منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

صهيلُ العلياء (قصيدة)

 صهيلُ العلياء (قصيدة)/ أبو علي الصُّبَيْح

0

 صهيلُ العلياء (قصيدة)

بقلم: أبو علي الصُّبَيْح

إلى الأمةِ التي لم تمت،
إلى الخيولِ التي ما زالت تُصهلُ في ليلِ الانكسار،
إلى دجلةَ والقدسِ وصنعاءَ وقرطاجَ ودمشقَ وبيروتَ،
إلى وجهِ العروبةِ المتعبِ…
الذي يبتسمُ كلَّما نزفَ القلبُ فجرًا جديدًا.

في زمنٍ تاهت فيه الخيولُ عن مضاربها،
وانطفأت في مآذن العروبة قناديلُها،
تأتي هذه القصيدة كصهيلٍ بعيدٍ من قلبِ الصحراء،
كأنّ الرمالَ تذكّرت خطى أبطالها،
والرياحَ عادت تنفخُ في رمادِ القبائل شرارةَ النهوض.

هي نداءُ المشرقِ للمغرب،
وصوتُ دجلةَ للقدس،
ووشوشةُ الزيتونِ لجبالِ لبنان،
وأنينُ صنعاءَ في وجهِ الغبار،
وابتسامةُ الشامِ وهي تُخاطبُ فجرَها القديم.

“صهيلُ العلياء” ليست رثاءً، بل وعدٌ بالعودة،
وليس أنينَ أطلالٍ، بل وعدُ قيامٍ جديدٍ من بين الحجارة.
كلُّ بيتٍ فيها حافرُ فرسٍ على طريقِ النور،
وكلُّ قافيةٍ فيها رجعُ أمةٍ تأبى الفناء.

يتلاشى عندَ المسيرِ الحِداءُ
أيُّ سِرٍ ستحفظُ الصحراءُ

تاهَ صوتُ الطلولِ في فلواتٍ
لم تَعُد تعرفُ الضيا والسماءُ

وانطوى النورُ في مفارقِ ركبٍ
ضلَّ فيهِ الرجاءُ والعَلياءُ

كم رمتْنا الخطوبُ من كلِّ صوبٍ
فاحتمى من عواصفِ البأسِ ماءُ

يا شعوبًا تفرّقت ثم عادتْ
دمُها واحدٌ، وذاك النداءُ

يا عراقَ المجدِ السليبِ أما زلـ
ـتَ تغلي جراحُكَ العصماءُ؟

كم ذُبِحنا على الفراتِ وليتَ الـ
ـنخلَ أبكى، فدمعُهُ شهداءُ

قد سَقينا دِجْلةَ الأسى فتماهتْ
في شجونٍ توارثتْها الأنحاءُ

يا فلسطينُ والقداسةُ نارٌ
كلُّ جرحٍ فيكِ الأنبياءُ

أرضُكِ الطهرُ ما استكانَ وإنْ نا
مَ عنها العُداةُ أو شاءوا البغاءُ

قبلةُ الأحرُفِ السجودِ وعينٌ
في مداها الملائكُ السمحاءُ

كلُّ فجرٍ فيكِ يولدُ نورًا
ويُغنِّي به الحصى والهواءُ

يا تُونسَ الخضراءِ، يا نبضَ روحي
كم على شطِّكِ الهوى أهواءُ

أنتِ سيفُ العُرْبِ الذي لا يُثنّى
إنْ تهاوى في قبضتَيْهِ الشقاءُ

والمغاربُ، أرضُ زيتونِ مجدٍ
لم يزلْ في جذورِها الإباءُ

كم أنارتْ شُموسَها فوقَ بحرٍ
من نضالٍ تصفو بهِ الأصداءُ

يا يمنَ العُرْبِ ما لوجهِكَ يُطفا
منهُ نورٌ أو تُثْنِه الأنواءُ

كم قريشٍ من نسلِكَ الفخرُ فيها
ومن السيفِ يورقُ العلياءُ

يا شآمًا تبسّمَتْ رغمَ نارٍ
جمرُها في عيونِنا ضياءُ

منكَ قامتْ حضارةٌ وانحنتْ
عندَ بابِكِ السيوفُ والأنبياءُ

ولبنانُ، كم تصبّرَ صبرًا
كلُّ نجمٍ في ليلهِ بكَ راءُ

قلعةُ الصخرِ والبيانِ وبيتٌ
قد سكنّا سناهُ والأنحاءُ

يا بلادَ العُرْبِ اتحدي فإنّا
أمةٌ لا يقيّدُها الإملاءُ

إنّما الأرضُ كلّها إنْ نسينا
ضادَنا، ضاعَ لفظُها والأسماءُ

ما لأقلامِنا سُيوفُ مضاءٍ
حينَ كانتْ لغيرِنا الإنشاءُ

يا كرامَ الديارِ لا تتهادوا
إنّما العزُّ في الكرى إيماءُ

واصعدوا كالشُّموسِ في فجرِ مجدٍ
يتحدّى ظلامَهُ الإغواءُ

من فلسطينَ للفراتِ صهيلٌ
يتغنّى بهِ الحِمى والعطاءُ

من تُخومِ الحجازِ للغوطةِ الغنـ
ـاءِ عزٌّ تلوحُهُ الكبرياءُ

كم بكينا فهلْ شفى الدمعُ يومًا؟
لن يردَّ الثرى لنا البكاءُ

يا سيوفًا أكلها الصدأُ اليومَ
آنَ أنْ تستفيقَ يا بيداءُ

آنَ أنْ نكتبَ الحياةَ بعزمٍ
لا يلينُ الحديدُ إنْ نَشاءُ

قد تهادتْ على الرمالِ خطانا
مثلَ وعدٍ يلوحُهُ الإحياءُ

نحملُ الشمسَ في الدُّجى، إنْ تعامى
الدهرُ عنها، فوجهُنا ضياءُ

نستعيدُ الندى من الدهورِ
فبنا يُورقُ الزمانُ الوضاءُ

من عروقِ الكرامِ ينهلُ فخرٌ
سائلٌ لا تجفُّهُ الأهواءُ

قد ملأنا الثرى بأنفاسِ حُلمٍ
لم يزلْ في صدورِنا الإعلاءُ

كلُّ مجدٍ بنا يعيدُ صباهُ
ويُعيدُ العصورَ والأسماءُ

يا صهيلَ الفوارسِ المرهَفاتِ
قد مضتْ خطوتانِ والإرجاءُ

لم يزلْ للمهندينَ صليلٌ
يسمعُ الطيرُ رجعَهُ والفضاءُ

إنَّ فينا دمَ الأُلى ما تواروا
حينَ خانَ الجموعَ الإغراءُ

ما طغى في القلوبِ إلا رجاءٌ
أنْ نرى النصرَ نخلَهُ والبهاءُ

كلُّ جرحٍ بنا سيورقُ سيفًا
ويغنّي، فصمتُنا إنباءُ

يا حروفَ العُلا تعالي نُسِرُّ الـ
ـدهرَ أنَّ الكرامةَ الإملاءُ

أينَ منّا عصورُنا إذْ بنينا
للندى فوقَ راحةِ الإحياءُ

أينَ منّا صلاحُ دينٍ وليلٌ
قد غفتْ في مآذنِه الأنحاءُ

يا حطينَ الزمانُ يشهدُ أنّا
كلُّ وعدٍ لنا بهِ إيفاءُ

يا أُقصانا لو نطقتَ دموعًا
لانحنتْ من خُطاكَ الأنبياءُ

يا غزاةَ الجهادِ في كلِّ أرضٍ
إنَّ ذكراكُمُ لنا لواءُ

سوفَ يبقى على المدى صوتُ حرٍّ
يُوقظُ المجدَ إنْ طغى الإغواءُ

لا تقلْ ضاعَ عزُّنا إنَّ فينا
مِنْ جذورِ المهابةِ استعلاءُ

كم رمتْنا اللياليَ السودُ حتّى
عادَ فجرٌ لنا بهِ الأضواءُ

وتجلّى على المدى فخرُ أُمٍّ
أرضُها الطُّهرُ والعُلا والسماءُ

يا بني العُرْبِ كم صبرنا طِوالًا
آنَ أنْ يُنبتَ الصدى أنداءُ

آنَ أنْ نكتبَ القصيدةَ نارًا
كلُّ حرفٍ بها لهُ إيماءُ

آنَ أنْ ننهضَ الكبارَ فإنَّ الـ
ـعزَّ لا يبتغيهِ إلّا النبلاءُ

إنْ سكتنا تكلّمَتْ في رُفاتٍ
من بقايا عروقِنا الأشياءُ

واعتلى فوقَ مَجدِنا كلُّ وهمٍ
واستباحَ الترابَ والأنحاءُ

غيرَ أنَّ الضميرَ ما ماتَ فينا
وسيبقى تُنادِينا الأصداءُ

فانهضي أُمّتي فديتُكِ صبرًا
قد تجلّى بعزمِنا الإحياءُ

واغسلي بالضياءِ كلَّ دُجى
قد طغى في سماكِهِ الأعداءُ

إنَّ وجهَ الزمانِ عادَ جميلًا
إنْ تهاوتْ على يديه البلاءُ

يا عروبتَنا العظيمةَ قومي
ها هنا المجدُ، والسنا، والفداءُ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.