما تصل هذه الحركات بعد عقود من نشاطها وتجاربها إلى مرحلة من النفوذ والسلطة والتشغيل والعلاقات الواسعة فتسعى لتقديم امتيازاتها ومصالحها التكتيكية على مبادئها ومنطلقاتها، وتتأسس أولويات سياسية واجتماعية واقتصادية جديدة فيها، فتبدأ الأقزام بالتعملق وتتكاثر سلالم الارتزاق فيها، وتتزاحم رأساً برأس مع المبدئيين الثابتين فيها.
4. في غمرة السلطة والنفوذ تتناسى هذه الحركات أن الشعب أعطاهم الفرص الكبيرة لأنّهم يمثلون أحلامهم وتطلعاتهم، وأن رصاصتهم الأولى هي رايتهم التي ستظل تخفق حتى إنجاز التحرير.
5. ربما تستطيع هذه الحركات التحايل على الشعوب بتصدير الهوامش والباحثين عن المال والنفوذ والمناصب وفرص العيش، لكن هذه الشعوب في لحظات التجرد الحاسمة لا تمنح مكافأة الولاء لمن تخلى عن مبادئها.
6. لن يفيد أي حركة استهترت بمبادئها أن تعتمد على تاريخ إنجازها الأول ورصيدها الجميل، فالشعوب تتغذّى دائماً بالحضور والإنجاز والوفاء، ولن تغفر لك إذا أهملتَها وخدعتَها باستغلال رصيدك المخزون في ذاكرتها، ولن تلبث القوى الصاعدة أن تكسر السقوف المستعارة، وترتفع بسقفها إلى طموحها الأول القديم.
7. ذاكرة الشعوب قصيرة، وهي لا تحتفظ بها سوى لمدة قصيرة، وهي شديدة الاستذكار لنماذج الفشل، وذكريات الإساءة، وتستدعي ذكريات الإساءة القريبة أكثر مما تستدعي ذاكرة الإساءات القديمة؛ ولا تحتفظ بسجلات الإنجاز لأكثر من جيل.
8. قديماً قالوا إن بقاء الفتح كان مرتبطاً بـ: ذاكرة الكرامة، وياسر عرفات، ونفوذ السلطة، ومصادر المال؛ وقد رحل ياسر عرفات، وتلوّثت ذاكرة الكرامة بأفعال التنسيق الأمنيّ، ولم يبق إلا بقايا سلطة بلدية تحرسها أجهزة بلا مشروع سياسي وطني، ولم يبق إلا مال مشروط يوزّع وفق الالتزام والولاء.
9. وبعد عملاق الطوفان فقد أصبح التاريخ القديم صغيراً جداً، وآن لذكرى الكرامة المجيدة أن تلتحم مع غايات الطوفان لتكوّن تياراً تحرّريّاً عملاقاً يستأنف حياة الأرض وبعثها القويّ.