منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كُنّاشُ المغضوبِ عليهِم.. وتجربةُ أستراليا

د. عبد القادر الدحمني

0

كُنّاشُ المغضوبِ عليهِم.. وتجربةُ أستراليا

بقلم: د. عبد القادر الدحمني

كنت قد كتبت قبل أسابيع تدوينة عن الحال المزرية لواقع الثقافة في المغرب، أثنى عليها البعض لما رأوا فيها من جرأة وصراحة، في حين لامني بعضهم وعاتبني، لاستخدامي عبارات قاسية، وأخرى قد تكون جارحة لعدد من المثقفين، ومنهم أصدقاء أو معارف، لم نخرج يوما في علاقتنا معهم عن الاحترام الواجب، والتقدير المطلوب، والأدب اللازم.

لكن التزام الاحترام والتقدير، لا يعني أبدا الصمت، كما لا يعني المجاملة و”النفخ” السلبي على حساب الحقيقة، وعلى حساب التشريح الموضوعي اللازم لواقعنا، رغبة في معرفة أعطابنا الحقيقية، وتفكيك أمراض ساحتنا الثقافية، وهو شرط ضروري لأي حراك ثقافي، ومدخل حيوي لأي طرح يسعى إلى النهوض بالمجال وتحصينه من العلل القاتلة، والأمراض المزمنة، والتربصات المحيطة.

في تدوينتي حاولت ان أبتعد قليلا عن المقاربة الجاهزة التي تكرّست في واقعنا التحليلي بجميع مجالاته، وهي مقاربة تحمّل الدولة والنظام مسؤولية أي اختلال أو تردٍّ ابتداءً، وتجعل كل واقع مزري هو بشكل مباشر انعكاس لسياسة مقصودة، وتخطيط واعٍ، و”مؤامرة” كاملة.

نعم، هذا منطق سليم في عمومه، ولن يختلف حوله غالبية الناس، لكن الوجه الآخر، هو صعوبة مواجهة الذات، وتشريح الواقع بناء على ذلك.

فالمنطق السليم، ينبغي أن يحمّل المسؤولية للمثقفين أنفسهم فيما وصل إليه الواقع الثقافي المغربي من سوء، وما أصابه من اعتلال واختلال، وما تردّى إليه من حضيض، رغم نقط الضوء التي لا زالت تقاوم وسط الانحدار العام.

تحدثت عن تراجع النموذجية السلوكية في التموقع الواقعي إزاء ما يطلق من شعارات وما يُتَغَنّى به من أفكار، وتحدثت عن استشراء منطق الاستسهال، والتداعي على الريع والفتات، وجنون الأضواء والمنصات، وإسهال الثناء المزمن على “رأس المال”، والرقص وفق إيقاعات السلطة، خارج كل رهان مفترض على المثقف، وعلى أدواره الطلائعية في التغيير ومقاومة التصحّر والتسطيح وعقلية القطيع. ولعل بعض الشظايا تطايرت من تدوينتي البسيطة فأصابت وآلمت، لعلها توقظ من سبات، أو تنهض من رقاد، أو تستفز من لم تغرقه سيول التهافت والارتعاب، أو تشلّه التشنّجات الإيديولوجية والمطبّات النفسية الحادّة.

واستكمالا لمقالتي السالفة، أستدرك الكلام حول أعطاب النخبة، متحدثا من واقع المعاناة، وصميم المقاساة، لا من ترف التفكير الانتفاعي المبرِّر أو هناءة التخييل البُرجي. أتحدّث عن صيغ المنع الذي تمارسه السلطات المغربية إزاء رموز ثقافية وفنية عديدة، وبأشكال وصيغ مختلفة، طوّر فيها المخزن وأبدع وراكم تجارب رائدة في القمع والخنق.

وأستأنس هنا، بخبر يتصدّر هذه الأيام مواقع الثقافة والفنون في العالم، وهو المتعلق بإلغاء أبرز مهرجانات الكتّاب في أستراليا البارحة الثلاثاء، بعدما قاطع حوالي 180 مؤلفًا هذا المهرجان، واستقالت مديرته كذلك، احتجاجًا على منع كاتبة فلسطينية من المشاركة، هي السيدة راندا عبد الفتاح، التي تلقّت دعوة للحضور وتقديم محاضرات في المهرجان، قبل أن تتدخل مجموعات ضغط صهيوحاقدة للحيلولة دون ذلك. لكن المثقفين الأستراليين، كانوا في مستوى اللحظة الإنسانية والحقوقية والسياسية كذلك، فأجمعوا على مقاطعة المهرجان، معبرين عن غضبهم من الإقصاء والمنع، رافضين التضييق على حرية التعبير وفرض الرقابة على الحق في الاختلاف. والغريب في الأمر أن من بين هؤلاء المثقفين المنسحبين، رئيسة وزراء نيوزيلندا السيدة جاسيندا أرديرن، إضافة إلى الكاتبة البريطانية الشهيرة زادي سميث، والكاتبة الأسترالية المعروفة هيلين غارنر، وعدد من مشاهير الفكر والثقافة والفنون.

أمّا الوزير اليوناني السيد يانيس فاروفاكيس فإنه ساهم في هذا الصد النبيل للمنع، بأن صوّر مقطع فيديو يقوم فيه بتمزيق الدعوة التي وجهت إليه لحضور المهرجان. وبعد هذه الخطوة بقليل، استقال كل أفراد مجلس إدارة المهرجان، بما فيهم مديرة المهرجان لويز أدلر، التي صرّحت بأنها استقالت لأنها لا تستطيع أن تكون “شريكة في إسكات مؤلفة فلسطينية”.
لماذا هذا النموذج؟ ببساطة للاستئناس والتعلم، والتحدي كذلك.

وإلا فإن تدخل السلطات لمنع بعض الكتاب والمثقفين، بتعليمات خارج القانون، وخارج احترام المساطر، سواء عبر الهواتف التي تُملي وتمسَحُ ما تشاء، أو عن طريق الإيعاز والمنع القبلي، بحيث صار الأمر أشبه بالواقع الذي لا يرتفع، أن تتولّى جهات ثقافية، تحسب نفسها على شيء، مضطرة مُكرَهة، أو متحايلة متذاكية مُسْتَبِقة، تجنب الأسماء الراسخة في المنع، أو التواصل الفاضح الفج مع الكتاب كي يسحبوا مشاركتهم أو يغيبوا ويمتنعوا عن الحضور، كي لا تُمنَع الأنشطة ذاتها، أو يتم الانتقام من الإطارات المنظمة، بمنع صنبور الدعم، وعرقلة العمل، والتقييد في “كنّاش” المغضوب عليهم.

هناك استثناءات نادرة الحدوث في التداعي النبيل رفضا لمنع صوت من الأصوات، أو صدّ خرق وتسلط ضد مبدع أو مبدعة، لكنه نادر ندرة الكبريت الأحمر، ويخضع أحيانا لميول إيديولوجية وأهواء سياسية، وليس تضامنا مبدئيا، ووقوفا خالصا حقوقيا، من أجل الحق في التعبير، وحرية الإبداع، وحرية التنظيم والنشر..

فما الذي يمنع مثقفينا وكتابنا وفنانينا، من مثل هبة كتاب أستراليا، دفاعا عن بعضهم البعض، بغض النظر عن الانتماءات الضيّقة والأهواء السياسية والتوجهات الإيديولوجية؟ ولماذا لا يتأهب الكل حين يُمَسُّ الجزء؟

إنه، في غياب هذا الوعي، بسبب الانزواء، أو جراء الخوف، أو بداعي الطمع، أو الحقد، لن نتقدم خطوة واحدة في تحرير مساحة مشرفة لفعل ثقافي جاد، يسعى المخزن دوما للتحكم فيها والتضييق عليها، وصناعتها على عينه، وحرصه المتوجس من كل من يختلف معه، أو ينبت وعيا مضادا لمنطق سيطرته وخطة إخضاعه.

بدون هذا الوعي والاستعداد، لا حق لك في البكاء حين يصل دورك أمام طاحونة المنع والقمع لا قدّر الله، بدفاعك عن رفاقك إنما تدافع عن نفسك وتحصّن موقعك.
ولا يتعلّق الأمر هنا دوما بخطوات كبيرة ومكلّفة، أو ّمجازِفَة” كما قد يرافع البعض، بل بمجرد خطوات رمزية، وفورية، ومتراكمة، ومبدعة. ويكفي أن يتوفّر الوعي، وتحضر الإرادة، ويتم الارتفاع عن الحضيض قليلا.

إن الذي يسلب الحرية لا يعطيها من تلقاء نفسه، والذي يحاصرها ويعتبرها تهديدا لا يمكن أن يوسع مساحتها كرما أريحيا خالصا من قِبله، ولذلك لا بد من مدافعة، ولا بد من موقف ونضال، ومن بناء واعٍ لتحصين الفعل الثقافي من أدوات التحكّم والتجريف والتنميط.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.