منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(4)تابع

عبد الغني منتصر

0

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(4)تابع

بقلم: عبد الغني منتصر

 

الفصل الأول: زلزال السنن وقراءة التحولات الحضارية

المبحث الثالث: المنهاج النبوي كطوق نجاة.

1. إبستيمولوجيا المنهاج: تجاوز المنطق الشعائري نحو فقه الاستخلاف

إنَّ أولى عتبات التحرر المعرفي في هذا السفر تقتضي منا فضَّ الاشتباك التاريخي حول مصطلح “المنهاج النبوي”، ذلك المصطلح الذي تعرض لعملية “اختزال عبادي” قسرية، حصرته في حدود الطهارة البدنية وترتيب الأذكار وآداب الطعام، ليتحول في الوعي العام إلى “منهاج سكوني” ينتج فرداً صالحاً في ذاته، لكنه مستقيلٌ من صراعه مع الباطل، ومنفصلٌ عن حركة التاريخ؛ بيد أنَّ المنهاج الذي نستلهمه من روح الطوفان هو “النسق الحركي” الذي يحول الوحي من نص للتلاوة إلى “خارطة طريق” لبناء القوة واسترداد السيادة، فالمنهاج ليس قائمة واجبات مدرسية، بل هو “إبستيمولوجيا” (منظومة معرفية) تهدف إلى إعادة صياغة الإنسان ليكون “فاعلاً إستراتيجياً” في ميزان السنن.

إننا نرفض المنطق الشعائري الذي فصل الصلاة عن “الجهاد”، وفصل الزكاة عن “بناء اقتصاد القوة”، وفصل التزكية عن “صلابة الميدان”؛ لأنَّ هذا الفصل هو الذي أنتج “غثاء السيل” الذي يملأ المساجد بجسده ويخلي الميادين من إرادته، وهنا تبرز عبقرية المنهاج النبوي في قدرته على دمج “الروح” في “المادة” صهراً واحداً، فآية “وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ” لا تخاطب أصحاب المصانع فحسب، بل هي “أمرٌ تعبدي” يسبق الصلاة في مقام المدافعة، وهذا ما جسده “تيار المقاومة” في مختبر غزة؛ حيث لم يكن المنهاج هناك كتاباً يُقرأ للتبرك، بل كان “نظام تشغيل” لجيلٍ استوعب أنَّ الصلاة التي لا تثمر صموداً في وجه الدبابة هي صلاةٌ لم تبلغ غايتها السننية بعد.

إنَّ الفرق بين “المنهاج الشعائري” و”المنهاج المنهاجي” هو الفرق بين من يقرأ “قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ” ليريح ضميره، ومن يقرأها ليعلن الكفر بـ “أصنام المركزية الغربية” وكل الآلهة المصطنعة التي تريد استعباد الأمة، فالمنهاج هو “طوق النجاة” لأنه يمنع الغرق في بحر “الواقعية الانهزامية”، ويقدم رؤية جسورة ترى في “المستحيل المادي” ممكناً سننياً إذا ما تحقق شرط الإيمان والعمل. ولنا في النموذج النبوي الأول أعظم استشهاد؛ حيث لم يبنِ النبي ﷺ في مكة مجرد جماعة “دراويش” يذكرون الله في الزوايا، بل بنى “نواة صلبة” قادرة على زلزلة عروش كسرى وقيصر، وهذا هو جوهر “فقه الاستخلاف” الذي ضاع بين طيات الكتب الفقهية المنشغلة بالفروع عن الأصول.

إنَّ المنهاج الذي نعنيه هو الذي يربط “تزكية النفس” بـ “تطهير الأرض”، ويرى في “سجدة المحراب” طاقةً لتوجيه “رماية السهم”، وبدون هذا التركيب يظل المسلم “كائناً وظيفياً” يسهل استحمارُه وتدجينه. إنَّ الطوفان أعاد لنا تعريف “المسلم المعاصر”؛ فهو ليس ذاك الذي يكتفي بـ “النظافة الظاهرية” بينما وعيه ملوثٌ بالتبعية، بل هو الذي يتوضأ بماء اليقين ليقتحم عقبات العصر، مسترشداً بقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”، فهنا نجد أنَّ الفلاح مرتبطٌ بسلسلة من الأفعال الميدانية (الصبر، المصابرة، الرباط) التي تتوجها التقوى، وليس العكس.

إنَّ إعادة الاعتبار للمنهاج كـ “علمٍ حركي” هو الكفيل بإخراج الأمة من تيه “الغثائية”، لأنه يستبدل “العشوائية” في العمل الإسلامي بـ “التخطيط السنني” الذي يدرك موازين القوى ويجيد المناورة مع الثبات على المبدأ، وبذلك يتحول المنهاج من “سجنٍ وعظي” ضيق إلى “فضاءٍ حضاري” فسيح، يمنع الأمة من الانتحار الجماعي على عتبات التغريب، ويمنحها الحق والقدرة في أن تكون “خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ” ليس بالادعاء، بل بالفعل التاريخي المشهود الذي يكسر الهيمنة ويقيم القسط في الأرض. وهذا هو المنهاج الذي يجعل من كل مرابطٍ في خندق “إماماً” في أمة، ومن كل تضحية “لبنة” في صرح التمكين القادم، الذي لا ريب فيه لمن استبصر بنور الوحي واتبع هدي النبوة في شموليتها وجلالها وقوتها الضاربة في أعماق التاريخ.

2. سوسيولوجيا الصحبة والجماعة: تذويب “الذات الفردية” في “البنيان المرصوص”

إنَّ الانتقال من تشخيص المرض إلى صناعة الترياق يفرض علينا الوقوف عند الركيزة الجوهرية التي قام عليها المنهاج النبوي، وهي ركيزة “الصحبة والجماعة” بوصفهما الميكانيزم السوسيولوجي الوحيد القادر على تحطيم “صنم الفردانية” الذي نحتته الحداثة الغربية في وجدان الإنسان المعاصر. فالحداثة في جوهرها عملت على “تذرير” المجتمع وتحويله إلى شتات من الأفراد المنكفئين على ذواتهم، يلهثون وراء خلاصهم الفردي ورفاهيتهم الخاصة، مما سهل عملية “الاستحمار” والسيطرة عليهم؛ بيد أنَّ المنهاج جاء ليعيد صياغة “اللحمة الاجتماعية” عبر “الصحبة” التي هي ليست مجرد مرافقة، بل هي “عملية صهر وتحويل” كيميائية تذوب فيها الأنا المتضخمة في سبيل “النحن” الرسالية. وهنا يتجلى الفرق الجوهري بين “الجمهور الغثائي” وبين “الجماعة المنهاجية”.

فالجمهور هو تجمع كمي لأفراد يجمعهم المكان وتفرقهم المصالح، أما الجماعة فهي “كتلة حيوية” يجمعها “المعنى” ويصهرها “الحال”. وهذا ما يفسر لماذا استعصى “إنسان الطوفان” على الانكسار؛ لأنه لم يكن يواجه العدو بصفته “فرداً” يبحث عن الحياة، بل بصفته “عضواً” في جسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. إنَّ “الصحبة” في فقه المنهاج هي “المختبر الروحي” الذي يتم فيه قتل “الأنانية” واقتلاع جذور “الوهن” (حب الدنيا وكراهية الموت)، حيث يرى الفرد في أخيه مرآةً لثباته، ويستمد من “الجماعة” طاقةً تتجاوز قدراته البشرية المحدودة، ولنا في الاستشهاد القرآني العظيم: “وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ” دلالة سوسيولوجية عميقة على ضرورة “الحاضنة الجماعية” لثبات الإرادة ومنعها من السيولة في وحل المادية.

إنَّ الحداثة التي أرادت تحويلنا إلى “مستهلكين وحيدين” سقطت رهاناتها أمام “روح الجماعة” التي تجلت في الطوفان، حيث رأينا المقاتل يقتحم الموت دفاعاً عن رفيقه، والأسرة تضحي ببيتها فداءً للمقاومة، وهذا هو “الذوبان في الجماعة” الذي حول الضعف الفردي إلى “قوة ضاربة” لا تقيسها رادارات العدو.

إنَّ المنهاج النبوي لم يأتِ ليعلمنا الصلاة فرادى فحسب، بل جاء ليقيم “الجماعة” التي هي “يد الله” في الأرض، والتي بغيرها يظل الحق مجرد أفكار نظرية لا تجد لها حاملاً اجتماعياً. فالصحبة هي التي تحول “المعلومة” إلى “خلق”، وهي التي تحمي الفرد من “الارتهان” لبروباغندا العدو، لأنَّ الجماعة تمثل “الدرع المعرفي” والساتر الروحي الذي يحفظ اليقين من التآكل. وبدون هذا “الغراء السوسيولوجي” تظل الأمة نهباً لمشاريع “فرق تسد” التي برع فيها الاستعمار. إنَّ الطوفان أعاد لنا هيبة “الموقف الجماعي”، وأثبت أنَّ الفردانية هي “سجن” صنعه الغرب لتدجيننا، بينما “الجماعة” هي الفضاء الرحب للحرية والسيادة. وهذا هو “طوق النجاة” الحقيقي؛ أن نخرج من سجون ذواتنا لنلتحم بجسد أمتنا، مستحضرين قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ”. فهذا “البنيان” ليس رصاً للأجساد، بل هو رصٌ للأرواح والنيات والإرادات، وهو الذي جعل من ثلةٍ محاصرة زلزالاً يضرب أركان المنظومة العالمية، ليؤكد أنَّ “إنسان المنهاج” لا يُهزم لأنه لا يقاتل وحده، بل يقاتل بقلب أمته، وبمددِ ربه، وبقوة “الصحبة” التي جعلت من الموت جسراً للحياة الكريمة.

3. المحضن التربوي في مختبر الحصار: المسجد والقرآن كأدوات لصناعة “إنسان التمكين”

إنَّ المتأمل في “الحالة الغزّية” يدرك يقيناً أنَّ الحصار الجائر الذي فُرض على القطاع لأكثر من عقد ونصف لم يكن مجرد أداة للعقاب الجماعي، بل تحول بفضل “الذكاء السنني” للمقاومة إلى “محضن تربوي مغلق”؛ حيث تم استثمار العزلة القسرية عن العالم الخارجي ومغرياته الاستهلاكية في إعادة بناء “الفرد الصمد”. فبينما كان العالم يغرق في “سيولة باومان” وضجيج الاستحمار الإعلامي، كانت غزة تنكفئ على “وحيها” وتصنع داخل مساجدها ما يمكن تسميته بـ “المفاعل النووي الروحي”.

إنَّ علاقة الغزي بالمساجد لم تكن علاقة تبركٍ عابرة، بل كانت علاقة “انتماءٍ وظيفي” كامل؛ فالمسجد في غزة هو النادي، والجامعة، والمحراب، وغرفة العمليات، وهو المحضن الذي تم فيه “قتل الفردانية” وتذويب الذات في الجماعة عبر آلية الصلاة والرباط. وهنا نجد أنَّ “حلقات حفظ القرآن” لم تكن مجرد نشاطٍ ديني تقليدي لترديد الحروف، بل كانت “عملية شحنٍ معرفي” لبناء خارطة ذهنية جديدة للمقاتل والمواطن على حد سواء. فحفظ القرآن في غزة هو “حفظٌ للهوية” وتحصينٌ لها من الانكسار أمام التفوق المادي للعدو، حيث يستمد الحافظ من قصص الأنبياء وصراع الحق والباطل يقيناً يجعل من “الميركافا” مجرد هيكلٍ حديدي واهن أمام وعد الله الصادق.

إنَّ هذا “الإسراف” في التربية القرآنية هو الذي أفرغ الحصار من مضمونه؛ فبدلاً من أن يؤدي الجوع والحرمان إلى السقوط في “قابليات الاستعمار” والاستجداء، أدى إلى بزوغ إنسانٍ “مستعلٍ بإيمانه”، يرى في الجوع صوماً وفي الحصار خلوةً مع الرب، وهذا هو “التحويل السنني” العظيم الذي حول الضعف إلى قوة. إنَّ تعميق الوصف لهذا المحضن يكشف لنا عن سر “الصلابة الغزية”؛ فالمسجد هو الذي خرّج هؤلاء الفتية الذين رأيناهم يقتحمون الحصون بقلوبٍ كأنها زبر الحديد، لأنهم لم يتربوا في كواليس “المنظمات الدولية” التي تعلمهم السلام الانهزامي، بل تربوا بين يدي “سورة الأنفال” و**”سورة التوبة”**، حيث تُعاد صياغة النفس لتعشق الخلود في الآخرة أكثر من البقاء في الدنيا.

إنَّ هذا النموذج التربوي هو الذي كسر “دورة الغثائية”؛ فالمسجد الذي يجمع القائد والمقاتل والعامل على مائدة القرآن يصنع “لحمةً سوسيولوجية” يستحيل اختراقها، ويحول المجتمع من ركامٍ بائس إلى “بنيان مرصوص” يشد بعضه بعضاً. وحين نتحدث عن “حفظ القرآن” كأداة للتحرر، فإننا نعني تحرر العقل من “الاستحمار” الذي أراد إقناعنا بأننا أمةٌ ميتة، ليعيد القرآن تذكيرنا بأننا “خير أمة”، وأنَّ العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.

إنَّ تجربة غزة أثبتت أنَّ “المحضن التربوي” هو المنطلق الحقيقي لأي تغيير، وأنَّ الاستثمار في “الإنسان” هو الذي يُبطل مفعول الاستثمار في “السلاح”؛ فالسلاح قد يصدأ أو ينفد، أما الإنسان الذي صُنع على عين المنهاج النبوي في رحاب المساجد فهو “سلاحٌ سرمدي” يتجدد بتجدد اليقين. ولنا في قول الله تعالى: “فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ” دلالةً على أنَّ رفع الشأن الحضاري للأمة يبدأ من “رفع المساجد” كمنارات للوعي والقيادة، وليس فقط كأبنيةٍ للصلاة. فالمسجد في غزة هو الذي صنع “المسافة صفر” قبل أن يصنعها الميدان، وهو الذي علم الناس أنَّ الجوع في سبيل الله هو “غنىً” والشهادة في سبيله هي “حياة”. وبذلك تحول الحصار إلى “أعظم فرصة تاريخية” لإعادة إنتاج “الجيل الفريد” الذي لا ترهبه التكنولوجيا ولا يخدعه بريق الحداثة الزائف، ليظل المسجد هو “الحصن الأخير” الذي انطلقت منه جحافل الطوفان لتمسح غبار الذل عن جبين الأمة، وتثبت للعالم أنَّ من يحفظ القرآن في صدره لا يمكن أن يُحفظ القيد في يده.

4. سيكولوجية “التخلية والتحلية” وصراع النماذج: المقارنة بين إنسان المنهاج وإنسان المادة

إنَّ الحديث عن المنهاج النبوي كطوق نجاة لا يستقيم دون وضعه في “مختبر المقارنة” مع النماذج الإنسانية التي أنتجتها الحداثة المادية، لكي يدرك القارئ أننا لا نتحدث عن خوارق ميتافيزيقية، بل عن “نتائج منطقية” لمقدمات تربوية واضحة؛ فالمسار المنهاجي يعتمد على آلية “التخلية والتحلية”، وهي عملية تطهير جذرية للوعي من “أوثان الحداثة” (كالخوف من الموت، وتقديس الرفاهية، والارتهان للمادة) وإحلال “يقينيات الوحي” محلها. وهنا تبرز المقارنة الصادمة؛ فبينما يتم شحن “الجندي الصهيوني” (كممثل للمنظومة المادية) بأحدث تكنولوجيا القتل وبحماية “الدرع المادي” الذي يكلف المليارات، نجد أنَّ جهازه النفسي يظل هشاً، مرتهناً لـ “غريزة البقاء”؛ فإذا ما انكسر التفوق المادي أو سقط “جدار الأمان” التكنولوجي، تهاوت الشخصية أمام الرعب الوجودي، وهذا ما رأيناه في فرار فرق النخبة في السابع من أكتوبر أمام فتيةٍ لا يملكون إلا أسلحةً بدائية؛ لأنَّ الجندي المادي لم يخضع لعملية “تخلية” من حب الدنيا، بل هو يقاتل ليحيا، بينما “إنسان المنهاج” في غزة قد تخلص من “ثقل الأرض” وأصبح يقاتل لينتصر أو يستشهد.

إنَّ هذه المقاربة تكشف لنا عن “فجوة المعنى”؛ فالإنسان الذي أنتجته الأنظمة الوظيفية في عالمنا العربي (إنسان الغثائية) يعيش حالة من “الارتهان النفسي” للعدو، حيث يرى في “الميركافا” إلهاً من حديد لا يُهزم، بينما المقاتل الذي تربى في المساجد وتوضأ بالقرآن يراها “نعلاً من حديد” تحت أقدام اليقين. ولنا في قول الله تعالى استشهادٌ مذهل يفرق بين السيكولوجيتين: “إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ”؛ فهنا تساوى “الألم المادي” (الجوع، القصف، الفقد)، ولكنَّ “الرجاء” (العامل الغيبي المنهاجي) هو الذي خلق الفارق السنني في الصمود؛ فإنسان المنهاج يمتلك “أفقاً زمنياً” يمتد إلى الآخرة، مما يجعل خسارته المادية في الدنيا (تهدم البيت، فقد الأهل) مجرد “استثمار” في تجارةٍ لن تبور، بينما “الإنسان المادي” يرى في فقدان شقته أو سيارته نهاية العالم.

إنَّ هذه المقارنة تحمي النص من الوهم؛ فالتفوق لم يكن في “كمية السلاح”، بل في “نوعية الإنسان”. فالغزيون الذين حفظوا القرآن لم يحفظوه ليكونوا “دراويش”، بل ليكونوا “رجالاً” لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وعن مواجهة الطغيان. ولقد رأينا شواهد ذلك في صرخات “يا الله” التي يطلقها المقاتل وهو يضع العبوة على ظهر الدبابة من “المسافة صفر”، وهي مسافة يستحيل على “إنسان المادة” اقتحامها لأنَّ حسابات “البقاء البيولوجي” تمنعه، بينما يقتحمها “إنسان المنهاج” لأنَّ حسابات “الشهود الحضاري” تدفعه.

إنَّ هذه التربية هي التي جعلت من غزة “حصناً ضد الاستحمار”؛ فبينما كانت الشعوب العربية تُحقن بجرعات “السيولة” واليأس، كان أهل غزة يُحقنون بـ “حقن اليقين”. ولذلك لم تنجح معهم كل محاولات “كي الوعي” التي مارسها الاحتلال لعقود. إننا لا نبيع الوهم حين نقول إنَّ المنهاج هو الحل، بل نقدم “البرهان الميداني” الذي سقطت فيه نظريات علم النفس العسكري الغربي أمام “عقيدة التوحيد” المفعلة حركياً. فالنصر في غزة هو “انتصار النموذج الإنساني” قبل أن يكون انتصاراً عسكرياً، وهو تأكيدٌ على أنَّ الأمة التي تملك “مختبراً تربوياً” كالمسجد، وتستمسك بمرجعية صلبة كالقرآن، لا يمكن أن تظل في خانة “الغثائية” للأبد، بل هي أمةٌ في طور الانفجار السنني الذي سيعيد رسم خارطة العالم وفق موازين الحق والعدل، مسترشدةً بقوله سبحانه: “وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ”؛ فالإيمان هنا هو “شرط العلو” النفسي والميداني الذي يحول المستضعف إلى فاعل تاريخي يهز أركان الإمبراطوريات.

5. المنهاج والواقعية الجسورة: ذكاء المناورة وعزيمة الثبات

إنَّ الخاتمة المنطقية لفهم المنهاج النبوي كطوق نجاة تكمن في قدرته الفائقة على صياغة ما نسميه بـ “الواقعية الجسورة”؛ وهي الحالة المعرفية التي يتجاوز فيها “إنسان الطوفان” الفخ المنصوب بين “الواقعية الانهزامية” التي تبرر التنازل باسم الحكمة، وبين “المثالية الحالمة” التي تنفصل عن تعقيدات الميدان. فالمنهاج ليس انسحاباً من الواقع، بل هو “اشتباكٌ ذكي” معه من موقع الاستعلاء بالإيمان؛ وحين نقارن هذا المنهاج بالتجارب السياسية “السائلة” التي غطت المنطقة لعقود، نجد أنَّ المنهاج هو الوحيد الذي استطاع أن يزاوج بين “الثبات المبدئي” الذي لا يبيع القدس بفتات المعونات، وبين “المرونة التكتيكية” التي تدير المفاوضات والتحالفات وحروب العقول بذكاءٍ منقطع النظير.

إنَّ هذه الواقعية الجسورة تستمد شرعيتها من قوله تعالى: “وَخُذُوا حِذْرَكُمْ” جنباً إلى جنب مع قوله: “فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ”. فالحذر هنا هو “الواقعية التقنية” (الاستخبارات، الأنفاق، الصبر الإستراتيجي)، وعدم الوهن هو “اليقين السنني” الذي يمنع الانكسار أمام ضغوط المنظومة الدولية. ولعلَّ أعظم مثالٍ يرفع عن نصنا شبهة الوهم هو قدرة “إنسان المنهاج” في غزة على إدارة صراعٍ مركب ضد قوى عالمية مجتمعة، دون أن يقع في فخ “الاستدراج” أو “اليأس”؛ فهو يدرك موازين القوى (واقعية)، لكنه يؤمن بـ “المعامل الغيبي” الذي يغير النتائج (جسارة)، وهذا ما يفتقده “السياسي الغثائي” الذي يرى في أمريكا قدراً لا يُرد، فيتحول إلى مجرد “موظف” في نظامها.

إنَّ التحليل المنطقي لهذه الواقعية يكشف لنا أنَّ الطوفان كان “درساً في السياسة” قبل أن يكون “درساً في القتال”؛ حيث أثبتت المقاومة أنَّ التمسك بالحق هو “أقصى درجات الواقعية”، لأنَّ التنازل لا يولد إلا مزيداً من التوحش لدى العدو، بينما الثبات يفرض معادلات جديدة. إنَّ المنهاج النبوي يعلم أتباعه أنَّ “القوة المعنوية” هي متغير فيزيائي في الصراع، ولذلك رأينا كيف أدارت غزة ملف المفاوضات تحت النار بمنتهى “البرود الإستراتيجي” والذكاء القانوني، متمسكةً بشروطها الميدانية، ومستندةً إلى “حاضنة شعبية” لم تنكسر. وهذا هو الفرق الجوهري؛ فالواقعية التقليدية تخاطب “العجز”، أما الواقعية المنهاجية فتخاطب “القدرة الكامنة” في الأمة.

إننا لا نبيع القارئ أوهاماً، بل نحيله إلى “السياسة النبوية” في صلح الحديبية؛ حيث كانت المرونة في “الشكل” (التكتيك) والصلابة في “الجوهر” (الإستراتيجية والهدف البعيد). وهذا هو المنهاج الذي يمنع المسلم من أن يكون “ساذجاً” يُخدع بوعود السلام الزائفة، أو “منتحراً” لا يحسب حساب القوة؛ بل هو “كيّس فطن” يدرك أنَّ الله هو “مسبب الأسباب”، ولكنَّ الأسباب يجب أن تُستوفى بتمامها.

إنَّ إنسان المنهاج هو الذي يقرأ “الواقع الدولي” بعين البصيرة، فيعرف متى يهجم ومتى يناور، وكيف يحول الحصار إلى “فرصة للتصنيع”، وكيف يحول التهديد إلى “رافعة للتحرير”. وبذلك نؤكد على أنَّ المنهاج هو “العلم العملي” الذي يخرجنا من تيه الغثائية؛ لأنه يقدم لنا إنساناً “صلباً كالحجر” في مبدئه، “مرناً كالماء” في حركته، “متوقداً كالنار” في عزيمته، وهو النموذج الوحيد القادر على قيادة الأمة نحو “مرفأ النجاة” في طوفان التحولات الكبرى التي تمخض عنها السابع من أكتوبر، ليثبت للعالم أجمع أنَّ “خيار المنهاج” هو الخيار الأكثر واقعية، والأكثر نجاعة، والأكثر قدرة على صناعة التاريخ في زمن عزَّ فيه الرجال وانبطحت فيه الهمم على أعتاب الاستكبار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.