مُعَلَّقَةُ سُيُوفِ العِزِّ (قصيدة)
مُعَلَّقَةُ سُيُوفِ العِزِّ (قصيدة)/ أَبُو عَلِيٍّ الصُّبَيْحُ
مُعَلَّقَةُ سُيُوفِ العِزِّ (قصيدة)
بقلم: أَبُو عَلِيٍّ الصُّبَيْحُ
أَلَا هُبِّي بِصَوْتِ المَجْدِ هَاتِينَا
وَصُبِّي كَأْسَ عِزٍّ فِي أَيَادِينَا
فَإِنَّا إِنْ دَعَا الدَّاعِي لِنَجْدَتِهِ
نُجِيبُ الصَّوْتَ إِعْصَارًا بَوَادِينَا
وَإِنْ نَزَلَتْ خُيُولُ البَغْيِ سَاحَتَنَا
جَعَلْنَا المَوْتَ تَحْتَ الخَيْلِ وَادِينَا
لَنَا عَزْمٌ إِذَا مَا الصَّخْرُ قَارَنَهُ
رَأَى فِي صَلْبِهِ وَهْنًا وَتَلْيِينَا
وَلَا نَرْضَى الهَوَانَ وَإِنْ تَدَاعَتْ
جُمُوعُ الأَرْضِ تَرْمِينَا وَتَغْشَانَا
خُلِقْنَا لِلْمَعَالِي لَا لِمَذَلَّةٍ
وَلَا كُنَّا لِغَيْرِ العِزِّ رَاعِينَا
إِذَا مَا السَّيْفُ فِي الهَيْجَاءِ جَرَّدَهُ
فَتًى مِنَّا رَأَيْتَ المَوْتَ حَادِينَا
نُقِيمُ الحَقَّ لَا نَخْشَى عَوَاقِبَهُ
وَنَحْمِي الجَارَ إِنْ نَادَى مُنَادِينَا
لَنَا فِي كُلِّ مَيْدَانٍ مَآثِرُنَا
وَفِي أَفْوَاهِ أَهْلِ المَجْدِ ذِكْرَانَا
وَمَا جَارَ الزَّمَانُ عَلَى كَرِيمٍ
فَأَدْرَكَنَا إِلَّا كُنَّا مُوَاسِينَا
نَصُونُ العَهْدَ مَا هَبَّتْ صَبًا سَحَرًا
وَمَا بَقِيَتْ عَلَى الأَغْصَانِ أَفْنَانَا
وَنَحْفَظُ لِلضَّعِيفِ حِمَىً وَعَهْدًا
وَنَقْصِمُ ظَهْرَ مَنْ يَبْغِي مَسَاعِينَا
إِذَا نَزَلَ الضُّيُوفُ بِبَابِ دَارٍ
ذَبَحْنَا الجُودَ قُرْبَانًا لِلَاقِينَا
نُقَدِّمُ خُبْزَنَا وَالدَّارَ حَتَّى
يَظُنَّ الضَّيْفُ أَنَّ البَيْتَ مَأْوَانَا
وَنَسْقِي القَوْمَ مِنْ صَافِي نَدَانَا
فَلَا يَبْقَى عَلَى الأَبْوَابِ ظَمْآنَا
وَلَكِنْ إِنْ تَطَاوَلَ فِينَا بَاغٍ
سَقَيْنَاهُ مِنَ الهَيْجَاءِ حُمَّانَا
نُحَدِّثُهُ بِصَمْتِ السَّيْفِ حَتَّى
يَرَى صَمْتَ الحُسَامِ لَهُ بَيَانَا
وَنَكْتُبُ فِي جَبِينِ اللَّيْلِ نَصْرًا
إِذَا عَجَزَتْ عَنِ التَّعْبِيرِ شَفْتَانَا
خُيُولُنَا إِذَا انْطَلَقَتْ صَبَاحًا
أَثَارَتْ فِي رُبَى الأَعْدَاءِ دُخْانَا
تُسَابِقُ فِي المَيَادِينِ الرِّيَاحَ
وَتَحْمِلُ فَوْقَ أَظْهُرِهَا حِمَانَا
عَلَيْهَا كُلُّ مِقْدَامٍ أَبِيٍّ
يَرَى وَسَطَ المَنَايَا مُبْتَغَانَا
إِذَا مَا المَوْتُ سَاوَمَهُ بِعُمْرٍ
أَبَى وَاشْتَاقَ فِي العَلْيَاءِ لُقْيَانَا
وَقَالَ: العُمْرُ دُونَ العِزِّ ذُلٌّ
وَعَيْشُ الحُرِّ أَنْ يَحْيَا مُصَانَا
فَلَا نَحْنِي الجِبَاهَ لِغَيْرِ رَبٍّ
وَلَا نَرْجُو مِنَ الطُّغْيَانِ رُضْوَانَا
لَنَا فَوْقَ الثُّرَيَّا عَرْشُ مَجْدٍ
بَنَاهُ الأَوَّلُونَ لَنَا مَكَانَا
وَوَرَّثَنَا الأُبَاةُ سُيُوفَ عَزْمٍ
وَعَلَّمَنَا الزَّمَانُ بِهَا طِعَانَا
وَقَالُوا: لَا تَنَامُوا فَوْقَ ضَيْمٍ
فَنَوْمُ الحُرِّ فِي الضَّيْمِ امْتِهَانَا
وَكُونُوا لِلْكَرَامَةِ كَاللَّيَالِي
إِذَا غَضِبَتْ تُرِي الدُّنْيَا هَوَانَا
فَكُنَّا حَيْثُمَا نَادَى مُنَادٍ
لِدَفْعِ الظُّلْمِ أَسْرَعَ مَنْ أَتَانَا
وَكُنَّا لِليَتِيمِ أَبًا رَحِيمًا
وَلِلْمَظْلُومِ إِنْ نَادَى حِصَانَا
وَكُنَّا لِلْعَدُوِّ لَهِيبَ نَارٍ
وَلِلأَحْبَابِ رَيْحَانًا وَبَانَا
نَلِينُ إِذَا الكَرِيمُ أَتَى وَفِيًّا
وَنَقْسُو إِنْ رَأَيْنَا الغَدْرَ شَانَا
فَلَا تَحْسَبْ سُكُوتَ اللَّيْثِ خَوْفًا
فَإِنَّ الصَّمْتَ قَبْلَ الوَثْبِ آنَا
وَلَا تَغْتَرَّ بِالحِلْمِ الَّذِي فِينَا
فَخَلْفَ الحِلْمِ بُرْكَانٌ تَوَانَى
إِذَا مَا فَاضَ أَحْرَقَ كُلَّ بَاغٍ
وَخَلَّفَ فِي دِيَارِ البَغْيِ حُزْنَا
وَنَحْنُ إِذَا تَسَاقَطَتِ الرَّعَايَا
نُقِيمُ بِعَزْمِنَا لِلْحَقِّ بُنْيَانَا
وَنَحْنُ إِذَا تَفَرَّقَ كُلُّ جَمْعٍ
جَمَعْنَا الحَقَّ فِي كَفَّيْنِ إِيمَانَا
وَمَا نَسْعَى لِمَجْدٍ مِنْ رِيَاءٍ
وَلَكِنْ نَبْتَغِي لِلْحَقِّ شَأْنَا
فَإِنَّ المَجْدَ أَفْعَالٌ عِظَامٌ
وَلَيْسَ المَجْدُ أَلْقَابًا وَعُنْوَانَا
وَمَنْ لَبِسَ المَكَارِمَ دُونَ فِعْلٍ
كَسَاهُ العَارُ أَثْوَابًا وَخِزْيَانَا
وَمَنْ جَعَلَ الخَدِيعَةَ رَأْسَ مَالٍ
رَأَى فِي آخِرِ الأَيَّامِ خُسْرَانَا
فَلَا تَخْدَعْكَ أَلْسِنَةُ المَرَايَا
فَكَمْ أَخْفَتْ وَرَاءَ اللُّطْفِ عُدْوَانَا
وَكَمْ ذِئْبٍ تَزَيَّا فِي ثِيَابٍ
مِنَ التَّقْوَى وَأَضْمَرَ فِيهَا بُهْتَانَا
نُمَيِّزُ فِي الرِّجَالِ صَدَى الخَفَايَا
وَنَعْرِفُ مَنْ تَوَشَّحَ بِالنِّفَاقِ لَنَا
وَنَقْرَأُ فِي العُيُونِ كِتَابَ غَدْرٍ
وَلَوْ أَخْفَى صَاحِبُهُ خَطَايَانَا
لَنَا فِكْرٌ يُفَتِّتُ كُلَّ مَكْرٍ
وَعَيْنٌ لَا تَنَامُ عَنْ حِمَانَا
فَلَا تَطْمَعْ بِأَرْضٍ قَدْ رَوَاهَا
دَمُ الأَحْرَارِ حَتَّى صَارَ مَعْنَانَا
فَهَذِي الأَرْضُ مِنْ لَحْمٍ وَرُوحٍ
وَفِي ذَرَّاتِ تُرْبَتِهَا دِمَانَا
لَنَا الزَّيْتُونُ فِي التَّارِيخِ شَاهِدْ
بِأَنَّ الجِذْرَ لَا يَنْسَى ثَرَانَا
وَلَنَا فِي القُدْسِ أَجْرَاسٌ وَذِكْرٌ
وَفِي الأَقْصَى صَلَاتُنَا وَدُعَانَا
وَفِي غَزَّةَ الصُّبْحُ الجَرِيحُ يُنَادِي
فَيُوقِظُ فِي دِمَائِنَا إِبَانَا
وَيَا حَيْفَا لَنَا فِيكِ حَنِينٌ
وَيَا يَافَا شَمَمْنَا فِيكِ رَيَّانَا
وَعَكَّا فِي القُلُوبِ حِصَارُ عِزٍّ
وَنَابُلُسٌ تُشِيدُ لَنَا لِوَانَا
وَجَنِينٌ إِذَا نَادَتْ رِجَالًا
رَأَيْنَا الأُسْدَ تَحْمِي فِيهَا حِمَانَا
وَفِي الجَلِيلِ أَجْدَادٌ أَقَامُوا
عَلَى شَمَمِ الجِبَالِ لَنَا كِيَانَا
لَنَا بَيْتٌ وَمِفْتَاحٌ عَتِيقٌ
سَيَفْتَحُ يَوْمَ عَوْدَتِنَا رُبَانَا
وَلَا نَنْسَى الحَوَاكِيرَ اللَّوَاتِي
حَمَلْنَ التِّينَ وَالزَّعْتَرَ أَغَانِيَنَا
وَلَا نَنْسَى خُطَى جَدٍّ شَهِيدٍ
سَقَى بِدَمِ الكَرَامَةِ مُنْتَهَانَا
وَلَا نَنْسَى أَبًا مَضَى شَهِيدًا
وَخَلَّفَ فِي مَوَاقِفِنَا أَبَانَا
فَنَحْنُ بَنُو الشَّهَادَةِ لَا نُبَالِي
إِذَا مَا المَوْتُ قَرَّبَ مِنْ خُطَانَا
وَنَحْنُ بَنُو الكَرَامَةِ لَا نُسَاوِمْ
عَلَى حَقٍّ وَلَا نَرْضَى سِوَانَا
إِذَا مَا قِيلَ مَنْ لِلأَرْضِ قُلْنَا
نَحْنُ أَهْلُهَا وَمَنْ فِيهَا حَمَانَا
وَإِنْ قَالُوا تَنَازَلْ عَنْ ثَرَاكُمْ
قُلْنَا: المَوْتُ أَقْرَبُ مِنْ مُنَانَا
فَمَا الأَوْطَانُ أَوْرَاقٌ تُبَاعُ
وَلَا الأَجْدَادُ قَدْ خَلَقُوا سِمْسَارَا
هِيَ التَّارِيخُ وَالأَنْفَاسُ فِينَا
وَهِيَ الأَسْمَاءُ تَسْكُنُ فِي دِمَانَا
سَنَحْمِلُهَا عَلَى الأَكْتَافِ عَهْدًا
وَنَحْمِي تُرْبَهَا مَهْمَا بُلِينَا
وَإِنْ طَالَ الطَّرِيقُ فَلَنْ نَمَلَّ
فَصَبْرُ الحُرِّ يَهْدِمُ مَنْ عَادَانَا
وَإِنْ ضَاقَ الزَّمَانُ بِنَا صَبَرْنَا
وَجَعَلْنَا مِنْ جِرَاحِ اللَّيْلِ سُلْوَانَا
وَنَعْلَمُ أَنَّ بَعْدَ اللَّيْلِ فَجْرًا
وَأَنَّ اللهَ لَا يَنْسَى رَجَانَا
عَلَيْهِ تَوَكَّلَتْ فِي كُلِّ خَطْبٍ
قُلُوبٌ لَا تَرَى إِلَّاهُ مَوْلَانَا
وَنَرْجُوهُ النَّجَاةَ لِكُلِّ حُرٍّ
وَنَسْأَلُهُ لِأُمَّتِنَا هُدَانَا
إِلَهَ العَرْشِ ثَبِّتْنَا جُنُودًا
عَلَى نَهْجِ الكَرَامَةِ مَا بَقِينَا
وَصُنْ أَقْصَانَا مِنْ كَيْدِ الأَعَادِي
وَرُدَّ إِلَى رُبُوعِ القُدْسِ نَصْرَانَا
وَوَحِّدْ شَمْلَ أُمَّتِنَا فَإِنَّا
سَئِمْنَا الفُرْقَةَ العَمْيَاءَ دَهْرَانَا
فَمَا نَفَعُ السُّيُوفِ إِذَا افْتَرَقْنَا
وَمَا نَفَعُ الرِّجَالِ إِذَا خَذَلْنَا
تَعَالَوْا نَجْمَعِ الرَّايَاتِ حَقًّا
وَنَرْفَعْ فَوْقَ دُنْيَانَا لِوَانَا
فَإِنَّ النَّصْرَ يَسْكُنُ فِي اتِّحَادٍ
وَإِنَّ الذُّلَّ يَسْكُنُ فِي شِقَانَا
وَلَا تَرْكَنُوا لِقَوْلِ كُلِّ خَائِنٍ
يُزَيِّنُ لِلْكَرَامِ لَهُمْ هَوَانَا
وَكُونُوا كَالجِبَالِ إِذَا تَعَالَتْ
رِيَاحُ البَغْيِ مَا هَزَّتْ ذُرَانَا
وَكُونُوا كَالصُّقُورِ إِذَا رَأَتْنَا
ذِئَابَ الغَدْرِ تَعْبَثُ فِي حِمَانَا
وَكُونُوا لِلضَّعِيفِ يَدًا وَعَوْنًا
فَخَيْرُ النَّاسِ مَنْ حَمَلَ العَنَانَا
وَلَا تَظْلِمْ وَلَوْ مَلَكَتْ يَمِينُكَ
فَإِنَّ الظُّلْمَ يَهْدِمُ مَنْ بَنَانَا
وَعِشْ حُرًّا كَرِيمَ النَّفْسِ حَتَّى
يَرَى التَّارِيخُ فِي أَثَرِكَ سَنَانَا
فَمَنْ يَخْشَ المَنِيَّةَ عَاشَ عَبْدًا
وَمَنْ يَعْشَقْ مَعَالِيَهَا تَسَامَى
وَهَذِي صَيْحَتِي فِي كُلِّ وَادٍ
سَيَسْمَعُهَا الزَّمَانُ وَمَنْ رَآنَا
أَلَا يَا دَهْرُ فَاشْهَدْ أَنَّ قَوْمِي
إِذَا رَكِبُوا المَنَايَا مَا انْثَنَيْنَا
وَأَنَّا لَا نُبَدِّلُ عَهْدَ أَرْضٍ
وَلَا نَنْسَى عَلَى الأَيَّامِ مَاضِينَا
سَنَبْقَى مَا بَقِي فِي الأَرْضِ حُرٌّ
يُرَدِّدُ فِي المَدَى: العِزُّ فِينَا
وَيَبْقَى اسْمُنَا فَوْقَ الثُّرَيَّا
نُقُوشًا لَا تُغَيِّبُهَا لَيَالِينَا
فَهَذِي مُعَلَّقَاتُ العِزِّ تُتْلَى
وَهَذِي فِي الوَغَى أَصْدَاءُ نَادِينَا
كَتَبْنَاهَا بِحَدِّ السَّيْفِ فَخْرًا
وَوَقَّعَهَا أَبُو عَلِيٍّ بِأَيْدِينَا
**