منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(7)تابع

عبد الغني منتصر

0

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة:(7)تابع

استبصار السنن في زمن التحولات”

بقلم: عبد الغني منتصر

 

الفصل الثاني: المركزية الغربية وتهافت الأصنام

​المبحث الأول: تفكيك السردية الغربية؛ سقوط الأخلاق

تصدير الفصل الرابع: انكسار “الأستاذية” وزمن السيادة العارية

يدخل التاريخ البشري بعد السابع من أكتوبر حقبةً جديدة لم يعهدها منذ عصر التنوير، حقبةً يمكن تسميتها بزمن “التعري الحضاري للمركزية الغربية”. فإذا كان الفصل الأول قد تتبع بناء “إنسان المنهاج” من الداخل، فإنَّ هذا الفصل يأتي ليشرّح انهيار “الآلهة المادية” التي سجدت لها البشرية طويلاً تحت مسميات “الليبرالية”، “حقوق الإنسان”، و”الشرعية الدولية”. إنَّ ما حدث في غزة لم يكن مجرد صراعٍ على بقعة جغرافيّة، بل كان “امتحاناً نهائياً للمختبر الأخلاقي الغربي”؛ وقد رسب هذا المختبر رسوباً مدوياً، محولاً الشعارات البراقة التي لُقنت للأمم لعقود إلى مجرد “أدوات وظيفية” تُستخدم لشرعنة القوة وقمع الضعفاء.

إنَّ هذا الفصل يسعى إلى تفكيك “صنم المركزية الغربية” الذي نصّب نفسه “معلماً أخلاقياً” و”شرطياً كونياً”، ليكشف للقارئ أنَّ هذه الحضارة حين وُضعت في ميزان “الطوفان”، اختارت أن تُضحي بكل إرثها القيمي (من فولتير إلى لوك) في سبيل حماية “مخفرها الإستراتيجي” في المنطقة. نحن هنا بصدد قراءة في “سقوط الهيبة المعرفية”؛ فالغرب الذي كان يسوق نفسه كـ “نهاية للتاريخ” أثبت أنه مجرد “استمرارية للتصرف الإمبريالي” برداءٍ حديث. سنتأمل كيف تحطمت “أسطورة اليقين” في النموذج الغربي، وكيف تحول من “نموذجٍ يُحتذى” إلى “كيانٍ مأزوم” يمارس العنصرية بأبشع صورها الفجة، معلناً بداية عصر “السيادة العارية”؛ أي القوة التي لا تستر عورتها بأي رداءٍ قيمي.

إننا نفتح هذا الفصل لنعلن أنَّ “الوصاية الأخلاقية” قد انتهت، وأنَّ “الأصنام” التي شُيدت من ورق القوانين الدولية قد جرفها سيل الدماء في غزة، مما يفتح الباب واسعاً أمام “إنسان المنهاج” ليقدم بديله الحضاري، ليس من باب الوعظ، بل من باب “الضرورة الوجودية” لإنقاذ البشرية من انحطاطها القيمي. إنها رحلة في كواليس “تهافت الأصنام”، تبدأ بتفكيك السردية وتمر بسقوط الأقنعة، لتنتهي بيقينٍ لا يتزعزع: أنَّ الحضارة التي تقتل الطفولة لتنتصر، هي حضارةٌ قد وقّعت صك إعدامها السنني بيديها.

1. العور الأخلاقي والنزعة العنصرية الكامنة: سقوط “كونية” حقوق الإنسان عند حدود غزة

إنَّ القراءة العميقة لانهيار السردية الغربية في زمن الطوفان تفرض علينا البدء بتشريح ما نسميه “العور الأخلاقي الجهازي”؛ وهو العجز البنيوي في الرؤية الغربية الذي يرى في “الإنسان” مفهوماً حصرياً ينطبق فقط على ذوي البشرة البيضاء والمنتمين إلى “نادي الحداثة”. لقد أثبت الطوفان أنَّ “كونية” حقوق الإنسان التي صدع الغرب بها رؤوس الأمم لعقود، ليست إلا “كونية انتقائية” تتوقف فجأة وبشكل آلي عند حدود غزة والشرق الإسلامي.

إننا هنا أمام تجلٍ فج لـ “النزعة العنصرية الكامنة” التي تدثرت برداء الليبرالية طويلاً، لكنها انبعثت من تحت الرماد بمجرد أن تعرض “المخفر الإستراتيجي” للغرب للخطر. في القاموس الغربي غير المعلن، تم تصنيف دماء الفلسطينيين كـ “دماء فائضة”؛ أي دماء يمكن هدرها دون أن يختل توازن “الضمير العالمي”، لأنَّ الضحية هنا لا تنتمي إلى “العرق المتفوق” ولا تشترك مع الغرب في سرديته الثقافية. إنَّ هذا السقوط الأخلاقي ليس مجرد خطأ في التطبيق، بل هو “انكشاف للمعدن”؛ حيث عاد الغرب، برسمه الرسمي ونخبه الفكرية، إلى منطق القرون الوسطى والروح الاستعمارية القديمة، مقسماً البشرية إلى “بشر كاملين” يستحقون الحماية والحياة، و”أشباه بشر” أو “حيوانات بشرية” كما وصفهم قادة الاحتلال بضوء أخضر غربي، يجوز إبادتهم وتجويعهم تحت ذريعة “الدفاع عن الحضارة”.

إنَّ الإسهاب في تشريح هذا العور الأخلاقي يكشف لنا عن حالة من “الأبارتايد القيمي العالمي”؛ فالعالم الذي انتفض في أوكرانيا تحت شعار “حماية القيم الديمقراطية” والتباكي على السيادة، هو نفسه العالم الذي أغمض عينيه عن أشلاء الأطفال في غزة، بل وشارك في التبرير والتمويل والتسليح. هذا الفصام ليس ناتجاً عن غياب المعلومات، بل عن “رؤية عنصرية” ترى في “الآخر” (المسلم، العربي، الفلسطيني) تهديداً وجودياً لمنظومة التفوق الأبيض. إنَّ الروح الاستعمارية التي ظن البعض أنها انتهت مع خروج الجيوش، عادت لتكشف عن وجهها الكالح في “اللغة السياسية” الغربية التي تشرعن القتل بلغة منتقاة بعناية، مما يثبت أنَّ الغرب لم يغادر قط عقلية “نحن وهم”.

نحن أمام “نظام طبقي للدم”؛ حيث يساوي دم مستوطن واحد في الميزان الغربي حياة آلاف الفلسطينيين، وهي معادلة لا يمكن قبولها إلا في عقلية عنصرية ترى في “الإنسان الأبيض” مركزاً للكون ومنبعاً وحيداً للقيمة. إنَّ الطوفان قد مارس عملية “تقشير” حضاري؛ فنزع قشرة الليبرالية الرقيقة عن جسد المركزية الغربية، ليظهر لنا “الرجل الأبيض” القديم، المسكون بهاجس السيطرة، والمستعد لإحراق كل مواثيقه الحقوقية إذا ما اصطدمت بمصالحه الإمبريالية.

إنَّ سوسيولوجيا هذا السقوط تخبرنا أنَّ الغرب قد فقد “الحق الأخلاقي” في قيادة البشرية؛ فالحضارة التي لا تستطيع أن تمد يد العدالة للمظلوم لأنه يختلف عنها في “الدين أو العرق” هي حضارةٌ ميتة أخلاقياً، وإن ملكت كل أسباب القوة المادية. لقد حرر الطوفان الوعي الشعبي العالمي من “قداسة النموذج الغربي”؛ فصار الشباب في كل مكان ينظرون إلى “تمثال الحرية” فيرون خلفه أنقاض غزة، وينظرون إلى “إعلانات حقوق الإنسان” فيرون تحتها توقيعاً غربياً بمدادٍ من دم الأبرياء.

إنَّ هذا الانبعاث للروح الاستعمارية قد وضع حداً لزمن “التلقين الأخلاقي”؛ فإنسان المنهاج اليوم، بصموده وثباته الأخلاقي حتى في لحظة الموت، يقف في مقام “الأستاذ” الذي يعلم الغرب المتفسخ معنى الإنسانية الحقيقي، بعيداً عن حسابات اللون والعرق. إنَّ السقوط الأخلاقي للغرب في غزة هو “نهاية سردية” وبداية أخرى؛ حيث لم يعد “الإنسان” هو ذلك الكائن الذي يعيش في باريس أو نيويورك فقط، بل هو ذلك الصامد الذي يتوضأ بدمه في غزة، معلناً سقوط أصنام المركزية الغربية إلى غير رجعة، ومؤكداً أنَّ “الحقيقة” لا يمكن حجبها بغربال الأكاذيب العنصرية، مهما بلغت قوة الماكنة الإعلامية والسياسية التي تحاول تبرير ما لا يُبرر.

2. “صناعة الشيطنة”: تهافت الخطاب الإعلامي والأكاديمي الغربي

إنَّ المتأمل في السلوك الغربي إبان “الطوفان” يدرك أنَّ الانهيار لم يقتصر على الساسة، بل ضرب النخاع الشوكي للحضارة الغربية: الإعلام والأكاديميا. لقد أثبتت أحداث غزة أنَّ أسطورة “الموضوعية” الإعلامية وقدسية “الحرية الأكاديمية” لم تكن سوى أصنامٍ من تمر، أكلها الغرب حين جاع إلى “الشرعنة الأخلاقية” لجرائمه. نحن أمام عملية “صناعة شيطنة” ممنهجة، لم تكتفِ بتزييف الواقع، بل عملت على إعادة صياغة الوعي الكوني عبر قلب الحقائق؛ حيث تحول الضحية إلى إرهابي، والجلاد إلى “مدافع عن القيم التنويرية”.

لقد سقطت المؤسسات الإعلامية الكبرى (من BBC إلى CNN) في فخ “البروباغندا الوظيفية”، حيث تبنت سردية الاحتلال دون أدنى فحصٍ مهني، ومارست “تجهيلاً متعمداً” لجمهورها عبر لغةٍ ملتوية تجعل من قتل آلاف الأطفال مجرد “أضرار جانبية”، بينما تجعل من فعل المقاومة “خطيئةً كونية” تستوجب الإبادة. هذا السقوط الإعلامي هو في حقيقته “انتحار للمهنية” على مذبح الولاء للمشروع الصهيوني، مما أثبت أنَّ تدفق المعلومات في الغرب محكومٌ بـ “فلتر إمبريالي” يمنع مرور الحقيقة إذا كانت تهدد المركزية الغربية.

أما الانهيار الأشد إيلاماً وتهافتاً، فقد تجلى في “القلاع الأكاديمية” التي طالما صدرت للعالم قيم التفكير الحر والنقد؛ ففي جامعات النخبة (هارفارد، بنسلفانيا، MIT)، رأينا مشهداً يذكرنا بـ “محاكم التفتيش” في القرون الوسطى. لقد جُرجر رؤساء هذه الجامعات إلى ردهات الكونغرس ليُحاكموا ليس على جودة البحث العلمي، بل على “مدى سماحهم بحرية التعبير” لطلابٍ رفضوا الإبادة الجماعية. إنَّ قمع الأصوات الحرة داخل هذه المؤسسات، وفصل الأساتذة، وتهديد الطلاب بمستقبلهم المهني لمجرد انحيازهم للحقيقة، كشف عن حقيقةٍ سوسيولوجية صادمة: أنَّ الديمقراطية الغربية و”الليبرالية الأكاديمية” ليست إلا “قشرة رقيقة” تتلاشى وتذوب عند أول تهديد جدي لمصالح المنظومة الاستعمارية.

لقد تحولت الجامعات من “فضاءات للبحث عن الحقيقة” إلى “أدوات لضبط الوعي” وتجريم التعاطف مع “الآخر” المسلم، مما أثبت أنَّ “العقل الأكاديمي الغربي” لا يزال مرتهناً لعقلية “التفوق العرقي” وخدمة “السلطة المالية” التي تمول هذه المؤسسات. إنَّ هذه الشيطنة تقودنا إلى فهم كيفية “صناعة الرضا” (Manufacturing Consent) في العصر الحديث؛ حيث يتم استحضار كل “الكليشيهات” الاستشراقية القديمة لتصوير إنسان المنهاج ككائنٍ بربري لا يفهم لغة القانون، وذلك لتبرير حذفه من الوجود.

إنَّ ما مارسه الأكاديمي والإعلامي الغربي هو “جريمة صمت وتواطؤ” معرفية؛ فبدلاً من أن يكونوا “ضميراً للعالم”، صاروا “كتبةً للجنرالات”. ولكنَّ المثير في السنن التاريخية هو أنَّ هذه “الشيطنة” قد ارتدت على أصحابها؛ فجيل الشباب الغربي، الذي تربى في أحضان هذه المؤسسات، بدأ يشعر بالاغتراب والاشمئزاز من نفاق أساتذته وإعلامه، مما خلق فجوةً إبستيمولوجية (معرفية) لا يمكن ردمها. لقد فقدت السردية الغربية “سلطة الإقناع”، ولم يتبقَّ لها إلا “سلطة القمع”؛ وهذا هو مآل كل خطابٍ ينفصل عن الأخلاق والصدق.

إنَّ تهافت الخطاب الإعلامي والأكاديمي في اختبار غزة هو إعلانٌ رسمي عن نهاية “العصر الذهبي للتبعية الفكرية للغرب”، وبداية زمنٍ يبحث فيه العالم عن “معرفةٍ طاهرة” وعن “إعلامٍ أخلاقي” يجد ملامحه في “صدق الميدان” وفي سردية المظلومين الذين كشفوا بدمائهم زيف الديمقراطيات الورقية، مستعيدين بذلك سلطة الحقيقة من براثن “صناعة الشيطنة” الإمبريالية.

3. سيكولوجية “الإبادة الناعمة”: تبرير القتل بلغة “القانون الدولي”

إنَّ أخطر ما كشفه الطوفان في سلوك المركزية الغربية هو تلك القدرة الفائقة على ممارسة “التزييف القانوني” لشرعنة الإبادة، وهي سيكولوجية تعتمد على ليّ عنق المصطلحات لتصبح “رخصة للقتل” بدلاً من أن تكون “دروعاً للحماية”. لقد شاهد العالم كيف تحولت عبارة “حق الدفاع عن النفس” من مفهوم قانوني مُقيد بضوابط الضرورة والتناسب، إلى “شيك على بياض” وصكٍ مفتوح لممارسة التطهير العرقي؛ حيث استُخدمت هذه اللغة لقتل “روح القانون” بجسد القانون نفسه. إننا أمام حالة من “الاستثناء السياسي الجائر”؛ حيث يُمنح الكيان الصهيوني وضعاً فوق-قانوني يُبيح له ما يُحرم على البشرية جمعاء، وكأنَّ “القانون الدولي” قد صُمم بفتحات تهوية خاصة تسمح بمرور الجرائم الصهيونية دون أن تُصنف كخرقٍ للمواثيق.

هذه السيكولوجية تعكس تهافتاً أخلاقياً لا يمكن جبره؛ إذ يُصبح القانون هنا “خادماً للقوة” وليس “حكماً عليها”، وتتحول المحافل الدولية إلى مسارح للعبث اللغوي، حيث يتم التمييز بين “قتلٍ شرعي” يمارسه القوي، و”مقاومة إجرامية” يمارسها المظلوم المحاصر. إنَّ الإسهاب في تشريح هذه “الإبادة الناعمة” يضعنا أمام مفهوم “قانون الغابة المهذب”؛ فبينما يمارس العدو أبشع صور الوحشية المادية، تتولى الماكنة الدبلوماسية الغربية عملية “غسيل الجريمة” عبر صياغة بيانات معقدة تبرر قصف المستشفيات ومنع الغذاء والماء بوصفها “إجراءات أمنية ضرورية”.

إنَّ الخطورة تكمن في أنَّ الغرب لا ينتهك القانون فحسب، بل يمارس عملية “تدمير للمرجعية القانونية” ذاتها؛ فعندما يتم التلاعب بمصطلحات مثل “الإبادة الجماعية” أو “جرائم الحرب” لتفريغها من محتواها حين تتعلق بالكيان، فإنَّ الرسالة الضمنية للشعوب هي أنَّ “العدالة” وهمٌ إمبراطوري. إنَّ هذا التلاعب اللغوي هو “إبادة ناعمة” لأنه يسعى لنزع “الصفة الإنسانية” عن الضحية قانونياً قبل محوها جسدياً، بحيث لا يعود لموت الفلسطيني أي تبعات قانونية في الميزان الغربي المائل. هذا السقوط القانوني يمثل ذروة “تهافت الأصنام”؛ فقد أثبت الطوفان أنَّ “المحكمة الدولية” و”مجلس الأمن” ليسا إلا “أدوات ضبط” يستخدمها المركز لتأديب الأطراف، بينما تُعطل تماماً إذا ما اقترب الحساب من حلفاء المركز.

إنَّ سيكولوجية تبرير القتل بلغة القانون تعكس انفصالاً تاماً عن الواقع الأخلاقي، وتحولاً نحو “البراغماتية المتوحشة” التي تلبس قفازات حريرية. لقد سقطت “الصدقية القانونية” للغرب؛ فبعد اليوم، لن يمتلك أي مسؤول غربي الجرأة الأخلاقية ليعظ العالم حول “سيادة القانون”، لأنَّ دماء أطفال غزة قد جففت مداد أقلامهم التي يكتبون بها تقاريرهم الحقوقية المنافقة.

إنَّ “إنسان المنهاج” قد كشف للعالم أنَّ القانون الحقيقي هو “قانون العدل الإلهي” الذي لا يحابي القوي، وأنَّ القوانين الوضعية الغربية هي “أصنام من عجوة” يأكلها أصحابها كلما جاعت مصالحهم الإمبريالية. إنَّ هذا التهافت القانوني هو تمهيدٌ لولادة نظام عالمي جديد يقوم على “عدالة الميدان” و**”صدق المواجهة”**، حيث لا يمكن للغة المنمقة أن تحجب ضوء الحقيقة، وحيث تنكشف “الإبادة الناعمة” كأبشع أنواع الكذب الحضاري الذي يقتل القتيل ويمشي في جنازته متسلحاً بـ “الفيتو” وبرخصة “الدفاع عن النفس” الزائفة، مؤكداً أنَّ العصر الذي كان فيه الغرب يشرعن الجريمة بالكلمات قد انتهى تحت وطأة الحقيقة الصارخة التي فجرها الطوفان.

4. سقوط “الوصاية الأخلاقية”: نهاية عصر التلقين الغربي للشعوب

إنَّ أهم التحولات التاريخية التي أفرزها “الطوفان” هو التصدع النهائي والجذري لمنظومة “الوصاية الأخلاقية” التي فرضها الغرب على العالم منذ قرون؛ فالحضارة الغربية التي نصبت نفسها “أستاذاً” للبشرية، تمنح شهادات السلوك الحسن للدول وتعيد ترتيب قيم المجتمعات وفق مقاساتها الليبرالية، قد فقدت في غزة آخر ذرة من صدقيتها. لقد انتهى زمن “التلقين”؛ حيث كان الغرب يُلقي محاضراته الطويلة عن “حقوق المرأة”، و”قدسية الطفولة”، و”الحريات الفردية”، بينما هو اليوم يبارك وأد النساء تحت أنقاض بيوتهن، ويصمت عن تمزيق أجساد الأطفال بأحدث ما أنتجته مصانعه من بارود.

هذا السقوط ليس مجرد فشل سياسي، بل هو “إفلاس تربوي حضاري”؛ فقد أدركت الشعوب العربية والإسلامية والمستضعفة في “دول الجنوب” أنَّ هذه القيم ليست “كونية” كما يُدعى، بل هي “قيم وظيفية” تُستخدم كأدوات للضغط السياسي والتدخل الثقافي، وتُسحب من التداول فوراً إذا ما تعارضت مع مصلحة “الرجل الأبيض” أو وكيله الصهيوني. إنَّ الطوفان قد سحب البساط من تحت “الأستاذية الغربية”، محولاً خطابها الحقوقي إلى مادة للسخرية والازدراء الشعبي، ومحيلاً شعاراتها البراقة إلى “نكتة سوداء” تُروى فوق ركام المستشفيات المهدمة.

إنَّ هذا السقوط يقودنا إلى رصد حالة “التحرر من عقدة النقص” التي أصابت الوعي الجمعي للأمة؛ فلعقودٍ طويلة، كان هناك تيار عريض يرى في “النموذج الغربي” السقف النهائي للرقي الإنساني، وكان يشعر بالدونية أمام تكنولوجيا الغرب ونظمه السياسية. لكنَّ الطوفان قد عكس الآية؛ ففي الوقت الذي أظهر فيه الغرب “بربريةً متحضرة” (بمعنى توظيف العلم في خدمة القتل الجماعي)، أظهر “إنسان المنهاج” في غزة “رقياً فطرياً” وجمالاً روحياً وتماسكاً أخلاقياً أذهل العالم.

لقد تحرر العقل المسلم من “التبعية الذهنية”؛ فلم يعد كلام الغربي عن “الديمقراطية” يثير الإعجاب، بل صار يثير التساؤل عن “ديمقراطية القنابل” و”صناديق الموت”. إنَّ تحطم هذه العقدة هو إيذان بنهاية “الهيمنة الثقافية”؛ فالشعوب التي رأت ثبات أهل غزة ويقينهم بربهم في أشد الظروف قسوة، أدركت أنَّ “طوق النجاة” الحقيقي يكمن في “المنهاج الداخلي” لا في “الاستيراد الخارجي” للقيم، وأنَّ ميزان العزة يُقاس بالصمود والثبات على المبدأ لا بالانبطاح أمام بريق الحداثة السائلة.

إنَّ سقوط الوصاية الأخلاقية يعني بالضرورة “موت النموذج” كقبلةٍ للباحثين عن العدل؛ فكيف يمكن للغرب أن يعظ العالم عن “حقوق الطفل” وهو الذي يمنع الحليب والماء عن رضع غزة؟ وكيف يمكنه الحديث عن “حرية التعبير” وهو يقمع طلاب جامعاته لأنهم هتفوا للحرية؟ إنَّ هذا النفاق الفج قد خلق “فجوة إدراكية” سحيقة، حيث لم يعد ممكناً رتق الخرق الذي اتسع على الراقع. إنَّ الشعوب اليوم تمر بمرحلة “الفطام الحضاري” عن الثدي الغربي المسموم، وتبحث عن “مركزية جديدة” تنطلق من قيم الحق الإلهي والكرامة الإنسانية المتساوية.

إنَّ هذا السقوط هو المقدمة السننية لبروز “أمة الشهود”؛ فالله يضع “الأصنام الثقافية” في مواجهة الحق ليحطمها، مفسحاً المجال لنموذجٍ أخلاقي جديد لا يفرق بين دمٍ ودم، ولا بين طفلٍ وطفل. إنَّ نهاية عصر التلقين هي بداية عصر “التدبر والاجتهاد المنهاجي”؛ حيث تصنع الأمة قيمها من وحي ربها وواقع جهادها، تاركةً للغرب “هيكلاً حضارياً” خاوياً من الروح، يمتلك التكنولوجيا ولكنه يفتقد “البوصلة الأخلاقية”، مما يجعله “عملاقاً مادياً وقزماً روحياً” لم يعد جديراً باتباع أو محاكاة، بل صار عبرةً لمن يعتبر في زوال الأمم التي طغت في البلاد وأكثرت فيها الفساد، فصبَّ عليها ربك سوط عذابٍ سنني بدأ بسقوط هيبتها الأخلاقية في عيون العالمين.

5. “الطوفان ككاشف للمعادن”: الغرب الشعبي في مواجهة الغرب الرسمي

إنَّ الاستبصار السنني لمآلات الطوفان يقودنا إلى ملاحظة ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ الصراع: وهي حالة “الانفصام الوجودي” التي ضربت بنية المجتمعات الغربية. فقد عمل الطوفان كـ “كاشفٍ للمعادن” الحضارية، مبيناً فجوةً سحيقة لا يمكن ردمها بين “الغرب الرسمي” (السياسي المرتهن للوبيات المال والسلاح والمنظومة الصهيونية) وبين “الغرب الشعبي” (خاصة جيل الشباب والطلبة الذين تحرروا من سطوة الإعلام التقليدي).

إننا أمام مشهدٍ سوسيولوجي فريد؛ حيث تقف الحكومات الغربية في خندق “الإبادة” دفاعاً عن مصالح إمبريالية متآكلة، بينما يملأ الملايين من مواطنيها الشوارع والجامعات هاتفين للحرية من “النهر إلى البحر”. هذا الانقسام ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر السياسية، بل هو “انهيار في العقد الاجتماعي”؛ فالمواطن الغربي بدأ يدرك أنَّ طبقته الحاكمة لا تمثله، بل هي مستعدة للتضحية بقيم بلادها، وأموال دافعي الضرائب، وحتى استقرارها الداخلي، من أجل حماية “كيانٍ وظيفي” يمارس أبشع أنواع الوحشية. إنَّ هذا الشرخ ينذر بتفكك “المركزية الغربية” من الداخل؛ إذ فقدت الدولة دورها كـ “حامية للقيم المشتركة” لتصبح “حارسةً لمصالح اللوبيات”، مما أفقدها شرعيتها الأخلاقية أمام جيلٍ جديد يرى في غزة “ميزاناً للحق” لا يقبل التزييف.

إنَّ هذه الفجوة تكشف لنا عن “تمردٍ معرفي” يقوده جيل “زد” (Gen Z) والأجيال الصاعدة في الغرب؛ فهؤلاء الشباب الذين نشأوا في عالمٍ مفتوح، لم تعد تنطلي عليهم سرديات “الشيطنة” التي تروجها الصحف الكبرى، بل صاروا يستقون حقيقتهم من “الميدان” مباشرة عبر منصات التواصل التي كسرت احتكار المعلومة. لقد أدرك هؤلاء أنَّ “الحرية” التي يتحدث عنها ساستهم هي “حرية مشروطة” بالولاء للصهيونية، وأنَّ “الديمقراطية” تنتهي فوراً حين تتعارض مع أجندات التوسع الاستعماري.

هذا الإدراك ولّد حالة من “الاغتراب السياسي”؛ حيث يشعر الشاب الغربي اليوم بأنه يعيش في دولةٍ “مختطفة” من قبل مصالح غريبة عنه، مما يدفعه نحو “الراديكالية الأخلاقية” التي ترفض النظام القائم جملةً وتفصيلاً. إنَّ التظاهرات التي هزت جامعات “الرابطة اللبلابية” (Ivy League) لم تكن تضامناً مع غزة فحسب، بل كانت صرخة احتجاج ضد “النفاق البنيوي” للمنظومة الغربية؛ فكيف يمكن للجامعة أن تدرس “الأخلاق” في قاعاتها بينما تموّل أبحاثها وشركاؤها “آلة الموت”؟ إنَّ هذا التناقض الصارخ هو “الديناميت” الذي سيفجر المركزية الغربية من الداخل، محولاً إياها من “كتلة صلبة” إلى “جزر معزولة” تتصارع فيها الشعوب مع نخبها.

إنَّ “الغرب الرسمي” اليوم يعيش حالة من الذعر أمام هذا الزلزال الشعبي؛ فالتجأ إلى “الترهيب القانوني” وقمع المتظاهرين واتهامهم بـ “معاداة السامية” في محاولةٍ يائسة لترميم سقف “الوصاية” المنهار. ولكنَّ السنن التاريخية تخبرنا أنَّ الوعي إذا انطلق فلا يمكن رده؛ فالحقيقة التي فجرها الطوفان أصبحت جزءاً من “الجينوم الثقافي” للجيل الغربي الجديد. إنَّ هذا الانقسام الوجودي سيعيد رسم خارطة السياسة الدولية؛ فالمستقبل في الغرب هو لمن انحاز للإنسانية ضد الإبادة، مما يعني حتمية سقوط “النخب الوظيفية” الحالية وتصاعد تيارات جديدة ترفض التبعية للصهيونية وتبحث عن علاقةٍ ندّية وعادلة مع الشرق.

إنَّ الطوفان لم يحرر غزة والقدس في الوعي فحسب، بل بدأ في “تحرير الغرب” من أصنامه الداخلية ومن سطوة “اللوبيات” التي جثمت على صدر قراره لعقود. وبذلك، يثبت الطوفان أنه “فرقانٌ كوني”؛ ميز بين “الإنسان” و”الوحش” في كل بقعة من بقاع الأرض، وجعل من “المركزية الغربية” هيكلاً متداعياً تتصارع فيه ذكريات “الإمبريالية” مع أحلام “الانعتاق” الشعبي، ممهداً الطريق لعالمٍ ما بعد غربي، تكون فيه الكلمة للعدالة لا للقوة، وللشعوب لا للوبيات، تنفيذاً لسنّة الله التي تقضي بأنَّ الباطل ينهار دائماً من سوسٍ ينخر في أركانه من الداخل قبل أن تأتيه الصدمة من الخارج.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.