رواية “إنه هو …” لصوفية العلوي المدغري: بين أدب السيرة وحنين الروح
د. حسّان أحمد قمحية
رواية “إنه هو …” لصوفية العلوي المدغري:
بين أدب السيرة وحنين الروح
د. حسّان أحمد قمحية
تمثّل رواية “إنّه هو…” التي نسجتها الدكتورة صوفية العلوي المدغري واحدة من النماذج الأدبية التي تمزج بين أدب السيرة الذاتية الغيرية والبوح الوجداني. وهي ليست مجرّد محاولة لتأريخ حياة والدها الراحل فحسب، بل استعادة وجدانية وشهادة حيّة على نموذج إنساني متميّز، حُفرت ملامحه في ذاكرة الأسرة والمجتمع.
البنية الفنّية: بين السيرة والتخييل
من الناحية الشكلية، تعتمد الرواية أسلوب السيرة الذاتية الغيرية، حيث تكتب المؤلّفة عن والدها، لكنّها لا تكتفي بسردٍ خطّي تقريري، بل تُضفي عليه مسحةً من السرد الروائي، يتخلّله التخييل، والاستطراد العاطفي، والتأمّل الفلسفي، وتوظيف مكثّف للآيات القرآنية والأحاديث النبوية. وهذا ما يمنح العمل صبغةً روحيةً وعمقًا شعوريًا واضحًا.
ولعلّ هذا التداخل بين الحقيقة والتخييل لا ينتقص من صدقية الرواية، بل يُكسبها بعدًا تأمليًا، ويحرّرها من أسر الوثيقة التاريخية، لتصبح أقرب إلى “نموذج حياة” مثالي تتمنّى المؤلّفة لو أنّ الناس ساروا عليه.
الحضور الشخصي للمؤلّفة
مع أنّ الرواية تتناول سيرة الأب، فإنّ صوت الكاتبة كان واضح الحضور؛ يتجلّى في الأسلوب الحميمي، وفي الضمائر المستخدمة، وفي التدخلات المباشرة أحيانًا للتعليق أو إبداء الرأي أو التعبير عن المشاعر. لقد منح هذا الحضورُ الروايةَ ذاتيةً مزدوجة: فهي من جهةٍ غيريةٌ في موضوعها، ومن جهة أخرى ذاتيةٌ في انفعالها وصبغتها العاطفية.
يرفع هذا الانفعال العاطفي النصّ إلى مرتبة البوح أحيانًا، حتّى ليشعر القارئ بأنّه أمام رسالة طويلة من ابنة عاشقة لأبيها، تحمل في طيّاتها امتنانًا واعتذارًا وإعجابًا وتقديرًا، وتوصيةً للأجيال القادمة بحفظ الودّ والبرّ.
محاسن الرواية
التوثيق الإنساني والتربوي
الرواية وثيقة إنسانية وتربوية من الطراز الرفيع، تُبرز دورَ الأب في التكوين النفسي والعاطفي والأخلاقي لأبنائه؛ فشخصية الأب – كما رسمتها الكاتبة – تمثّل نموذجًا للمربّي الصامت، الذي يُؤثّر بسلوكه قبل كلماته، ويُعلّم بالصمت أكثر مما يُعلّم بالخطاب.
اللغة العذبة المشحونة بالعاطفة
تميّزت لغة الرواية بالعذوبة والانسياب، وهي مكتوبة بأسلوب يجمع بين رصانة العربية الكلاسيكية ودفء المشاعر، حتّى إنّ كثيرًا من المقاطع تصلح لأن تُقتبس كحِكم أو تأمّلات وجدانية كقوله الوالد: “تعلّموا ثلاث مسائل في حياتكم: البساطة، العفوية، التغافل”، وقوله: “في البساطة لا يزيد الإنسان إلّا جمالًا وقبولًا، وجمعًا لركام من السعادة الداخلية”. كما أنّ حضور الشعر والنصوص الدينية أضفى على النصّ طابعًا روحانيًا.
البُعد الأخلاقي والقِيَمي
الرواية مضمّخة بالقِيم الإسلامية والإنسانية النبيلة: برّ الوالدين، التواضع، الكرم، العفّة، الصبر، الحياء، الرضا بالقليل؛ وكأنّي بهذه الرواية تُعيد الاعتبار للفضائل التي هُمِّشت اليوم في زمنٍ تَشُوبُه السرعة والمصلحة والتفاهة والسخافة.
الحسّ التاريخي والاجتماعي
نتعرّف، ونحن نمضي مع الرواية، على ملامح من الحياة الاجتماعية في المغرب، لاسيّما في مدينة فاس، في مراحل زمنية سابقة؛ من خلال وصف الأسواق، والمهن، والعلاقات الاجتماعية. وهذا ما يُكسب النصّ طابعًا توثيقيًا مهمًّا.
الملاحظات النقدية
الانغماس في التمجيد
مع أنّ النصّ انطوى على قدرٍ وافر من الجمال العاطفي، لكنّه وقع في فخّ التمجيد الزائد أحيانًا، بحيث كادت الشخصية تتحوّل إلى صورة مثالية مطلقة لا يعتريها نقص. وهذا ما قد يُضعِف عنصر الحياد الفنّي الذي يتطلّب بعضَ التوازن بين المحاسن والمآخِذ.
الإغراق في البكاء العاطفي
تتكرّر في الرواية بعضُ مشاهد البكاء والانفعال الحادّ، ممّا قد يُربك القارئ الباحث عن تسلسل منطقي للسيرة. وقد كان من الممكن أن توظّف هذه الانفعالات بطريقة أكثر اتّزانًا لخدمة البنية الفنّية.
الاستطرادات الطويلة
احتوت الرواية على فقرات طويلة من التأمّلات الذاتية والإنشائية، التي قد تُضعِف من تماسك النصّ السردي؛ فالسيرة تحتاج إلى إيقاع مضبوط، وتوازن بين السرد والوصف والتأمّل.
غياب الصراع
تدور أغلب أحداث الرواية في أجواء مثالية من الحبّ والتفاهم والسكينة، ممّا يجعل غياب التوتّر والصراع يحدّ من التشويق الفنّي؛ فالرواية، حتّى وإن كانت سيرة، تحتاج إلى لحظات مواجهة أو مفارقة تُحفّز القارئَ على المتابعة.
الخلاصة: الرواية رواية فضفضة وتَقْديس
“إنه هو…” ليست رواية بالمعنى التقليدي، بل نصّ وجداني بامتياز؛ إنّها “رسالة حبّ ووفاء” من ابنة نحو أبيها، تحاول أن تؤبّد وجوده، وتحفر اسمه في ذاكرة القرّاء، كما حُفر في قلبها.
ومع أنّ النقّاد الكلاسيكيّين قد لا يجدون في هذا النصّ ما يطلبونه من شروط الرواية الفنّية المحضة، لكنّه نصّ يظهر صداه عند من ذاق معنى البرّ، وتذوّق دفء الأبوّة، وعرف قيمة الرحيل ووَقْع الفِراق.