سوريا الجديدة… لبنات أساس
بقلم: الدكتور محمد منار
من حق الشعب السوري أن يفرح، وأن يحتفل بجمعة النصر، ومن حق الأحرار في العالم العربي والإسلامي وفي كل العالم أن يشاركوا السوريين فرحتهم ويبتهجوا لسقوط نظام دكتاتوري و سادي، لكن تجارب قديمة وحديثة علمتنا أن تحديات البناء أكبر وأخطر بكثير من تحديات إسقاط النظام. هناك لبنات اساس يجب الانتباه إليها، بل يجب المبادرة إلى تثبيثها وترسيخها قولا وفعلا. من هذه اللبنات مايلي:
أولا: تعاقد سياسي واضح بين مختلف القوى السورية التي كانت تعمل من أجل التغيير، يكون على أرضية مبادئ كبرى ومعالم حد أدنى لطبيعة الدولة وشكل النظام، وتتحدد على أساسه مطالب المرحلة الانتقالية وخطواتها وحدودها. إن الإقصاء في المرحلة الانتقالية، قد ينتج عنه الإقصاء في التأسيس والبناء.. ومن الواضح أن هناك أولوية للجانب الأمني والخدماتي، لكن لا ينبغي اختزال كل شيء في حكومة تصريف الأعمال وفي بعض الخرجات أو “التخريجات” الإعلامية.
ثانيا: حسن إدارة العلاقة مع المحيط الإقليمي والدولي. من الخطأ الاعتقاد أن الشرعية الثورية تغني عن الشرعية الدولية، وبكل تأكيد هناك مصالح وأطماع لقوى دولية وإقليمية، وإذا كان من غير المطلوب التسليم بالأطماع والمصالح غير المشروعة، فإنه من غير المطلوب أيضا عدم الانفتاح على ما يمكن أن يكون من تبادل للمصالح بالشكل الذي لا يضر بوحدة سوريا ولايعسف بانعتاقها من التسلط. ومن حسن إدارة العلاقة مع المحيط ترتيب الأولويات وعدم الانشغال مؤقتا بما قد يكون من “تحرش” و “استفزاز” من هنا أو هناك.
ثالثا: كسب تحدي المشاركة العامة للشعب ونخبه في شتى المجالات. وتتأسس تلك المشاركة العامة على إشاعة وعي عام يؤكد أن المرحلةالانتقالية هي مرحلة صبر وتضحية، ومشاركة كل من موقعه وعلى قدر استطاعته في البناء، وليست مرحلة مطالبات اقتصادية واجتماعية. الأثر الاقتصادي والاجتماعي يتطلب زمنا غير يسير، خاصة حين تكون كل مقوماته الأساسية مفقودة. ولإنجاح هذه المشاركة وإشاعة هذا الوعي يجب الاهتمام كل الاهتمام بالإعلام، والإنتباه كل الإنتباه إلى إعلام الثورة المضادة.
رابعا: حسن تدبير الزمن الانتقالي. إذا كان من المهم عدم إطالة المرحلة الانتقالية، فمن المهم أيضا عدم الاستعجال، خاصة فيما يتعلق ببعض القضايا الهامة، كقضية الدستور مثلا، فالأهم هو وضع دستور نابع عن إرادة شعبية يجد فيه كل السوريين أنفسهم، وليس الأهم هو المسارعة إلى إصدار دستور أو القيام بتعديلات دستورية على مقاس خبراء تابعين يختارون من فوق. ومن القضايا أيضا التي قد تتطلب بعض التروي قضية عودة النازحين. فلاشك أن هناك رغبة جامحة لدى العديد من السوريين النازحين للعودة إلى وطنهم، وهي رغبة مقدرة وحق مشروع، لكن إلى أي حد هناك قدرة على استيعاب كل النازحين في مرحلة انتقالية لاتخفى تحدياتها الاجتماعية المتعددة؟
هذه بعض الأفكار من وحي متابعة ما يجري في سوريا، وإن كان من يشاهد من بعيد ليس كمن يوجد في صلب المشهد. وفق الله السوريين للتغلب على كل التحديات الداخلية والخارجية وبناء سوريا جديدة فعلا.